أنتم دعوةٌ كبيرة، طاقةُ خلاص. أنتم كذلك بسبب مَن تسمّيتم واصطبغتم به. وخطأكم احتسابكم أنّكم تقدرون، بدونه، على أن تظلّوا شيئًا. خطأكم الثاني ظنكّم أنَّ غيرَكم لن يكون شيئًا، كأنّ التسميات قائمة بحدّ ذاتها، أو كأنّ «صبغة الله» لا يقدر المسيح على أن ينعمَ بها على مَن يشاء بماءٍ أو من دون ماء. أجل، كلّ شيء آتٍ منَ المخلِّص الذي تعبدون: كلُّ حقٍّ، كلُّ طهر، كلُّ جلال، كلُّ تطلّع. مباشرة أو مواربة، لا خيرَ في العالم ينشأ إلا وللمسيح فيه لمسة. ولكن السيّد يلمسُ مَن يشاء. لا تستطيعون أنتم تقييده. لقد وعد بأنَّه سيسبغُ عليكم إنعاماتِهِ، ولكنَّه لم يقلْ إنَّه ينحصر فيكم. باللهِ، لا تكونوا ملكيِّين أكثرَ من مليككم، وهو «القادرُ أنْ يقيمَ من الحجارة أولادًا لإبراهيم».

أنتم لستم غايةَ العالم. إنَّ العالم لم يُخلَق لخدمتكم. ولكنَّكم أنتم صرتم إلى الوجود لخدمتِه. الخادم يستمع إلى رغباتِ سيِّدِه. إنَّه أذنان ناصتتان ويدٌ تنفِّذ. كلُّ فكرةِ السيادة غائبةٌ عنْ إيمانِكم! إنَّها مردودةٌ عندكم إلى فكرةِ الخدمة. ويستمدُّ السيدُ فيكم شرعيَّةَ حكمهِ منَ البذل. والحكم يزول إذا طغت على المسؤول ذهنيَّةُ الاستماع، تزول أصوله قبل أن يَفنى واقعُه. فلا الربُّ الذي به تؤمنون يرضى لكم سيادةً غيرَ قائمةٍ على الخدمة، ولا من ترعون يقبلون بذلك. ثمّ هذا التفوق الحضاريّ، الذي كان سيبرِّرُ السيادة، أمسى خرافةً أو هو في طريق الخرافة. العلمُ لم يبقَ وقفًا عليكم. والمعرفة في أبعادِها التي هي الإطلالات على الخير، والرقَّة والتذوُّق والرهف، كلّ هذا آخذٌ بالتوزُّع بين الناس. وإذا كانت الحضارة إلى حدٍّ كبيرٍ مرتبطة بالمرأة –لكونها موحية ومربيّة ونصف الدنيا عددًا–، فغيرُ المسيحيَّة تشاركُ المسيحيَّةَ في كلّ هبات الطبيعة، ولعلَّها آخذة في لبنان بالتفوُّق عليها على المستوى الجامعيّ. وليس شيء أحبّ إلى قلبِ المسيح من ذلك، لأنَّ المسيح عميمٌ وليس مُلكًا لأحد، لأنَّه يفعل الخير للجميع، وكان يفعله لغيرِ المؤمنِين بالله. إنَّ تقدمَ أتباع الديانات الأُخرى يفرحه بالمقدار عينه الذي يفرحه تقدُّمُ تلاميذِه. إنَّه مخلِّصُ العالم، وليس مخلِّصَ أتباعه وحسب. إنَّه يُنقذ الكلَّ بالطرائق التي يَعرفُها: بالآداب والتقنيَّة والنضالات الاجتماعيَّة الطيِّبة. لماذا لا نفرح، إذًا، جميعًا معه لفلاح الآخرين؟

سأذهب إلى الأقصى، لأقول إنَّ السيّد مرتبط بالتفجّرات الخلقيّة والفنيّة والعلميّة القائمة في العالم وإنّها، بمعنى ما، بعضُ حضورِهِ في الكون. الفكر المسيحيُّ يتبنَّى هذا الموقف اليوم. إنَّ المسيحيَّة المعاصرة أَخذت تَعي أنَّ حضرة الله لا تنحصر بالتواضع واللطف والمحبَّة. لأنَّها، إن كانت الإحسانَ العميم، فلها أن تختار وسائلَ الإحسان. إنَّ الحياةَ الروحيَّة الشخصيَّة، على ما فيها من إلهام وطاقاتِ تغييرٍ، ليست كلَّ الفعل الروحيّ في العالم. أجل، الدنيا تتحوَّل بالقداسة، وكان للقداسة وجهٌ واحد عندما كان العالم صغيرًا خاليًا من المشاكل على المستوى العالميّ أو كان غير معقَّد المسائل. ولكن، بتزايد التعقيد وتوحُّدِ الدنيا، بتضخُّمِ سكَّانها وحجمها والقدرة فيها، كان لا بدَّ للقداسةِ من أن تتَّخذَ أيضًا شكلاً آخر، شكلَ المعالجةِ الموضوعيَّة، التقنيَّة لأمور النَّاس. الإبداع اليوم مرحلة من مراحلِ ارتفاع الإنسان وسموِّه، حضور خفيّ للمسيح بالعالم. قد يتجلَّى المسيح بعد خفاء. ولكنَّ هذا الطورَ الخفيَّ لحضرته لا بدَّ منه. مساهمةُ تلاميذ السيد بتنشئةِ العالم وقلبهِ الجذريِّ، أمر يفرضه واجبُ محبّتهم لهذا العالم. هذه المحبّة لم تبقَ على المستوى الفرديّ. صارت على مستوى الفعل الجماعيّ، التاريخيّ.

