هل سيتفرق العشاق بعد جلوسهم تحت قبة البرلمان؟ الأكيد ان الفرقة لن يكون أساسها طائفياً فقد جعل الأقوياء الذين من دينهم والذين ليسوا على دينهم خارج حلبة الرقص مع مقدار من المرارة لن يشفى منها من لازم قومه المقربين ويبقى مستمتعاً بالجاه عندهم لكن جاهه الأعلى انتظامه في الدولة اذ لا كبر عند اللبنانيين الا فيها أو بها.
قد يكون لمن اختارهم الناخبون أو لبعض منهم خطاب جديد ولكن ليس هذا دليلاً قاطعاً على قناعة جديدة. فلم يقم الدليل على ان الحرب انتهت ولكن ان نقول هذا شيء مريح لأن التوبة وحدها تنهي القتال ولم أرَ أحداً قال انه انخرط بالتوبة. هناك فقط تصريحات على انهم نسوا الماضي. ولكن هل اقتنعوا انهم لن يؤذوا وان الأذى الذي لحق بهم بات مغفوراً؟ عندما رجم اليهود القديس استفانوس (اسطفان بالعامية) قال: “يا رب لا تقم عليهم هذه الخطيئة”. ما قال لم يخطئوا ولكن لا تحاسبهم على ما ارتكبوه. أما الذين لطخوا أيديهم بالدم فيتكلمون على فقدان الذاكرة عند سواهم وليس عندهم ليبقى هذا التلاصق الكاذب بين اللبنانيين.
غير ان المضحك المبكي هو ان العواصف التي هبت انما كانت مكونة من كل جنس وطائفة وقدمت هذا المشهد ان المسيحيين والمسلمين واحد في هذا المعسكر وذاك لكنه واحد اذا انتصروا حتى يأتلف قوم جدد حسب معايير ستظهر بالممارسة. فقبل ولوج أبواب المجلس وبعد ولوجه سيكون لبنان “بيتاً ممرمراً” كما يقول حزقيال وتتبدل العصي التي تضرب هنا وهناك في هذا الخليط العجيب الذي هو الحكم اللبناني.
غير ان العارفين سيتفحصون العوامل التي وراء الاصطفاف بعضها جديد وبعضها عتيق. أنا ليس عندي وصفة لتغيير المشهد اللبناني لأن هذا يأتي من أعماق يحفرها الله فينا ليضع فيها كلمته. والكثيرون لا يقبلون هذا اذ يعني القبول تبديلاً في التكوين الخلقي للانسان اللبناني وانه على سبيل المثال يريد ان ينتزع عن نفسه عشق المال واللوذ بالأثرياء الفاعلين. لست أريد اليوم ان أتضجر من نفسي وأن أكرر اننا لسنا مقتنعين بأن الطاعة لله تحرر من الشهوة. في هذه الدنيا المقيت انت عبد لمن أعطاك فالفرنسيون يقولون: “من اعطى فقد امر”.
مشهد الانتخابات كان مشهدا للخطيئة بامتياز لكن الكثيرين ارتضوا ان يكونوا من القطيع. وهناك من لا يؤذيه هذا المنظر. لا يجرح احدا ان يسود الاخرين في بهيميتهم، هذه التي صاروا اليها بارتضائهم الرشوة.
لست في معرض الادعاء على احد ففي لبنان قلّما تدعي والاصول ان يخفي القضاء ادلة المدعي في هذا المجال. غير ان الرجاء ان يلهم الله الذين قالوا بتعديل القانون الذي اتى هو بهم اي ان يعرضوا انفسهم للخسارة بعد اربع من السنين الآتية وقد اجمع اهل السياسة على ان القانون جائر. غير ان المؤمن يخلص بالرجاء. ولكن لماذا اصروا على ارتكاب الخطيئة وقد قدروا ان يفارقوها؟ ربما لم يسمح ضيق الوقت الا بتبني قانون الالفين. ولكن املي ان يؤتى بقانون يرضي الجميع بما في ذلك شعور كل مجموعة دينية ان لها قولا في من يمثلها ابقينا هذا النظام ام الغينا الطائفية.
تعزى احد الكبار بأننا بلغنا نوعا من التوازن بعدما اصبح لكل طائفة زعيم. اولا اين الخير في هذا ان كان القصد الاخير الا تلازم طائفة زعيما واحدا؟ الزعامة الواحدة في كل طائفة لا تفرحني. ان هذا غير صحيح في الشيعة ولهم زعيمان ويصبو بعضهم الى تعدد اعظم. واذا اعترف الموارنة ان لهم زعيما اليوم كبيرا وفاعلا ففي القريب الذي يبدو عاجلا سيكون لهم زعيم ليس دون ذاك فعلا وكبرا وليس ما يشير الى انهما سيكونان على ايلاف عظيم ودائم.
