أرى نزعة تنبعث هنا وهناك إلى اعتبار الموكلين على الأوقاف مرجعا أخيرا لا يراجع سواه. ويُغذّون هذه النزعة بحجة أن الأجداد والآباء في هذه الرعية هم الذين وقفوا الوقف, فهُم إذًا خلفاؤهم في القرار، ولا علاقة للمطران بهذا الأمر. وعلى رغم أننا أحرزنا تحسّنًا كبيرا في الانسجام والتشاور، إلا أن ثمة ناسًا يقبعون في هذا التفكير وينفّذونه على أرض الواقع، الأمر الذي يجعلهم أصحاب قرار ومكانة ومهابة.
يؤذيهم لو لم تشاورهم المطرانية بأمر تقوم به في نطاق القرية –وهذا لم يحصل مرة واحدة بعد أن تولّيت خدمة هذه الأبرشية– ولا يؤذيهم أن يقوموا ببناء أو صيانة أو ترميم بلا معرفة المطران، فيرى هذا مشروعا قائما بكامله هنا وهناك لصدفة مروره بالمحلة (نعم هذا حَدثَ).أو تكون الكنيسة قد تنازلت بالسماح عن أرض لتسترده متى تشاء، والويل لها إن فَعلَتْ، فالسماح يصير في الواقع حقا على مدى الأيام.
ما وددتُ أن أقوله إن مبدأ الوقف ونظامه يعنيان أن جدّك عندما وقف عقارًا حرم أولاده منه وعزلهم عن مقدار من الإرث وقصد بذلك ألا يكون له علاقة فيه. فنحن ليس عندنا وقف ذرّي كما في بعض الطوائف، والأملاك كلها باستلام الكنيسة، والمستلم القانوني هو من نسمّيه الوليّ. وهذا هو حصرا الأسقف. فريق من المؤمنين هم وكلاؤه، وهذه هي الكلمة المستعملة في الخِدَم الإلهية. وفي القانون الجديد هو الذي يعيّن مجلس الرعية. صح أنه يستشير أو يتفاهم مع الرعية, ولكن القانون لا ينص على طريقة التفاهم أو أي إجراء عمليّ. هناك نوع من الاستمزاج تتسع رقعته أو تضيق حسب ظروف المحلة، ولكن في الحقيقة إن ما يسمى «مجلس الرعية» هو مجموعة مستشارين لدى المطران ينتدبهم لتصريف الأعمال اليومية وحفظ الموجودات وصيانتها ودفع الرواتب ولا يمنع عنهم المبادرة، ولكن ليس لهم الحق بتغيير المعالم أو إضافة بناء أو هدم بناء أو إنفاق مال كبير بلا مباركة الرئاسة الروحية لكونها هي المتولّية في القانون الكنسي.
وهذا لا ينص عليه القانون الأنطاكي الحالي ولكن القانون العام. فقد ورد في القانون 38 من قوانين الرسل: «ليعتنِ الأسقف بأمتعة الكنيسة وليدبّرها بمراقبة الله…» والقانون الذي يليه (أي 39) يقول: «لا يجوز للقسوس والشمامسة أن يفعلوا شيئا بدون رخصة من الأسقف لأنه هو المؤتمَن على شعب الرب وهو المسؤول أن يقدّم حسابا عن نفوسهم». فإذا كان الكهنة في حاجة إلى ترخيص، فمن باب أولى العلمانيون. كذلك القانون 41: «إننا نأمر أن تكون أموال الكنيسة تحت ولاية الأسقف لأنه إذا كان قد ائتمن على نفوس الناس الثمينة فمن باب أولى أن يؤتمن على الأموال الوقتية».
عندما لا يكون عندك محبة لأبيك تلجأ إلى سياسة الأمر الواقع عنادًا وتسلّطًا، ويأتي أحيانا عملك مشوّها أو في غير محله أو لا يكون الخيار الأول في الإنفاق. حان لنا أن نخرج من قوقعة الضيعة والإرادة الذاتية إلى رحاب الكنيسة كله.
