بعد أن حل السلام او السلام المرجو لا بد أن يقرأ لبنان نفسه على ضوء ما تتمنّاه إرادة الوحدة. صعوبة هذه الأمنية أن بلدنا كثيف الحس التاريخي وكأنّ كل جماعة منا سجينة حس يرقى الى الشرق القديم ويعبر بالديانتين القائمتين عندنا وبمذابهما. في بلدان العالم الذي عرف عصر التنوير منذ القرن الثامن عشر انتشر العقل الذي يسوس هذه الدنيا وانحسر الوحي الالهي في علاقته بشؤون السياسة فقبع في ضمير الفرد وتفاعل القوم في حيّز الوطن ببشريّتهم.

هذا التكثف التاريخي فيه قهر شديد ولو لم يخلُ من جمالات. وهذا ما اعطى النظام الطائفي عندنا الذي لا يستطيع ان يواجه ثقل الازمة العابرة كما لا يستطيع ان يرجو المستقبلات. غير ان زوال الماضي من الهيكلية الطوائفية لأمر صعب. ومن شأن هذه الهيكليّة ان تنهار اذا دخلنا الحداثة بتقدّمنا العلمي الكبير في كل مجالات الوجود المشترك ولا سيما في حياة اقتصادية متطوّرة وظهور دولة متقدّمة ومحصّنة داخليّا ودوليا. لست أظن ان احدا لديه وصفة جاهزة لنتحرر من انتمائنا الى العالم الثالث وتقبلنا للتنوّر العقلي الذي من شأنه ان يجعلنا – كدولة- نسلك سلوك الأمم العاقلة في شؤونا العامة.

غير أن هذا لا يأتي بقرار او لا تكفيه قناعة عقلية لأن الشهوات الكامنة تخلّ بالعقل ولكنه يأتي بالهدى النازل علينا من فوق اذ لا يفرض انضمامنا الى الحكم المدني الذي نتمنّاه ان نكون عميقي الروحانية الدينيّة ولكنه يفرض روحانية حارة ذات طبيعة انسانيّة مسكوب عليها هدى ما. لذلك لا يكفيني قول الأكثرين: ولاؤنا ليس للطائفة، لكن للوطن. اي ان عصبيّتنا لا ينبغي للطائفة بمعناها الكتلوي السياسي ولكنها عصبيّة للوطن الذي شاء ربك ان يحتضن جماعات مختلفة “لتعارفوا” اي انها متنوّعة على غير خلاف ومفتوحة احداها على الأخرى بحب بحيث ترى ولا تكتفي برؤية التنوّع الذي يكمن فيه صراع.

غير ان الجمع بين التنوّع والاختلاف يفرض ان يتركّز المؤمنون جميعا على الحب وربما ان يبرزوا من تراثهم ما يكشفه وما يقويه. وهنا دور للعلماء او للروحانيين الذين اخلصوا لله فلا نبقى أسرى الحرف بل نصبح عبيدا للروح. لماذا استدعيت العلماء وأهل الروح؟ ذلك أنّ عندنا جميعا دينا شعبيّا، تبسيطيّا، اسطوريّا، نفحته من الأعصاب نقرأ به أهل الدين الآخر ومسالكهم التاريخيّة وننتقل بالخيال الى أزمنة القهر ونعتبرها كأنها حاضرة ولعلّها كذلك عند الكثيرين.

# #

#

بسبب من هذا أرى نفسي في سهرات مسيحيين أبسط حقيقة الاسلام وأدعو الى قراءته الحسنة، ذلك أنه أعظم من المسلمين. وكذلك أعرف أن هذا او ذاك من أصدقائي المسلمين ينقّحون في أوساطهم الصورة المشوهة عن العقيدة المسيحيّة ويطمئنون الى أنّها أعظم قدرا وأعمق من تصرّفات المسيحيين. غير ان المشوار طويل جدا ويفترض تنزّها كبيرا وطهارة عليا. وهنا يأتي دور الكلمة الحلال ولست أريد بذلك الحوار العلمي الذي له مكانته ولكني أريد هذا التخاطب ضمن كل ديانة ومذهب لمعرفة الهدى الذي يقدر الله ان ينزله على عباده هنا وثمّة.

