في هذا الأسبوع نبلغ منتصف الصيام وقد دلت خبرة الكنيسة ان بعضا من المؤمنين – بعد جهاد طويل – يملّون الجهاد. فلئلا تخور قوانا الروحية رتب آباؤنا ان نقيم في هذا اليوم عيدا يشبه يوم الجمعة العظيم فنسجد لآلام السيد ونتخذ منها نفحة قيامية. فنطوف بالصليب حتى وسط الكنيسة ليأتي المؤمن ويعانقه ويأخذ من الرياحين المحيطة به ليفهم ان هذا العناق يعطيه فرحا.

         وفي خدمتي الغروب والسحر نقول للصليب انه “المشوق اليه من العالم” وانه “الحامل الحياة” ونقول ان العالم امتلأ به فرحا لكوننا واثقين اننا نلنا به الخلاص، هذا الذي كشفته لنا القيامة. وفي الرسالة الى العبرانيين التي نقرأ منها نذكر ان المسيح كاهن الى الأبد وقد أظهر كهنوته العظيم اذ صار بموته قربانا للآب. ونتمم خدمة الطواف بما يشبه خدمة رفع الصليب في 41 ايلول. والمبتغى من كل ذلك ان نكون متحدين بيسوع. كيف يكون هذا الاتحاد؟

         عن هذا السؤال يجيب إنجيل اليوم: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. نحن مدعوون ان نتبعه. هو جاء من اجل ذلك. شرط ذلك ان نكفر بذاتنا المنغلقة على نفسها، الواقعة في شهواتها. الإنجيل يدعونا ان نزيل العراقيل التي تمنعنا عن رؤية يسوع حياة كاملة لنا. الخطيئة تعني، بالعربية، اننا نخطئ الهدف او اننا، في طريقنا الى السيد، نلتهي بأشياء اخرى فنحيد عن الطريق لكوننا نسينا قوله: “انا الطريق”.

         كل منا يغريه هذا الضعف او ذاك. لم يذكر يسوع الضعفات باسمها: الكذب، الاحتيال، الحقد، الغضب الخ… ذكرها كلها بقوله: فليكفر بنفسه اي بهذه الأنا الحاملة كل هذه الضعفات. لماذا يجب ان نبتعد عن كل شر؟ يقول يسوع: “من اجلي ومن اجل الإنجيل” اي محبة بي وارادتنا على إعطاء التعليم الإنجيلي وتطبيقه. ذلك لأن الذي يحب ذاته أنانيا ليس عنده محل ليحب يسوع او ليحدث الناس عنه.

         وحتى يكشف السيد الخطأ مـن شهوتنا لما هو غيره قال: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. كل غنى العالم وكل نفـوذه وكل ملـذاته ماذا تنفعنا ان خسرنا “الذات” اي هـذه الشخصية الطيبة، المحبة، الطاهرة التي أسلمت ليسوع. وفي خبرة التأئبين ان كل مسرات الدنيا لا تقاس بالفرح الروحي الـذي ينزل علينا اذا احببنا السيد. لا يمكن تشبيه اي شيء نكتسبه مـن ملذاتنا بالنعمـة التي تنزل علينا من الله.

         كان هذا الأحد لنفهم هذه الحقيقة. ننضم الى الصليب اي الى ما يبدو لنا ألما ونقبل صعوبة الإمساك والتقشف والمثابرة على الصلاة لكي نصل الى القيامة. ونفهم في مسيرتنا اليها ان نورها يتخلل هذا الصيام.

         ما ينبغي التروض عليه ان المسيحية تكلف جهدا كبيرا. ولكن اذا بذلنا هذا الجهد نصير محبين له لعلمنا انه تعب من اجل المسيح. يبدأ هذا تعبا. وبعد ذلك يصير سرورا. هذا هو سر الصليب والقيامة ان ما حدث للسيد اي موت وانتصار ينعكس فينا. نميت نحن الخطيئة، نصلبها فنقوم في الفرح حسب قوله المبارك: “انا القيامة والحياة”. لا ننتظر فقط القيامة الأخيرة ولكن نذوقها مسبقا اذ نحيا مع المسيح. وهذا ما سنجده في النفس بين الجمعة العظيم وصباح الفصح.