اللبناني مشكلتي وككل مشكلة يوجعني الخلل الذي يحدثه في رؤيتي اياه ان مواطنه لا يداخله فلا يلاصقه. اللبنانيون واقع ركام وليسوا واقع جماعة. ان رأيت الى نفسك فقط تذبل حتى الانعدام وان رأيت الى التواجه تقوم به وهو يقيمك في ذاتك ولا يلغيك اما ان بقيت في عزلتك لا تقدر ان تقرأ المشاركة التي تجعلك شخصا اي كائنا تخطى الفرديّة لتكون في الكل ومع الكل.

لست أعلم السبب التاريخي لعدم تجاوز الفرد انغلاقه. فلو قلنا انه منضم الى طائفته دون الكتلة الوطنية فهذا غير صحيح لأنه في طاذفته منعزل ولا يرى نفسه موصولا الا بعائلته. وهذه ليست، ضرورة، مكان اللقاء الكبير، لقاد قلبي الزوج والزوجة.

نحن وارثو البداوة في مظاهر لها كثيرة. نرث الصدامية والتكتل المبغض ولكن القبليّة ارقى منا لأنها تقوم على اجتماع الأفراد والشورى ورعاية شيخ القبيلة. القبليّة تمتمة حياة الحضر إلى أن تكتمل هذه في تجمع أوسع. هل بدأنا بجماعية انطفأت بسبب من خوف أو كنا مرميين في صحارى وجود لم يقم على تفاعل فيه تعددنا  ووحدتنا بآن. ذلك ان الوحدة لا تبنيها الا مشقات اي جهد روحي لم نكن مستعدين للقيام به. لذلك يأنف اللبناني من التآلف والتعاضد ويقبل المودات التي تحميه من العزلة.

مع هذا يربى الانسان على اكتساب روح التعاون فينتعش والروح الوطنية تأتي صدى لروحية المشاركة التي يعيشها المرء في الحي، في الضيعة. مجموعة اهل المهنة التي هي السوق في تنظيم المدينة المشرقية لا تقع تحت هذا الوصف اذ لم يكن فيها روح المنافسة كما أدرك ذلك المستشرق لوي ماسينيون بل قامت على التعاون بين المحترفين حرفة واحدة. في طفولتي ومطلع شبابي كنت ألاحظ هذا في بعض مدننا. يجب ان يساعدنا علماء الإناسة لنعرف كيف تشرش الانكفاء عندنا ولماذا لم نقفز فوقه لنرسم حياة سياسية على صورة التآخي.

#   #

#

ربّ معترض يقول ان تفتّت الأحزاب في اوربا الغربيّة يشبه تفتّتنا. جوابي ان اعضاء الحزب متعاونون ولو تباعدوا عن الأحزاب الأخرى. والجواب الأدق ان الحياة الحزبيّة على تنافسها هي قبول بالأحزاب الأخرى اي قبول جماعية ما لها مزايا مختلفة.

ليس الإنسان منفتحا في طائفته ومنغلقا دون الطوائف الأخرى. الطوائف تحد مواهبها بسبب من السياسة لا من زخم في القلوب. لا علاقة للتكوين الطوائفي بطبائع اللبنانيين. فاذا الغيت التركيبة الطوائفيّة لا ينتقل اللبناني آليا الى المشاركة. القضية روح والروح هو في حاجة الى تهذيب. والتهذيب مرتبط بالتربية ولكن التربية لا تنشئ الانسان تنشئة جديدة. هو في حاجة الى حب ينزل عليه من فوق.

يستنزل الانسان الحب الإلهي اذا شاء ربك ان يسكبه علينا. من هنا ان تغيير العقل اللبناني ثمرة أعجوبة او صلاة ان كنتم مؤمنين. هذا لا يعني اني أشك بعمل الدولة في تربيتنا. ما اشك فيه هو اجتهاد اهل الأديان لتقويم الانسان حتي يظهر ما يسميه بولس »الانسان الداخلي«، هذا الذي لا يرتضي المظاهر حياة له. عشنا حقبة زمان ليس ببعيد كان للقيم مكانة في هذا البلد وللوقار مكانة ولطراوة القلوب مكانة. وهذه كانت ترافق استقامة السلوك الى حد بعيد وكان في المظاهر اختزال ،كان المال قليلا الا عند فئة صغيرة من الناس.

افهم ان العلوم الجديدة والتكنولوجيا وسياسات كثيرة تؤثر في تدنّي الأخلاق احيانا وانك في حاجة الى صراع مع الشر شديد لتبقى سليما. والسؤال المطروح علينا هو كيف تحافظ على انجازات الحضارة وسلامة نفسك من الأذى الكبير. هل السقوط محتّم ام ان ابداع نفوس طاهرة يمكن جمعه الى حضارة في حالة التطوّر السريع.

انا أعرف ان الخطيئة وجدت منذ البدء وان اهواء الانسان هي هي وان المعاصي تجرحنا كما جرحت الأقدمين كما أعرف ان ثمّة ما يغري اليوم ويداعب شهواتنا ولكن ايماني بالله الحي الدائم الوجود والإحياء يدعوني الى القول بأنه ليس محكوما علينا بالموت الروحي بسبب من سيئات بدت جديدا في حياتنا اليوم.

#   #

#

لن نبني هذا البلد الا بشروط الإحياء الديني وأعني بذلك حضور الله في القلب نورا لا ينقطع. ليس الظرف للكلام عن الممارسة الدينية التي قد تكون عظيمة هنا وهناك ولكني اريد هذا التواصل الحقيقي بين قلبك والجمال الإلهي. هي الذوق او الخبرة العميقة للمحبة الإلهية فيك. في المصطلح المسيحي ان تكون في الله ويكون الله فيك. ان تحيا في التنزه الكبير عن »الطمع الذي هو عبادة أوثان« وعن مجد هذا العالم يجعلك ملتمسا لمجد الله ورحمته وحنانه فيصير هذا حياة مجتمعية قائمة على المشاركة الصادقة المعطاء ويصير هذا سياسة بكل تعقيداتها ولكنها سياسة معقولة بما يدعمها من روحانية واستقامة.

سياسة عملية، ممكنة ليست اوتوبيا وليست ميكيافيليّة. ليست الزرض بعد سماء ولكن السماء تتجلّى في الأرض اذا أراد ذلك بنوها. يمكن ان تظهر الخليقة الجديدة التي الله يرعاها ويجعلها تنطق بكلمته.