الزمن، الذي يعنيني روحيًّا، هو اليوم.«اليوم إن سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم». الآن، أنا في مواجهة الله والمقابلة الوجدانيّة مع الخليقة.«لا نعلم بعد ماذا سنكون». ولا مسؤوليّة لي عن آتٍ ليس بعد. ما أحقّقه اللحظة، يميّز حاضري. في الآن، أحبل بالمستقبل. لا شكّ في أنّ ارتقاب الآخرة بعض من إيماننا، والتطلعَ إلى خلاصٍ حصل أو وحيٍ بعضُهُ الآخر. ولكن، أليس الإيمان كلّه «قيام المرجوّات فينا وبرهان غير المنظورات»؟ فكأنّ بالإنسان في حقيقة الخبرة الروحيّة يشدُّ إلى نفسه فعل إنقاذٍ قديم يذهب به إلى ما سيكون، فيذوق، الهنيهة، ما انكشف وما سوف ينجلي. هذا الإيمان فيه الرؤية الآنيّة للحقيقة المنسكبة على الناس في كلِّ أبعاد الزمان. هذه الرؤية هي مصدر الشهادة، إن لم تكنها.
وهذا يقود، من الناحية الأدبيّة، إلى أمرين. فبالنسبة إلى الآتي، ألاّ أرجى التوبة، فربّما لا يكون زمان، أو ربّما لا أوهَبُها فيه. والحقّ أنّي، إن لم أردها الساعة، فلست بعدُ من أهلها. ومن ناحية أخرى، أن أهمل إصلاح الدنيا رغبةً منّي في الآخرة وإيثارًا لها، فهذا يدلُّ على أنّي لم أفهم السماء منطلِقة من الأرض الوهّابة ومستقَرٌ للبشر الذين يحوطون بي، وهم بي يطهرون وبسببي ينساقون إلى الأرجاس. من هنا نبدأ الآخرة. الدنيا عتبة الجنّة أو مستهلُّها. حضورنا في الدنيا سبيلنا إلى حضرة المجد واليقين في النعيم.
وإذا كان الشطح نحو الآتي هروبًا، فالإنخطاف إلى الماضي ليس دونه هروبًا. في النطاق الأدبّي، هذا يعني أن أنسى معاصي الماضي لئلاّ تجذبني الذكرى. شيء من الذكريات حيلة من حيل الشيطان. ما انقضى من الأثم عبء ثقيل، خلْعُه أساس للوثبات واكتساب الحرّيّة الداخليّة. «أنسى ما هو وراء وامتدّ إلى قدّام ساعيًا نحو الغرض». سيمون ده بوفوار، في كتابها الأخير، تحزن على الذكريات: «فإنّي أحسُّها محكومًا عليها بالإعدام». اشتياق المؤمن، بعكس ذلك، أن ينعتق من الليل الجاثم على صدره إلى نور الولادة الجديدة. وتتساءل الأديبة الكبيرة: «أعلامة الشيخوخة قلق كلّ رحيل، كلّ انفصال!». المؤمن فتوّة دائمة، لأنّه لا يرحل إلى فراغ، ويعرف، وهو في شركة الكون، أن لا انفصال. تاريخه تاريخ الكلمات التي يقولها الله فيه. بسبب هذه الكلمات، كلّ حياتنا منفسح الله، مفتوحة في ما مضى منها على الغفران، وفي مصيرها على الرجاء، ومحورها إيمان اللحظة وفرحه.
