هناك شيئان مختلفان من حيث الهدف: الإيمان والمحبة. بالإيمان هدفنا أن نحفظ كلمة الله كما بيّنتها لنا الكنيسة، وبالمحبة أن نعانق الناس جميعًا بقوّة النعمة أي بقوة الإيمان الذي يسكن في قلوبنا. غير أن من نحب حسب وصية المعلّم قد يكون له عقيدتنا وقد لا تكون. من هنا حزنت جدا لما قيل لي ان هذه الفئة أو تلك من المسيحيين كانوا يؤثرون أن يشاركوا بالحسنات النازحين من المسيحيين، أي إنهم أحبوا بعضًا من البشر وليس كلّهم: هذه هرطقة سلوكيّة.
فإذا ظنّ أحدهم أن الرب يسوع بقوله: «أحبوا بعضكم بعضًا» تعني انه قصد محبة المسيحيين للمسيحيين يتبدّد ظنه لو قرأ قول السيّد نفسه: «أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم… وإن سلّمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون» (متى 5: 43-47). فإذا كان سلوكنا مع الأعداء سلوك محبة، فكم بالحري يكون سلوكنا مع المسلمين الذين يؤمنون بالله وكانوا في العوز الشديد أثناء الحرب الأخيرة؟ أما قال السيّد: «كنتُ جائعا فأطعمتموني»؟ أي أني أنا في قلب كل إنسان جائع وغير مكسوّ ولا مأوى له. المسيح وحّد نفسه بكل محتاج ولم يوحّد نفسه فقط بالمعمَّدين.
إن المحبّة التي استودعك إياها الرب تذهب منك إلى كل بشر علّهم يحسّون بأنّهم أحباء الله، ولست تحتاج أن تقول لهم انك تعطيهم كونك مسيحيّا. هم يرون ذلك ويعرفون انك آتٍ من المسيح. أنت لا تطلب منهم أَجرًا ولا شكورًا. لا تريد إلا أن يعيشوا فترة قصيرة ولا يُحرم أطفالهم من الحليب أو نساؤهم وشيوخهم من العناية.
يا إخوة، نحن لسنا كتلة سياسية وليس عندنا نزعة انفصال عن أي احد من الناس. شاءت ظروف القهر والعدوان على البلد أن يكون معظم النازحين من لون آخر. هذه كانت فرصة من الله كي تتجدد بها قلوبنا وتصبح أكثر صفاء واشد حرارة وبالتصاقنا بالآخرين نصير أكثر لصوقًا بالله.
قال بولس الرسول بوضوح: «أحسنوا إلى الجميع». وهكذا كان المسيحيون في رومية يفعلون في القرون الأولى. وعندنا في هذا شهادة من القديس يوحنا الذهبي الفم الراقد بالرب السنة الـ407 أن رومية لم يكن فيها جائع (أي من المسيحيين والوثنيين) لأن المسيحيين كانوا يعطون الجميع.
وقد علّمنا آباؤنا القديسون ألاّ نردّ من يسألنا طعامًا أو مالاً فإنك إن أعطيته تكون معطيًا هذا ليسوع الذي كان فقيرًا.
في الأيام العصيبة يقوى الواجب ويتضاعف. الكنيسة نفسها كمؤسسة قامت أثناء الحرب بإيواء الجميع مع أن هذا التنظيم المسيحي كان يتصرف بصورة أقل ما يقال فيها إنها كانت تحزبًا طائفيًا بحيث تحوّلت بعض الهيئات إلى تشكيلات قبليّة تقوم على حب بعض وكراهية بعض لأن الامتناع عن الإحسان كراهية بلا شك عند القادر عليه.
نرجو ألا نعرف بعد الآن سلوكًا كهذا السلوك السيء في حالة الحرب أو حالة السلم. هناك مسلمون يساهمون معنا في بناء كنائس أو مدارس ليستغفروا الله بالإحسان. اعرف أيضًا أن بعض المسيحيين يشاركون المسلمين في مشاريعهم الخيريّة. وهذا يجب أن يكون القاعدة.
لا تقعوا في هرطقة التفريق بين مسلم ومسيحي في مجال العطاء. أنت لك إيمانك وهو له إيمانه، ولكن المسلم يجب أن يسكن قلبك إن كنت راغبًا أن يسكنه الله.