اضف الى هذا ان عند الموارنة قادة رأي كثيرين ولعل من رضا الله عليهم انهم في شؤون الدنيا يختلفون ويتوحدون في شأن الملكوت. ورضاء الله على الارثوذكس اعظم لانهم لا يريدون ان يقيموا فوق رؤوسهم من يشرف على تعاطي دنياهم ولا يقيمون من يشرف وحيدا على شؤون آخرتهم. غير ان ما اتضح من الانتخابات ان شعبنا ليس حلف طوائف ذلك لان المال هو العنصر الفاعل في الاصطفاف او ان الاجنبي هو الجامع للناس وان اللبنانيين ليسوا على تلك العقائديات السياسية التي تباعد بينهم او تقرب. المجالسة على الكراسي بنعمة التراص او التلاصق بنت الشهوة وشهوة السلطة ام الشهوات او اعظمها وقد علمتني رؤية الخاطئين ان لا شيء يتحكم بهم ويفتك كما تتحكم بهم وجاهة الدنيا.
هذه اذا زالت من التعاطي السياسي تجعل الخطاب الوطني ممكنا وتأتي به معبرا عن المقاصد. وقبل هذا تتقاذفنا كل الرياح. ذلك اننا لا نزال في وسط المسألة الشرقية في ترجمتها الحاضرة. ومعنى ذلك عندي ان الانتخابات التي جرت عندنا لم تكن مستقلة عن تقاذف بلدنا في ملعب السياسة الدولية. لا تسألوني عن اللاعبين المحليين. ولكن من الواضح ان الارادة الدولية الفاعلة هي ان يقوم لبنان نموذجا للديموقراطية في الشرق اكانت شبيهة بديموقراطيات الغرب ام كانت قائمة بذاتها اي على شاكلة الشعب اللبناني بما يمتاز به القيمون عليه من حسابات وفساد ووصولية وما لا يبدو كذلك جزء من المسرحية.
هناك مسائل اساسية تنتظر الحل: سلاح المقاومة، المخيمات وما اليهما. لذلك وجب أن يؤتى بمن كان مؤهلا لمواجهة هذه المسائل بقوة. وبعد حلها يترك للبنان صورة الحكم والعيش السياسي التي تستجيب لها اخلاقه. اي ليس مطلوبا في الدول ان يبلغ لبنان من الرقي الروحي والنفسي ما يعده ان يكون عظيما. الصورة المصنوعة له تكفي ليدعى العرب الى التشبه بها وتقنع الادارة الاميركية شعبها بأن حرب العراق لم تخض سدى اذ قد تنتج منها طائفيات دينية وعرقية. عراق يتلبنن ما اجمله بلدا على خريطة الشرق المنهدم! كل هذا الوضع الرجراج من بلاد الرافدين الى عريش مصر يثبت فعل الغرب عندنا الى زمان لا يعرف مداه الا الله.
اين المسيحيون في كل هذا المشهد؟ اذا اصروا على ان يظلوا على هذه اللبنانية الهشة التي اخترعوها لانفسهم سيذهبون في رياح الصحراء ويتصحرون روحيا. ان لم يفهموا ان مملكة سيدهم ليست من هذا العالم لا يستطيعون ان يتحدوا. سيسعى من يرى مملكته من هذا العالم ان يجعلهم له اذيالا. في المعركة الطائفية هم خاسرون وكذلك في معركة المال. لم يفهم مسيحيو لبنان ان هناك لحمة بين انجيلهم والشأن الدنيوي. لم يفهموا ان سياستهم تأتي من طهارتهم وانه ليس محكوما عليهم ان يظلوا مستشارين عند عثماني ما او فقط مفكرين او شعراء وجيدين في الحرف الحرة منها والاخرى.
هل يعرفون يوما انهم مدعوون الى ان يعظموا بالمحبة في كنيسة تبدو متفرقة طوائف لكنها في الفعل التاريخي في هذا الشرق ينبغي ان تكون واحدة. لن يصيروا شيئا عظيما اذا فرضوا مندوبيهم لمواجهة او جبه. هذا لا يزيدهم عمقا ونقاوة. اذا لم يجلسوا فوق في السماويات لن يحتلوا اعالي التاريخ والابداع الثقافي.
متى يكون هذا او كيف يكون؟ الارثوذكس يعيّدون غداً لجميع القديسين. هل قرر مسيحيو بلدي ان يصبحوا قديسين هنا على الارض، في السياسة حتى تلعب على قواعد جديدة؟
