عندنا ثلاثة اعياد للصليب: 1) ارتفاع الصليب في 14 ايلول وهو ذكرى اكتشاف القديسة هيلانة له، 2) تزييح الصليب في اول آب وهو ذكرى انتصار هرقل على الفرس واستعادته صليب السيد منهم إلى القدس سنة 630، 3) التكريم الذي نحن فيه في اواسط الصوم غالبا ما يعود إلى نقل جزء من الصليب المكرم من القدس إلى أفاميا (قرب حماه) بمناسبة بناء كنيسة فيها.

          ولكن بقطع النظر عن الظرف التاريخي هذا، أرادت الكنيسة ترتيب احتفال مصغَّر لما سيكون يوم الجمعة العظيم ورفع قلوبنا إلى آلام السيد بسبب الملل الذي يصيب بعض الصائمين من جهادهم. فحتى تشدّهم الكنيسة إلى رؤية آلام المسيح وقيامته، جعلت هذه تنعكس عليهم في تذكار يحمل معاني العيد. فنتصاعد من الاحتفال إلى رؤية ان محبة المخلّص لنا تجلّت بصَلبه، ونفهم ان حريتنا أتت من الجلجلة وان مجد العالم وقوّته أتيا من موت المعلّم.

          نحن لا نستعمل صليبا عاريا من المسيح كما يفعل البعض. شرط تكريمنا الصليب أن يكون السيد مرسوما عليه ليصبح ايقونةً بل ايقونة الايقونات. عندما نقوم بإشارة الصليب علينا او على جهات الدنيا الأربع بإيمان ووعي ودعاء، المهم ان نرفع الفكر إلى يسوع عندما نصلِّب وجوهنا فلا نكتفي بعلامة آليّة لا دعاء فيها. والمهم ان تأتي اشارة الصليب صحيحة، كاملة فنضع الأصابع على الجبين بصورة ملموسة والصدر والكتفين وذلك بشيء من التأنّي لا أن نقوم بإشارة مختصرة، متعبة.

          رتبة العيد المتّبعة اننا نضع الصليب على زهـور او رياحين في صينية محاطا بثلاث شموع مضاءة. الرمز الواضح ان الشموع الثلاث تشير إلى الثالوث وان الصليب الموضوع بينها يدلّ على أن خلاصنا انما تم بمشيئة الآب والابن والروح القدس معا ولو كان الموت عمل الابن وحده. والتقليد في توزيع الزهور على المؤمنين في نهاية المجدلة الكبرى في السَحَرية هو ان المؤمن يتقدم من الكاهن ويقبّل الصليب ويأخذ منه الزهرة للدلالة على ان الفرح أتى إلى العالم بموت المخلّص. نرجو هذا الفرح اذ نقول: «يا صليب الرب المشُوق اليه من العالم أَطلع اشعة نعمتك الباعثة الضياء في أفئدة مكرّميك ومصافحيك بمحبة إلهية» (صلاة المساء).

          هنا ايضا يتأكد ان الصليب عندنا ليس أداة حزن بل أداة فرح. المعلَّق على الخشبة هو رب المجد. هذا الأحد الثالث يبدو هكذا قفزة إلى الفصح.

          امام الفصح نفهم اننا في مشروع مصالحة مع الله، أن الكون كله بأربعة اطرافه مدعوّ إلى المصالحة. الصليب قد صار مركزا لدائرة الكون ومحور الأشياء كلها.

          تطبيقيا، المسيحي مدعوّ ان يحمل صليبه كل يوم. «يجب ان تكون مصلوبا مع المصلوب حتى تتمجد مع الذي هو في المجد». عندما نتّجه بعمق إلى الصليب يعني ان نَقبل ان تكون حياتنا كلها مصلوبة بحيث لا تبلغها خطيئة. كل الأشياء الحسية فينا تحتاج إلى ان تعبر بالمصلوبية لتبقى حواسنا وأفكارنا كلها مشدودة إلى المسيح، وهكذا يكون الصوم مفعّلا فينا طوال حياتنا. ان أخذنا الرياحين أو الزهر من بعد تقبيل الصليب يجعلنا تحت نير المسيح بفرح. ليس المسيح قامعا لنا مثل دركيّ نخشاه. اننا نحب ما يأمرنا به. «ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب». ان الذين عرفوا محبة الله لهم بيسوع المسيح لا يلازمهم الخوف القديم ولا يطمحون إلى مكافأة. يكفيهم وجه يسوع ويفهمون انه يربيهم بالآلام وانها افتقاد رحمته.