اخترنا هذا الفصل من الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس وهو متعلّق بالإحسان لكوننا نعيّد لمحسن مذهل في إحسانه ألا وهو القديس يوحنا الرحيم بطريرك الإسكندرية المتوفى السنة الـ619. تقول الرسالة عن المحسن: انه بدّد أعطى المساكين فبرّه يدوم إلى الأبد، وتقول: إنّ الله يرزق الزارع زرعًا، وعند وصول هذا الرزق إليكم تعطُون بسخاء.
أعلن يوحنا الرحيم أن الفقراء سادتنا «لأنهم وحدهم القادرون على مساعدتنا وهم الذين يمنحوننا ملكوت السموات». كان يثق بأن الله يعطيه حتى يعطي بدوره، ويذكر دائمًا قول السيّد: «كل من سألك فأعطه» وأقوالاً مماثلة. لم يكن يفرّق بين مستحق وغير مستحق. قصص عديدة تدل على سخاء له غير محدود. أما هو فقد بقي فقيرًا. وإذا مدحه أحدٌ على العطاء كان يقول: «ولكنني لم أهرق دمي عنك».
كان يحسن خارج نطاق بطريركيته. ثم بنى مأوى للذين لا مأوى لهم وفتح مستشفيات وسعى إلى ضبـط المقايـيـس والأوزان وأوصى الإكليـروس الميـسور ان يهـتم بالإكليروس الفقير. طبعا المؤمنون الأغنياء كانوا يعطونه لأنه لم يأخذ شيئًا لنفسه واعتبر العطاء تعبيرًا عن الحب. لن أذكر صفاته الروحيّة الأخرى وأكتفي بتبيانه نموذجا للكرَم.
الفقير على ما قاله يوحنا الرحيم عيّنه الله سيّدًا عليك، فالميسور المؤمن لا يفتخر والفقير المؤمن يشكر الله. وهكذا تتم مشاركتهما في المسيح. ان ابن الله يعطينا جسده ودمه في كل ذبيحة، وأنت تعطي ما هو أقل بكثير. وقد لا تستطيع الا إعطاء القليل ولكن قلبك هو المعطي وبذلك هو يتبرّر، وكلّما استغنيت عن شيء تصبح غنيًا به وبأدعية المحتاجين.
هنا أود أن أشكر لبعض الرعايا ما أمدّت به هذه المطرانية تلبية لندائي، وأتمنّى لو أعطتنا كل الرعايا مما عندها اذ تكون قد أسهمت في حاجات الكهنة والإخوة الفقراء وهم يقرعون بابنا كل يوم لأغراض شتى ولا نستطيع ان نردّهم إذ يغضب الرب لو رددناهم. لا حاجة إلى تكديس أموال الفقراء في المصارف. «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض». بدّدوا أموالكم يُعِدْها اللهُ إليكم في وقت موافق. بعضكم إذا توافر عنده مال يسعى إلى بناء الحجر. هذا ضروري ولكن ينبغي ان نفهم أن البشر أفضل من الحجر. ففيما أنتم تقيمون أبنية يبقى عندكم محتاجون إلى طعام وإيواء واستشفاء وتعليم أولادهم. اعرفوا من هو عندكم في حاجة ومدّوا لهم يد العون ولا ترسلوهم إلينا. عطاؤكم يجب أن يُبذل على الصعيد المحلّي لأننا غير قادرين أن نسدّ حاجة كل واحد.
يقول بعضكم: أوقاف هذه الرعية هي لها. ولكن تذكّروا غاية الوقف. إنه للكهنة وللفقراء. وأنا أعرف ان بعض الرعايا ميسورة. هذه ليس واجبها أن تكدّس الأموال ولكن ان تبذلها عملا بقول الرسول الإلهي بولس: «بدّد أعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد». واذكروا أيضا انكم وكلاء على أموال الله. إنكم تحافظون عليها، ولكن لا تحفظوها في صناديق المصارف. ضعوها في أيدي الإخوة المحتاجين الذين مات المسيح من أجلهم. لا تَدَعوهم يتذمّرون من الوكلاء على الأوقاف فهذا مالهم، ولهم حق فيه. انكم فقط مؤتمنون على ما رزقه الله للكنيسة جمعـاء، وفي الكـنيسة الـمال مـشترك ويُـبذل لـمن كان في حاجة إليه.
فقد قال الله على لسان بولس: «إن الله يرزق الزارع زرعًا وعند وصول هذا الرزق إليكم تعطُون بكل سخاء، وتهللوا إذا أعطيتم والله قادر أن يزيدكم كل نعمة». وفي بدء رسالته التي تُقرأ اليوم قال: «من يزرع شحيحًا فشحيحًا أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد».
ومعنى ذلك واضح وهو انكم إذا أعطيتم يبارككم ربّكم تبريكًا كثيرًا. أعطوا تُعطَوا. ما هو التعبير الصادق عن محبتكم سوى المال الذي تبذلون؟ ليس من برهان حقيقي عن المحبة الا بالبذل. المسعى المطلوب هو ان تجعلوا المحتاج يشعر بأنكم إخوته وانتم تعطونه مالاً هو له أي له حق فيه. وبذلك تكونون مستحقين للوكالة التي أوكلت إليكم.
ولكون المطرانية تفتقد أبناءها جميعًا فانهضوا بها على هذا الصعيد لئلا يقول المحتاج إنها بلا قلب. كونوا قلوبا حساسة وأيدي مفتوحة ليزكّيكم ربكم بالعطاء السخيّ فتستحقّوا ملكوت السموات.
