الأزمة السياسية التي تجتاحنا تدعوني الى التكلّم عن لبنان الأساس لأن بعض الأزمة متعلق بالجذور ولا تقتصر على اشتهاء السلطة عند هذا الفريق او ذاك والصعوبة في الكلام على الجذور لا تكمن فقط في ان الإسلام والمسيحية في مواجهة دينية بعد ان اختلط اللبنانيون من كل حدب وصوب اختلاطا سياسيا بحيث لم يبقَ التواجه بين الديانتين هو الأصل الوحيد لأزماتنا ولم يبقَ صحيحا ان التوتر قائم بين مسيحيين ومسلمين اذ الصدامات الإقليمية والدولية انصبت على هذا البلد. غير ان المقابلة بين المسيحية والإسلام عند بسطاء القوم ومفكريه نائمة في النفوس وتبعث من حين الى آخر في ترجمة سياسية.

                      وتبديدا لكل سوء فهم وسيرا في الجيوبوليتيك ما من شك ان الخلاف بين اهل بلدنا ليس مرآة للصراع القائم بين الغرب «المسيحي» والشرق المسلم. فخلافا لممارسات الدول الغربية في القرن التاسع عشر ومنذ القرن السادس عشر تم الاتفاق بين فرنسا والسلطنة على حماية فرنسا للكاثوليك الشرقيين تم في أواخر القرن التاسع عشر كان العثمانيون يتقبّلون حماية روسيا للأرثوذكس ولكن بلا تفاهم مكتوب بين الروس والأتراك ثم مع ظهور البلشفة لم يبقَ من اتصال بين الاتحاد السوفياتي والأرثوذكس وانتهت رعاية فرنسا للموارنة عند انتهاء الحرب العالمية الثانية. اما الولايات  المتحدة فلم يكن يوما لها شعور خاص بالمسيحيين. اميركا كانت بروتستنتية ولا إحساس لها بالكنائس الشرقية القديمة الى ان تمّ احتضان اميركا للمملكة العربية السعودية منذ تأسيس المملكة بعيد الحرب العالمية الأولى.

                      ربما قادت العَلمانية الفرنسية الى عدم التصرف التمييزي بين طوائف هذا البلد وهذا واضح منذ تسلم شارل ديغول للحكم في بلاده وتتالت التصريحات بحياد فرنسا عن الطوائف وآخرها ما فاه به وزير خارجيّتها برنار كوشنير في ايام او اسابيع خلت.

                      واذا كان من ميل خاص للأميركيين غير مقول ولكنه واضح فهو ميلهم الى البلدان الإسلامية -قبل مشكلة إيران الحالية-  لعلمها بأن النفط مخزون في البلدان الإسلامية. الثابت تاليا ان ليس للمسيحيين في لبنان رعاية من أحد وعلى تدخل اسرائيل في الحروب الأهلية عندنا فلم يكن عندها احترام للمقاتلين «المسيحيين» الذين آزرت وهذا وارد حرفيا في الأدبيات الصهيونية التي في مكتبتي.

#           #

#

                      مل يفخر به اللبنانيون التنوّع الثقافي. وهذه مفردة خفرة يراد بها التنوع الديني القائم على السلام. وعندما أتبنّى هذا القول امام الأجانب يجيبون اصطدام الموارنة والدروز مرتين في اربعينات القرن التاسع عشر وكذلك السنة الـ ١٨٦٠ ثم نشبت الحرب الأهلية وكانت ذات طابع طائفي وذُبح المسيحيون في دمشق في السنة  الـ ١٨٦٠ وحماهم فيها عبد القادر الجزائري في منزله الى ان هاجر بعضها منهم الى بيروت واحفادهم معروفون حتى اليوم فيها. فهل السلم الأهلي في لبنان سوى مرحلة بين قتال وقتال؟ مسيحيو دمشق لم تكن لهم اية علاقة باللبنانيين لكون دمشق قلب ولاية عثمانية ولكون مسيحيي لبنان كانوا من المتصرفية. اجل كان للسلطنة إصبع في هذه الحوادث الطائفية ذات الطابع السوسيولوجي ولكن لم يدخل عنصر الحقد الديني في هذه المواجهات ولم يكبحها الايمان في هذه الشريحة او تلك. قال الوزير طارق متري في فصلية «أبجدية» الصادرة عن نقابة المعلمين في عدد تشرين الثاني عندما سُئل: «هل نحن بإزاء طبقية وطائفية ومذهبية في الثقافة»؟ قال: الثلاثة معا. انما ما يعنيني هو حماية التنوّع من ان يأسره الانعزال ويحكمه الصدام، لتتحول غنى «حواريا».

                      معنى ذلك ان التنوّع ليس بحد نفسه مدعاة للفخر ولكن الوحدة هي الفخر. التنوّع ملحوظة اجتماعية تحمل مخاوف التصادم، والوحدة الدينية الانصهارية تحمل خطر الانغلاق اذ ليس في الوحدانية الدينية ضمان دون الانكفاء الحضاري. افهم علماء الاجتماع والسياسة اذا قالوا لنا: فتشوا اولا عن الدوافع السياسية والظرف الديني ليس منشئا للخلافات. أميل الى الاعتقاد مع ذلك انه ينبغي التفتيش عن العنصر الديني الذي يختفي وراء الصدام السياسي. ليس من أمر ينفصل عن أمر في الحياة الاجتماعية. هنا تظهر مشكلة الأكثريات والأقليات وقد تكون اأقلية أعظم يسرا من الأكثرية ويلبس الصراع الاقتصادي بين الشريحتين لباسا دينيا. انا اوافق مبدئيا علماء الاجتماع على القول انك لا تستطيع ابدا ان تفرق بين الأسسباب وان العنصر المجتمعي كثيرا ما يطغى على العنصر الديني.

