صباح الاثنين في الثلاثين من الشهر الماضي قادني الرب في وعورة للطريق كبيرة إلى دير سيدة حمّاطورة الرابض في أعالي وادي قاديشا، وهو واحد فقط من المعالم الأرثوذكسية التي كانت حيّة في وادي القديسين باتجاه الشرق (كنيسة مار مخائيل القريبة، مغارة بيزنطية الرسوم درسها حسان سركيس, دير القديسين بطرس وبولس القائم حتى اليوم على النهر, دير مار جرجس فوق رأس كيفا). تصعد إليه من النهر الجاري تحت كوسبا، والدير يعلوها بقليل. في المدوّنات، آخر مطران على الجبل (وكان آنذاك مع بيروت) زار الدير هو السيد غفرئيل (شاتيلا) أي في القرن الماضي. منه كان يخاطب أبرشيته برسل يجيئون ويذهبون على متن الخيل.
الدير بعضه صخر وبعضه بناء. وهو آخذ بالتوسع بعد أن أُعيدت إليه حياة النسك منذ خمس سنين. عندنا فيه الآن عشرة رهبان شبان كلهم. استغرق الصعود إليهم ساعة وبعض الساعة على هذا الطريق المليء بالحصى والتراب وبعض إسمنت. ولكن جمال الدير وجواره مذهل، وكأنك في فردوس عدن.
استقبلني الرهبان عند مدخل الدير بالإنجيل والصلبان فأقمنا صلاة الشكر في الكنيسة وحدّثتُهم طويلا عن الحياة مع المسيح. أُخذنا بالزيارة. شاهدنا الجداريّات القائمة منذ القرن الثاني عشر ولعل بعضها أقدم وهذه كانت مخفية خلال قرون تحت الطلاء أو «الورقة» الذي سقط بنتيجة حريق قبل تأسيس الجماعة الرهبانية الحالية. وقد أخذ العلماء يدرسون هذه الرسوم. معظم الوجوه بيزنطية مع تأثير محلي في الثياب. بعض الوجوه خلاب.
ما يلفت هو الأثر البيزنطي والأثر الفرنجي في الصلبان على الحجر. بعد ذلك تخبرنا المخطوطات عن اقتحام المماليك للدير وإبادتهم خمسين راهبا فيه. بين القرن الخامس عشر والسابع عشر عندنا أثر لوجود حياة رهبان فيه وأسقف في السابع عشر. بعد هذا لا يترك لنا التاريخ –بانتظار جلاء المخطوطات– حياة شركة قبل أن تنشأ الجماعة الحالية.
اللافت أن الرهبان يصعدون وينزلون على الطريق وكأنهم طيور إذ لا بد لهم من سوق كوسبا وغيرها ليشتروا معظم حاجاتهم. يقضون أوقاتهم في الصلاة والعمل اليدوي والدراسة وأخذوا يرسمون الأيقونات. وللارشمندريت بندلايمون رئيس الأخوية نشاط رسالي من وقت إلى آخر. تقرأ اليونانية في المكتبة إلى جانب لغات أخرى.
من إشعاع الدير أن فريقا صغيرا من أهل كوسبا يقصد الدير كل أحد صيف شتاء وإن جمعية خاصة في تلك البلدة –ولها امتداد في أوستراليا– تدعم الدير ماليا ولا سيما أن البناء القديم لم يكن ليتسع للرهبان الحاليين وللعمال. وبعض البناء الجديد يقوم به شبان متطوعون لا بد أن يقيموا في هذا الموضع أثناء قيامهم بمخيمات العمل. إن هناك تداخل صلاة وحب قائم بين أبرشية طرابلس وأبرشيتنا.
إن المؤمنين الذين كانوا يحجون إلى الدير كانوا يطلبون والدة الإله. كانت تستقبلهم وحدها. اليوم تقام معهم الخدمة الإلهية كاملة ويستقبلهم إخوة مع بعض إرشاد وفي شيء من الدفء، وارجو أن يكون ذلك في العافية.
الشهادة التي تؤدى أن ثمة قوما يحاولون أن يحيوا في إلفة العريس الإلهي. ومن هذه الإلفة تأتي محبتهم, وأرجو أن يأتي تطهرهم على ما يخامر البشر جميعا من ضعف.
لقد بوركت هذه الأبرشية بخمسين راهبا وراهبة يسعون في حدود أجسادهم ونفوسهم بلا ادعاء ولا استعلاء, وأرجو ألا يظن أحد منهم إنه أفضل من الذين يحيون في العالم. إن الأدب النسكي يحذرنا كثيرا من هذه الخطيئة.
لا يحقق أي دير في العالم السماء قبل أن يخطفنا الله إلى ملكوته. إنه مكان لبشر ابتغوا السماء بانكسار وجهد وفقر ومحاولة حرية داخلية. هكذا أعطاني الله أن افهم في رعاية عذراء حمّاطورة مع تغريد الرهبان – العصافير.
