انجيل الكنعانية يؤذن باقتراب الصوم، وبصورة ادق يهيئنا الى انجيل الفريسي والعشار وهو بدء كتاب التريودي الذي يحتوي على الأسابيع الثلاثة السابقة للصيام وعلى كل أسابيعه.

          توجَّه السيد من الجليل الى نواحي او ضواحي صور وصيدا بعد علاقة متأزمة مع هيرودس والفريسيين. فترة قصيرة قضاها في ارض وثنية، في لبنان الحالي: هل أراد ان يتصل بالوثنيين؟ يلتقي المرأة التي يسميها مرقس وثنية من أصل سوري كنعاني. لا نستطيع ان نعرف اين كان هذا اللقاء، أفي جنوب لبنان، ام في شمالي فلسطين. النص يقول ان المرأة خرجت. المرأة كانت غير جاهلة للديانة اليهودية اذ تُسمي المسيح ابن داود. في هذا الفصل، التلاميذ يرافقون السيد. سمعوا انها تستغيث وتقول ان لها ابنة استولى عليها الشيطان فجُنّت.

          يبدو انها صرخت كثيرا لإيمانها بالمعلّم. تضجر التلاميذ من هذا الصراخ. لا يبدو انهم وصلوا الى حنان يسوع. اجاب: “لم أُرسَل الا الى الخراف الضالة من بيت اسرائيل”. هذا الجواب لا يعني ان يسوع الناصري حصر رسالته في الشعب العبري بدليل انه يختم انجيل متى الذي يذكر الحادثة هكذا: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (28: 19). جواب يسوع يعني انه في مرحلة وجوده في البشرة (هنا على الأرض) يعنى باليهود، لأن الرسالة تتم فيهم لتختم بدمه الذي سيهرقونه هم. واما بعد صعوده الى السماء فالروح القدس الذي سيرسله هو يعطي النفحة والقدرة للتلاميذ فينتشر الإنجيل بهم.

          عند هذا الصدّ الرهيب “أتت وسجدت له قائلة أغتني يا رب”. عند ذاك يواجهها بأقسى ما يمكن من كلام: “ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين ويُلقى للكلاب”. كان يمكن ان تعتبر هذا الجواب جافا حتى الشتيمة. أن يسمى الوثنيون كلابا كان امرا شائعا على افواه الربانيين (الحاخامين). لقد نعتَ العهد القديم بعض المخالفين بالكلاب. في تصوري ان يسوع اراد ان يشد هذه المرأة الى التواضع الكبير وان يجعلها بلومه للوثنية (لا لها شخصيا) كاملة الثقة به. لذلك قالت: “نعم يا رب فإن الكلاب ايضا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها”. اظهرت كامل اللطف وكامل القبول لشخصه.

          لذلك غيّر يسوع برنامجه الذي لم يكن شاملا الوثنيين. يسوع هو الذي رضخ لإيمانها كما وضّح لمريم في عرس قانا الجليل بعد ان رفض تحويل الماء الى خمر.

          “عظيم إيمانكِ. فليكن لكِ كما اردتِ”. الإيمان ممكـن خارج اسرائيل. الإيمان، لا شريعة موسى، هو الذي يبررنا ويقيمنا في عهد جديد مع الله. والإيمان هنا ايمان بشخص يسوع وفاعليته. لذلك انهى متى المقطع بقوله: “فشُفيت ابنتها من تلك الساعة”. كلمة يسوع تنهي المرض وتنهي الموت. فاليهود والأمم الذين كانوا غرباء بعضهم عن بعض متحدون الآن بقوة هذه الكلمة وجمالها.