يدعو بولس الى ألاّ نبخل في العطاء، الى أن نزرع الخير ويسمّي هذا «زرعًا بالبركات» لأنه في حقيقته، بواسطتنا، عطاء إلهيّ. ويوضح أن القلب هو المعطي، اذ لا يُضطرنا على العطاء الا الدعوة الإلهية التي تدفعنا الى الآخرين. إنهم فرحنا وبهم نكتمل. لذا يقول: «إن الله يُحبّ الـمُعطي المتهلل».
فإذا نظرنا فقط الى بذل ما عندنا من مال، المهم جدا أن نُسرّ للتعزية التي يتعزّى بها من نُعطيه. نحن شاكرون لمن يقبل عطاءنا ونفرح لفرحه. وإذا امتددنا اليه نكون قد اقتربنا من الله وصرنا إليه.
وإذا أَعطينا تنزل علينا نِعَمٌ من الله، وهذه النعم تجعل فينا «كل كفاية كل حين وفي كل شيء». فإذا انسكبت النعمة من فوق لا نبقى محتاجين الى شيء اذ لا شيء يزيد على نعمة الله التي تجعل فينا كل فرح وكل انتعاش. وإذا قبِلنا النعمة من فوق نزداد في كل عمل صالح. بهذا الكلام يؤكد الرسول أن العمل ليس عملا صالحًا إلا إذا كان الله قد أَوحى به لنا حتى لا نكون واعين لمصالحنا ولكن مُطيعين لمشيئة الله التي يوحيها لنا.
بعد هذا الكلام أراد بولس الرسول أن يوضح جانبًا من العمل الصالح فيأتي بكلمة من المزامير: «انه بدّدَ، أَعطى المساكين، فبرّه يدوم الى الأبد». المساكين يحبّهم يسوع بنوع خاص لأنهم اعتبروا الرب ثروتهم ولأن المؤمنين فيهم يذوقون الله طعامًا. هذا الذي يُعطي الفقراءتَحرّرَ من أن يرى مالا محورا لحياته. الآخرون محورُه او مركزه. أنت تذوق الله في المحتاجين، تراه فيهم. كيف تلتقي الله في هذه الدنيا إن لم تلتقه بالناس. المحتاجون إليه هم وجهُه، وأنت الى وجهه إن أَحببتهم. بعد هذا الكلام يعود الرسول الى بدء المقطع المنشور هنا ويوضح أن «الذي يرزُق الزارع زرعًا وخُبزًا للقوت يرزُقكم زرعًا». ويؤكد انه «يرزُقكم بكثرة ويزيد غلال برّكم». الزرع الذي تزرعونه هو زارعه وبكثرة. كل شيء من نعمته. إذا أَطعتموه تكونون قد أدركتم أن هذا من نعمته. إرادتُكم في الخير لا تصبح فاعلة ما لم يمنّ عليكم برضاه. هو ينزل إليكم بمحبته فتكونون أبناءه وحاملين عطاءه وتُعطُون من عطائه.
أمام المواهب الإلهية التي تنزل إليكم «تَستغنُون في كل شيء». لا يبقى فيكم فقر روحيّ. إذا كان الرب بكل قوّته فيكم، فليس من مدى لآخر وليس عندكم حاجة. وهذا يدفعكم الى كل سخاء ولا تبقون بخلاء بأي وجه من وجوه العطاء. هذا السخاء الخالص «يُنشئ فيكم شكرًا لله». لأنكم إذا عرفتم أن كل ما تقومون به هبة لكم لا يبقى فيكم إلا أن تعترفوا بذلك. وتصبح نفسُكم مليئة بالشكر لله وأنتم أمام يديه السخيّتين لتأخذوا منها نعمة.