الى هذا أعود الى قاعدة بسيطة تمس السياسة اذا شئنا الا تتباعد القلوب وهي ان ترفض اية طائفة علوها السياسي او تمنطقها على أساس العدد او على اساس الخوف. ذلك ان العدد والخوف لا عقلانيّة فيهما. الأصل في عمق العقل وكيفيّته وفعله وومضات القلب عند الأفراد. وأريد بذلك اولية العقل المستنير بالروح والأدب والطراوة. وهذه كلها تجعل في العقل صفاء وقوة بحيث ينفتح على العقول الأخرى طلبا لشفافيّة قادرة ان تطيع العقول الأخرى لنخطو أخويا الى الأمام. وهذا يصح انه لم يكن أحدنا مشدودا الى ايديولوجيّة ترسخ فيه بشكل نهائي.

قد لا أشاطرك الفلسفة التي تكمن وراء ايديولوجيتك ولكن لا بد لنا ان نتقابس الرؤى الساطعة من قلوب إلهيّة ومن تحليل حر ولاسيما الفهم المرتكز على وقائع جلية.

طبعا الألم يجعلك أكثر حدّة ومع ذلك فالتلاقي ممكن بين الناس حتى التناضح. صحيح ان هذا البلد تكال فيه التهم كل يوم. ولكن الاتهام هو الى حد بعيد آتٍ من جهل الواقع ومن جهل الأوجاع التي يكابدها الآخر ومن التاريخ القاسي او الذي نقسيه عندما نقرأه على ضوء الحاضر المؤلم.

# #

#

واذا أشرت الى التفاهم فلست حاصره بين مذاهب الدين الواحد فليست القضيّة ان يتلاقى السنّة والشيعة وحسب ولست مخوّلا لألقي عليهم درسًا وأعرف الفارق الديني بينهم. غير أنّ المواقف لا تأتي فقط من فوارق في العقيدة ولكن من فوارق في التاريخ اي في السياسة. غير أن الحياة الروحيّة من جهة والجانب الإنساني في الجماعتين ومحبة الوطن الجامع من شأنها جميعا أن تنقح ما كان خطأ في المجتمعيّات الطائفية لتوصل كل واحد الى كرامته وازدهاره استهدافا للمساواة. “فذكر انك مذكر. لست عليهم بمسيطر” (الغاشية 21 و22). والمساواة هي للخدمة المتبادلة والرقي الثقافي للجميع.

ولست أريد بذلك ان تبادل الخدمة هو بين هاتين الطائفتين الكريمتين لأننا جميعا نتقابس. فالحياة جعلت المسيحي في نشأته يتعامل والسنّي والشيعي. غير أنّ النمو الوطني المشترك يجعلنا في تقارب مع الجميع. فالمسيحي اللبناني يذوق الاسلام بمقدار وقد يقوده هذا الذوق الى الفهم اي الى التقدير الروحي بحيث حق القول ان الخيّرين منا متلاحمون وقد يكون البسطاء أمتن تلاحمًا من أهل الفكر.

بإكمال هذا التأمّل لا بد من المسيحيين ان يتقاربوا في الحقل الوطني كما تقاربوا كثيرا في الحقل الكنسي منذ عقدين او ثلاثة بحيث لا يطغى العدد او الحس التاريخي المرتهن لالتزام لهم واحد لا بمعنى تكتّل طائفي جامع ولكن بالمعنى الذي أراده السيّد وهو أن نكون خدامًا لا مخدومين على صورة ابن الانسان. المسيحية فيها هذه القدرة الرهيبة ان تحرر الانسان من مخافة التاريخ ووطأته اذا اقتنع المسيحيون ان رسالتهم الّا يهجروا لبنان. انت لا يمكنك ان تصطنع تاريخا جديدًا بأعجوبة.

انا لست أدعو الى ظهور قيادات مسيحية تستقطب الكل. أنا أنتمي الى كنيسة لم تعرف في لبنان مرة قيادة سياسيّة لها موحدة لأننا تربينا في هذه الكنيسة على الحريّة تأسيسًا على لاهوتنا. وأدبياتنا كثيرا ما جاء فيها اننا لسنا بطائفة بالمعنى الدستوري اللبناني. مهما يكن من أمر نذوق بقيّة المسيحيين بسبب وحدتنا في المسيح السيّد.

ونحن نعلم ان تقلّصنا العددي مهما بلغ لا يعني شيئا من حيث تأثير “البقيّة الباقية” على مستوى الروح والعقل والولاء اللبناني الكامل. وفي هذا لن ننشئ تراصا مسيحيا بالمعنى السياسي. اذا فهم المسيحيون قول المعلّم: “الكلام الذي أكلّمكم به روح وحياة” لايقيمون وزنا لشيء آخر. يصنعون، اذ ذاك، مع الآخرين لبنانًا جديدا.