هذا التحويل يقومون به مع الغير لصالح الكلّ. لم يبقَ التحويل الكونيُّ وقفًا على فئةٍ أو على بلدٍ مهما كان عظيمًا. لا، لا يمكن أن يكون عمليَّةَ عطاء من جهة واحدة. إنَّها مبادَلة، مشاركة. ذلك لأنَّ كلَّ هبة تحصل من جهة العظيم لمن كان دونه في ركب الحضارة، يعرِّض الكبيرَ إلى إخضاع الضعيف، إلى اشتراط انسجامه وسياسة تفوُّق. إنَّ المؤمن ليس فقط يعطي بسخاء، لكنَّه يأخذ، أيضًا، بالبساطة ذاتها والتواضع ذاته اللذين يعطي بهما.

وإذا كانت هذه الرؤية المسيحيَّة للأمور اليوم، فهذا يعني أنَّكم، أنتم المسيحيِّين، ينبغي لكم أن تقبلوا أنفسَكم في كلِّ بلد في حال عطاء وحال أخذ، أي في وضعِ مشاركة. أنتم في موضع العطاء، لأنَّ المسيح أنعم عليكم بالكثير. وإذا جعلتم أنفسكم في موضع الأخذ، فليس ذلك استمتاعًا واستلذاذًا، بل لأنَّه، أيضًا، نعمة ينعم اللهُ عليكم بها بواسطة الآخرين.

هكذا، قد يسهم بلدنا، في المجال العالميّ، في فكرة المشاركة التي لم تكتشفها الأمم العملاقة حتّى اليوم. وكثيرًا ما تأتي اليقظة للصغار. ولكنْ، ما هو أهم من ذلك مباشرةً هو أنَّكم تكونون قد تفتَّحتم إلى أنَّ الحياة هي أن ينسى الإنسان نفسَه وأنَّه، في وجدانِه الآخر بحقّ، يجد نفسَه في آخر المطاف. إنَّكم، حتّى الآن، لم تعرفوا الآخَر في الربّ. نظرتم إليه في قباحته. وكلُّ إنسان، بتقلُّباته وضعفاته، لا يخلو من سخفٍ ومراوغة وأنانية. ولكنَّ شناعة المخلوق لا تزيل عن وجهه مسحةَ الخالق. كلُّ إنسانٍ، في الدعوة وطاقات الله الكامنة فيه، في امتداداتِه إلى اللاَّمتناهي، كلُّ إنسان مسيحٌ، وعليكم أن تنظروا إليه فقط من هذه الزاوية. إنَّكم، عند ذاك، تُحيون فيه الإنسانَ الإلهيَّ الذي يمكنه أن يصيره. بل هناك الأعظم: إنَّكم أنتم لستم بشيء، إنَّكم بلا مسيح إن كنتم لا تنظرون إليه كذلك. وعند ذاك، لماذا تدعون بعضكم بعضًا وتدعون الآخَرِين أن يقرُّوا بتفوُّقكم؟ وإذا كان حضورُ المسيح يقومُ فقط على المحبَّة ولم تكن هذه فيكم، فلا حقَّ لكم في بناء البلد، ولا سهمَ لكم في بنيان الإنسانيَّة. إنَّكم منَ المحبَّة تستمدُّون معناكم، لأنَّها هي عندَكم كلُّ شيء، وبدونها تصبحون العدم. بدونها تعودون إلى الشراسة البدائيَّة.

أنتم، في الأساس، قائمون نواةً تموت، ليحيا غيرُها. بيدكم سرُّ الحياة، لأنَّ واحدًا علَّمَكم كيف تقبلون الموت. لعلَّ فلاحكم كلَّه في هذا الاختفاء، في تلك الطفرة الدائمةِ التي تَنقل حدودَ الكنيسةِ إلى حيث تتفانون. الـ”نحن” عندكم ألاَّ تقولوا «نحن». ماهيّتُكم كلُّها ألاَّ تفتِّشوا عن ماهيّتكم. حَصانتُكم ألاَّ تتحصَّنوا، أنْ ترموا بأنفسكم في وعر الطريق، في متاهات الدنيا. أنتم، وحدكم، لا تستطيعون أن تسودوا، لأنَّ «رؤساء العالم يسودونهم وعظماءَهم يتسلَّطون عليهم»، وأنتم لستم من هذا العالم. فخرُكم أنَّكم تزولون وجودًا روحيًّا فاعلاً، إذا صرتم أقوياء حسب منطق هذا العالم، أو شرفاءَ على المنوال المعهود. فقد «اختار اللهُ الخسيسَ من العالم والحقيرَ وغيرَ الموجود، ليعدم الموجود» (1كورنثوس 1: 28).

هل تؤمنون بذلك؟