ما هي الأفكار التي تبثها فينا الكنيسة اليوم استعداد للصيام؟ المعاني معبّر عنها في صلاة المساء وصلاة السحر. الفكرة السائدة هي العودة الى فردوس آدم الذي طردتني منه الخطيئة. “سكنى الفردوس” تعني حالة آدم قبل السقوط اي معاشرة الله والكلام معه من جديد. الغاية هي الخلاص والخلاص بالصليب. فاذا تشددنا بآلام المسيح نتمم الصيام ونسجد لقيامة الرب. منذ اليوم الاول هدفنا الفصح.
امام هذه الرؤية نقرأ في الرسالة: “قد تناهى الليل واقترب النهار”. الليل هو الخطيئة التي نصوم لمكافحتها. والنهار او النور يلتصق بنا حسب دعوة بولس: “البسوا الرب يسوع”. هذا ما سنرتل في سبت النور: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم”.
نعرف الغاية التي هي القيامة. ولكن ما الوسيلة لبلوغها؟ الإنجيل هنا يقول: “ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم ابوكم السماوي زلاتكم”. الصوم من عناصره الأساسية ان نصالح الآخرين، فاذا كنا نحن وإياهم جسد المسيح، نغض النظر عن سيئاتهم ونشملهم بمحبة المسيح التي نحن نعرفها. اذا غفرنا نجعل الفرح في نفوسنا ونفوس الآخرين. لذلك قال السيد: “اذا صُمْتَ فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي يرى في الخفاء”. اجل الصوم هو في امتدادنا الى الآخرين بالغفران. ولكنه بالدرجة الاولى صعود الى الرب الذي لولاه لما رأينا القريب ولما احببناه.
والقريب يعني لكل واحد منا الفقير الذي اذا لم يأكل يكون هذا لعدم انتباهنا اليه اي عدم الاعتراف به أنه من لحمنا وعظامنا وبالدرجة الاولى من لحم المسيح وعظامه. ولهذا في إطار الصيام قال: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض” لأنكم بذلك تحجبونها عن الآخر الذي يحتاج اليها. هل تعرف انك مؤتَمن على اموال الله التي بين يديك وان ما عندك هو ما يحتاج المساكين اليه. غير انه يبدو ان ما يريده يسوع لا ينتهي عند الإحسان او المشاركة اذ يقول: “حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك”. فإن اعتبرت المال كنزك فقلبك فيه. وان اعتبرت الله كنزك فقلبك فيه.
أعطِ بالطريقة التي تريد: لسائل يقول لك ليس عنده دواء او لا يستطيع ايفاء قسط ولده. هذه تعزيات تريح النفس. او اعط كاهنا تعرف انه يُحصّل معيشته بصعوبة. من بذل باستمرار يحب باستمرار. ومن لا يعطي ابدا لا يحب ابدا.
غدا سنصوم معا لأننا في حاجة ان تنزل علينا الرحمة معا وان نسير معا الى فصح الرب بالإمساك الذي وضعت الكنيسة صورته: الإحجام عن اكل اللحم ومشتقاته وحسب أعرافنا اليوم بدءا من وجبة الظهيرة. هذا من ضبط النفس وهذا إطار للصلاة المكثفة التي هي مناجاة ليسوع الآتي الينا يوما فيوما. فاذا أمسكت لا بد ان تذكر – إن هاجمتك التجربة – انك، في هذا الانضباط، على عهد مع الله لمتابعة مسيرة تكون فيها الخطيئة هجينة.
انت تركز، في هذه الفترة، قواك كلها على يسوع لتجاهد معه وتخلو اليه مهملا ملذاتك وتسلياتك واللهو لتنحصر في حبه. وتقرأ ما يقوله لك حبه هذا فيك شبيه بالمشي في الصحراء ولكنها صحراء تتفجر منها بعد حين ينابيع الخلاص.
