الكنيسة تريد لنا ان نركّز على معاني الصليب، هذا الذي تأمّله بولس في رسالته اليوم. أقتطف منها كلمتين. اولاهما: «مع المسيح صُلبتُ فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا في». مع المسيح صُلبتُ تعني ان السيد لما كان مرفوعا على الخشبة اتّخذني اليه اذ كنتُ فيه مع جميع الذين آمنوا به. وكما المسيح قام من بين الأموات، امدّ بالحياة الجديدة المؤمنين به. تركوا سيرتهم القديمة وأخذوا يسيرون حسب المسيح.

الكلمة الثانية هي آخر الكلمات في هذه الرسالة: «ما لي من الحياة في الجسد (اي في كل كياني) انا أحياه في ايمان ابن الله (اي في ايماني بابن الله) الذي أَحبّني وأَسلَمَ نفسه عنّي». انا احيا لا بالطعام والشراب والتنفّس (هذه أشياء معروفة ولكنها على مستوى البيولوجيا). في العمق انا أحيا بإيماني بهذا الذي أحبّني.

ما قال الرسول «أحبنا» بل قال «أحبني» للدلالة على ان كل واحد منا يتكوّن من محبّة يسوع له. يجب ان يتحسس كل منا ان الرب مات من اجله. نحتاج الى كل هذه المشاعر اذا عانقنا ايقونة الصليب (بلا صورة المصلوب ليس من صليب. واذا قلنا بطريقة شعرية اننا نسجد للصليب، فالمعنى طبعا اننا نسجد للمصلوب نفسه).

ثم نجيء الى إنجيل مرقس الذي نستهلّه بقول السيد: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». الرب يدعو الناس دعوة بمعنى انك اذا قررت ان تتبع يسوع فتكفر بنفسك اي بسيرتك الماضية، بما كانت عليه من خطأ سلوكي وأفكار تتنافى مع الإنجيل، فلا تبقى انت مركزا لذاتك، ولكنك تجعل يسوع مركزا لشخصيّتك وكلامك وأفعالك. وهذا يتطلّب حمل صليبك، وهنا يشير الرب الى كل المشقات التي تعانيها في هذا الوجود. تقبلها بفرح القيامة وتتبع المسيح. ان المسيح وصل الى تلة الجلجلة، الى الموت. اي اذا تبعته تميت خطاياك فتكون مصلوبا او تصبح شهيدا.

يتوغّل السيد بعد هذا القول بالاستنتاجات العمليّة فيقول: «مَن أراد ان يخلّص نفسه يُهلكها، ومن أَهلكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها». اي من أراد ان يخلّص نفسه بأمور الطعام والشراب واللباس والمأوى وما الى ذلك يكون قد ظنّ شيئا خطأ، لأن هذه الأمور تساعد جزئيا اذا ابتعدت عن الإفراط، ولكن الخلاص الكامل والحقيقي لا يأتي الا بي.

ثم يكشف هذا المعنى بصورة اوضح فيقول: «ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟». هنا يشدّد على ان المال ليس بشيء، والمجد والملذّات جميعا ليست بشيء. ان حزت على كل شيء وليس عندك المسيح، فأنت أفقر الفقراء او انت عديم الوجود. المسيح قاطع ولا يقبل ان تُشرك به شيئا آخر. ان يكون هو كيانك المركزي فيما تتعاطى شؤون الدنيا المطلوبة منك هو ان تقوم بها من خلال المسيح، فاذا استبعدته بأي شيء تتعاطاه يكون هذا الشيء تافها او مغلوطا.