يعقوب ويوحنا ابنا زبدى أَظهرا أنهما كانا محبّين للسلطة فطلبا الى يسوع أن يجعلهما وزيرين في مملكته التي ظنّا أنها مملكة سياسية. رفض السيد أن ينفّذ لهما هذه الشهوة. هو ما جاء ليُنشئ دولة على الأرض ولكن أن يغيّر كل شيء بالإنجيل. تلميذ المسيح لا يطمح أن يخدمه عن طريق السياسة. نحن لنا لغة أخرى وأساليب أخرى.

بعد سقوط التلميذين يعقوب ويوحنا، قال يسوع لتلاميذه: «أنتم تعلمون أن الذين يُحسبون رؤساء الأُمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلّطون عليهم». في الكنيسة ليس أحد يجعل نفسه سيدا، وما من أحد يتسلّط على الآخرين. السلطة بمعنى الأمر والنهي والاستعلاء والتلذّذ بإعطاء الأوامر وبأن نُطاع ليست من العهد الجديد. حياتنا في العهد الجديد كله خدمة، وانت تأخذ مكانتك من الخدمة. لذلك أَكمل السيد كلامه بقوله: «من أراد أن يصير فيكم عظيما، يكون لكم خادما». عظمتك إذًا بمقدار الخدمة. علاقتك بالناس تبدأ من دخولك في خدمتهم. بعد هذا، أَكمل يسوع هذا المعنى بقوله: «من أراد أن يصير فيكم أولاً، يكون للجميع عبدا». العبد في الحضارات القديمة ليس له إرادة بذاته. إرادته إرادة سيده. هو لا شيء أمام سيده.

في الكنيسة والمجتمع انت تلبّي رغبات الآخرين. تتحسّس حاجات الآخرين لتُلبّيها حسب استطاعتك. «كنتُ جائعا فأَطعمتموني وعطشانًا فسقيتموني وعريانا فكسوتموني».

ويختم السيد هذا المقطع بقوله: «لأن ابن الانسان أيضا لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين». هذا الكلام صدى لقوله قبل ذلك بقليل لمّا تكلم عن آلامه وموته وقيامته. تموت أنت في الخدمة. تبذل نفسك في العناية اليومية، الدقيقة بكل من جعله الله في طريق حياتك.

هذا الفصل من مرقس يُلائم فترة الصوم التي نحن فيها لأنها خدمة مخصّصة للفقراء ولرعاية أَحدنا للآخر. الصوم بعضٌ منه حمية عن طعام، ولكنه خدمة للآخرين إذ نصلّي من أجلهم.

هذا أحد يتجلّى فيه عطاءُ مريم المصرية حياتَها ليسوع. خَدَمَتْه وخدَمَتْنا جميعا لما تأمّلنا توبتها. الآخرون هم كل شيء. اذا هم أخذوا منك ما أَعطيتهم يشعرون أن المسيح هو الذي يُعطيهم، ويشعرون أنهم يعظُمون بنعمته، واذا هم كبروا بها تمتدّ منهم الى إخوتهم. تتلازم في هذا الموسم الطيّب الصلوات ومشاركة الفقراء بالعطاء والصلاة. هذه كلها اذا اجتمعت تغدو مسيرةَ تواضُعٍ وطريقا للملكوت.