                      هذا كله يعني في كل مرة انه لا بد لك من فحص العوامل المختلفة وفحص قوتها فاذا قال الدكتور متري انه عليك ان تحمي التنوّع من ان يأسره الانعزال ويحكمه الصدام يكون عليك الا تبتهج تبسيطا بالتنوّع وانه عليك ان تدرس العناصر التي تقود الى الوحدة.

#                 #

#

                      لنسمها الوحدة الثقافية او الحضارية التي بعض روافدها من الإيمان الديني وهذا فيه غنى للجميع ويتجلّى في التناضح الروحي والفكري بين عامة الشعب وبين المؤمنين الأصحاء من كل ديانة عندنا. هذه أمة الأبرار القائمة في كل عائلة روحية النابعة من ينابيعها الصافية والذائقة لجمالات الدين الآخر. هذه الظاهرة قائمة في تقديري في كل الهلال الخصيب وفي واقع تفاعلي يومي في لبنان. هذه علاقتها بالقلوب وبالطهارة الساطعة في كل مجموعة دينية والتي تولي السياسة أهمية نسبية وهي لا تمزج بشكل عشوائي بين ما ينزل عليها من الله وبين المنافع الدنيوية للمنتفعين. وهذا ظاهر في علاقات الصداقة والعائلات التي تتعايش ويتعذر على الصديق اذا كان عميق الود الا يتبيّن المبادئ الروحية التي تنزل نفحات على الواد والمودود. واذا صح ما قاله الفيلسوف برغسون من انك لا تقدر ان تعرف لغة جيدا وتكره شعبها كذلك يتعذّر عليك ان تتنكر للبهاء الروحي الساطع على وجه صديقك المسلم او المسيحي.

                      هنا للنخبة الفكرية دور متميّز لأنها تضع جمالات القلب الذائق في فكر ذائق. وهناك خاصة الخاصة كما يقول الإمام الغزالي القادرة ان ترفع قيم الدين الآخر الى مرتبة العقل. وهذا حاصل بلا تبسيط وفي موضوعية كثيرة. وهذا ممكن تعميمه في تعليم الأديان بصورة علمية مجردة. هذا ما عرضه الإخوة الذين اجتمعوا في اواسط الستينات الى المغفور له الرئيس شارل حلو، اولئك الذين قاموا بأول حوار اسلامي -مسيحي في اواسط الستينات وكانت الندوة اللبنانية جمعتهم.

                      ايا كان المكان الذي تنشأ فيه على معرفة ديانتك وعباداتها هذا لا ينفي استقاء معرفتك، بصورة موضوعية، كل أديان العالم ولا سيما المسيحية والإسلام. هذا الكتاب اذا درس في الصفوف العليا وفي كليات  العلوم الإنسانية وربما في غيرها لا يتضمّن تبشيرا او دعوة وتوافق عليه المرجعيات الدينية القائمة في لبنان.

                      ولعل من اهم ما يتضمّنه معرفة الأ خلاق في كل ديانة وفي هذا الباب يجد الطالب ان الكثير او الأكثر يجمعنا. وهذا يكون جزءًا من الثقافة الواحدة. انا أخطئ ما شاع منذ بضع عشرات من السنين ان ثمة ثقافتين عندنا. فكل منا يقبل على ثقافة عالمية واحدة ذات لون عربي واضح. فالمسلمون والمسيحيون سواء في معرفة العربية وكلهم يقبل على العلوم الطبيعيّة او الانسانية. فهذا مسيحي طبيبه مسلم وهذا سلم طبيبه او محاميه او مهندس بيته مسيحي. والموسيقى العربية من أربابها مسيحيون. واذا أممت بيت مسلم ذي ثقافة أجنبيّة متقدمة تسمع عنده الموسيقى الكلاسيكية. وفن الرسم عندنا كباره من اهل الديانتين. واذا شئت آن تدرس اللاتينيّة في بيروت يكون عظيمها مسلما. وفي التاريخ البيزنطي حاورتني مسلمة تعرف اللغة اليونانية القديمة. ويذهلك ان يكتب سماحة السيد هاني فحص عن مريم ما لم يكتبه مسيحي هنا وفي الغرب. وقد يعلم في الجامعة الحضارة العربية الإسلامية مسيحي لا يصدم اي طالب من طلابه. واذا أحببت ان تقرأ أرقى نص فرنسي اشير عليك بصلاح ستيتيه المسلم.

                      اذا أردتم أن نتقارب في العمق فاقصدوا المسيحيين والمسلمين على السواء. واوّل المتقاربين في هذا المجال اللبنانيون الذين يتعايشون في صدق. هذه القاعدة المعرفية والمتشربة للروح الإلهي قائمة وستقوى. وهذه تنقذنا من السياسة السياسية فتجد نفسك ايا كان انتماؤك على قربى سياسية مع ناس ليسوا من دينك يحيون ملكوت الله في القلوب.

                      هذا هو المكوّن الأساسي لوحدتنا الوطنية على التنوّع.