جابي ضرائب بل رئيس جباة هذا الذي إنجيله اليوم. رجل غني اغتنى من أموال الناس, معظمهم فقير آنذاك. مع ذلك “كان يلتمس أن يرى يسوع”. حدَّثوه عن هذا الرجل الذي يصنع معجزات ويحب الفقراء ويعلّم تعليما يمسّ القلوب ويشفيها من حزنها. كيف يعرف السيد المحاط بالجماهير, المختلط بالجماهير وهو قصير القامة؟ فكّر أن يصعد إلى جمّيزة لينظر يسوع الذي لا بد أن يكون في الصف الأمامي. اشتاق أن يشاهد وجه هذا المعلّم الجديد لعله يجد فيه نورا يطمئن إليه.

انتهى يسوع إلى الموضوع ورفع طرْفه فرأى الجابي الظالم وكان يسوع يعاشر هؤلاء الجباة ليهديهم إلى ربهم. “فقال له يا زكا أَسرع انزل”. سمّاه باسمه, وفي فلسفة تلك الأيام بيَّن يسوع اهتماما شخصيا بالرجل. مدّ جسرا بينهما. نظر إليه وقال له “أسرع انزل فاليوم ينبغي لي أن أمكث في بيتك”. يريد بينهما لقاء حميميا. كيف قابل زكا هذه الدعوة؟ “أسرعَ ونزلَ وقبِله فرِحا”. كلام يسوع كان: “أسرع انزل”. فِعْل زكا كان أن أسرع ونزل و”قبله فرحا”. لماذا هذا الفَرح؟ لا شك إنه كان يرتجي أن يحصل شيء في هذه السهرة مع أن شيئا لا يدل أن زكا قد يذهب بعيدا في هذا الحوار.

تذمَّر الناس لكون السيد أبدى رغبته في الحلول عند رجل خاطئ. هذا من تأثير الفريسيين عليهم. على الطريق وقبل أن يصلا إلى البيت, زكا تاب فورا لمجرد لقائه يسوع وقال للسيد: “ها أنذا يا رب أعطي المساكين نصف أمواله أتت من المكلفين الذين قبض منهم جباية لا تستحق عليهم.

زكا قلبه انفتح لأن نعمة يسوع لمسته. لم يقل فقط من فمه إنه يتوب. هذا يبقى خيالا إن لم يكفّر عن ذنوبه الماضية, وهذا يتطلب شيئا عمليا. فمن لا يبذل من ماله للفقراء لا يمكن قد تاب. يكون فقط قد تغنى بالتوبة. زاد زكا: “وإنْ كنتُ قد غبنتُ أحدا في شيء أردّ أربعة أضعاف”. هذا يعني إن العشار يذكر بعضنا من الذين ظلمهم. يرد له أربعة أضعاف حتى لا يبقى ضميره مثقلا بشيء, ليكون قد تطهر تطهراً كاملا.

الرجل عاد إلى ربه عودة كاملة. صار إنسانا جديدا. هذا ما أكده له يسوع بقوله: “اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت”. هذا الرجل الذي كان هالكا أصبح الآن من أبناء الملكوت وسمّاه يسوع “ابن إبراهيم” أي ابن الإيمان. الهداية تأتي من الإيمان أي من تسليم الإنسان قلبه إلى الله. من انسكبت عليه نعمة الإيمان تحوّله إلى إنسان عامل وتفتح يديه ليعطي.

الكلمة الأخيرة للسيد: “إن ابن البشر إنما أتى لطلب ويخلص ما قد هلك”. المعنى أن الإنسان الذي تعتبره أنت هالكا, كامل الهلاك, يقدر الله أن يحوّله بحنانه. يطلبه كما طلب يسوع زكا. يطلبه فإذا استجاب يخلص. ينتهي ماضيه السيء, يُمحي. يصير خليقة جديدة لأنه يطلع الآن من قلب الله أو ينسكب قلب الله في قلبه.

الخطيئة ليس أذاها في أن نخالف ولكن أن نصرّ على المخالفة. الخطيئة أن نحب خطيئتنا. هي العناد. مع ذلك يمكن الله أن يحطم القلب الحجري الذي قسّى نفسه وأغلقها دون النعمة.

مع إنجيل زكا نقترب من الصوم الكبير, نذكر أن العودة إلى الله تنتظرنا, حتى إذا ما جاء الصوم وتعهدناه نفهم أن التوبة يجب أن تكون جدية لرؤية الفصح.