ما يركَّز عليه في هذا المثل الذي نقرأه اليوم توبة الابن الشاطر الذي عاد إلى أبيه بعد ضلال. عادةً ننسى أن المثل لا يكتمل إلا بموقف الابن البكر الذي رفض المعاملة الرؤوف التي عومل بها الضال العائد. في الحقيقة إن الجامع بين الولد التائب والولد الذي لازم البيت الأبوي أن الأب عامَلَ الأزعر المهتدي برحمة واسعة ولم يغضب على البكر الذي أبى أن يرحم أخاه العائد من بعد معصية. لامه فقط على انعدام سعة صدره لأخيه.
فيما نحن نتدرّج إلى الصوم, اختارت الكنيسة هذه القراءة لتوحي أن الأهم بين هؤلاء الرجال الثلاثة هو الوالد. هذا في الحقيقة مَثَلُ الأب الرحيم الذي ضَمّ إلى صدره ابنه المتمرد ولم يرذل مَن كان باراً في البدء لكنه سقط في عدم الترحاب بأخيه. الوحدة بين الولدين أقامها الوالد الذي ضم الاثنين في أحشاء رحمته. الغفران أُعطي للاثنين لأن مناخ البيت كان مناخ دفء. التوبة هي في رجوع الضال إلى البيت الواسع وهو من وراء الرموز بيت الآب السماوي الذي هو الألف والياء, البداءة والنهاية, هذا الذي يدفع له المسيح كل الخلائق في اليوم الأخير لتحسّ بأنها محضونة إلى الأبد.
هل نتصرف نحن في كنيسة اليوم, في كل رعية على أننا أبناء الله الواحد وأننا عائلته نغتذي جميعا من جسد المسيح, أم أننا نسلك في انقسام الغني والفقير, وفي انقسام بين المتعلم والجاهل, وبين المرأة والرجل, وبين البالغ الناضج الذي يظن أنه وحده يفكر والفتى الذي لا نعترف بنضجه, وبين العائلات العريقة والعائلات الشقية, وبين العائلات الكثيرة الفروع والعائلات الصغيرة؟ نسلك بتصنيف, بتمييز اجتماعي على أساس المال.
في هذا الجبل ينتمي كل إنسان إلى عائلته أوّلاً ومن خلال عائلته هو عضو في الكنيسة, أي أننا لا نعترف بأن الإنسان ملتصق بالمسيح أوّلاً. هناك من كان ألصق بالمسيح أياً كان عِلْمه وأية كانت ثروته وأية كانت أصالته (من هو الأصل ومن هو الأقل أصالة). ما هي المعايير التي نستند إليها لنقرر بأن هذا فوق وذاك تحت وأن الآخر جانبي؟ “ألعل المسيح قد انقسم؟” (بولس الرسول). الإنسان من طائفة المؤمنين, من كنيسة يسوع, ولا يهم يسوع شيء من اللحم والدم. يهمه معرفة من هم الذين وُلدوا من الله بروح القداسة. الكنيسة ليست تراكُمَ عائلات. إنها انسجام مؤمنين. ليس في الكنيسة فئات ولا يمثِّل أحد فيها إلا نفسه, فقيمته فيه وليست في الدم الذي يجري في عروقه.
الكنيسة ليس فيها إقصاء لأحد. تفرح بكل الذين يحبون دفء يسوع. الوجهاء فيها أحباؤه, والأعظم حبا فيها أوجه المؤمنين فيها. يبرز فيها من كان أعظم غيرة ًوأعمق معرفة للإنجيل. يبرز مَن ليس عنده ادعاء ولكن له مكانته في البيت الأبوي الواحد. أنت تأتي من قلب الله أو لا تأتي.
هذه هي القاعدة التي نبني عليها. والوحدة بيننا ليست وحدة من هذه الدنيا ومن أمجاد هذه الدنيا. نحن لا نعرف إلا جسد المسيح ومَن انضمَّ إليه بإخلاص.
إن من تأثر بأي اعتبار آخر يكون منضمًا إلى رغباته هو ولا يكون أخاً للآخرين. نحن لسنا طائفة من هذا العالم. نحن طائفة أهل الملكوت الذي فيه العرج والعميان والصم والبكم أي من اعتبرتهم الكبرياء على أنهم ذلك.
إن من كانت له غير هذه النظرة يعرقل المسيرة إلى الملكوت ويقسم الأخوة ويقيم بينهم سدودا. يحزنني أن أقول أننا في بدء الفهم وأننا أطفال في المسيح. نحن لا يهمّنا أن يرتضي الناس بعضهم بعضا على أساس دنياهم والمصالح التي بين بيوتهم أو فروع بيوتهم. هذا كله من العالم والكتاب يقول: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (يوحنا الحبيب).
الوالد الحنون يقول لبكره المدّعي التقوى: “كان ينبغي أن نفرح ونُسرّ لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالاً فوُجِد”. الأخ الصغير الذي بيننا نحسبه خطأً أنه ليس بشيء, وقد نظن أنه ليس من الأفضلين ولا يكون الأمر كذلك. مَن اقتبله ربه في أحضانه ورضي عنه هو الأول بيننا. لم يعطَ أحد شهادة على أنه الأول. المعتّبر الأخير في أعين الناس قد يكون الأول في عيني ربكم إذا كنتم صائرين إلى توبة الصيام الآتي.
