أصر اليهود على قتله ورضخت لهم روما. دائمًا هناك من يحلو له أن يقتل المسيح لأنه مقلق. في عصر «التنوير» الاوروبي كان المسعى الاخلال بالكنيسة بعد رفض الثوار للاكليروس. هذه هي القاعدة التاريخية انك اذا شتمت الكاهن تصبح عدوًا للمؤسسة الروحية التي هو خادمها. وبعد محاولتك هدم الكنيسة تجتاحك رغبة في قتل المسيح. ووراء ذلك قتل أبيه. فالاسهل عليك قتل الله بعد قتل ابنه لأن ابنه من لحم ودم ولك ان تقول للقارىء أو المشاهد ان يسوع الناصري «عمل» شيئًا بجسده اذ كان له جسد. عند ذاك تصل الى الشك في عفته وتصل تاليا الى الشك في الروايات التي كتبها اتباعه الاوائل أو اتباعهم والتي سموها الانجيل. واذ كانت هذه هي المرجع تنهار الكنيسة كلها.
عندما نرى ان قناة National geographic تذيع البرنامج التلفزيوني المسمى «انجيل يهوذا» في الفترة القصيرة التي تهيىء للفصح أي في الوقت الذي يكون فيه المسيحيون مشدودين الى رئيس ايمانهم لتطعن بصحة الانجيل وصدقه لا يسعني ان اعتقد ان اختيار هذه الفترة كان من قبيل الصدفة. ثم لا اقدر أن اتصور – لكثرة النشرات – المشكلة الا انها موجهة لزعزعة الايمان. لم أسمع مرة بحديث علمي يلقى غير مرة على الشاشة. هذا البرنامج وظاهره علمي لم يك علميا. فيه الكثير من الاستيهام. وليس من باب الصدفة ان هذا البرنامج بالذات يسبق فيلم «شيفرة دافنتشي» الذي يتناول سيرة المسيح من جانب آخر ولكن ذمًا وتشويها».
كل هذا قريب من المسرحية الغنائية Jesus Christ Superstar التي تعظم أيضًا يهوذا الذي يظهر على انه لم يشأ تسليم المسيح. وضع غير كتاب عن الرسول الخائن. الغاية الواضحة فيها تبريره أو الصفح عنه وهذه هي الطبقة الظاهرة من هذه الادبيات. الغاية واضحة وهي النيل من المسيح. الاثر الأدبي الذي صدر في السنة الـ1951 هو «تجربة المسيح الاخيرة» لنيكوس كازانتزاكي – واحدث الكتاب ضجة أو رجة عندما أخرجه في أميركا سكورتشيزه – حيث يتخيل يسوع على الصليب ان الافضل له كان ان يتزوج بمريم المجدلية وان ينجب. «شيفرة دافنتشي» الذي نقل الى السينما وعرض منذ ايام في مهرجان كان، يكرر تخيّلات كازانتزاكي. أجل قدمه مؤلفه دان براون على انه قصة ولكن القارىء العادي لن يلغي من دماغه عندما يرى الفيلم ان الناصري تعاطى الجنس وهذا ظهر منذ سنوات في فيلم دانماركي قرأت عنه في الصحف الاوروبية يؤكد هذا بصورة قبيحة جدا. وهذا كله ان دل على شيء فانما يدل على شيئين: طغيان الجنس على عقول بعض المؤلفين وعلى ان المسيح لا يخرج عن كونه انسانًا يشتهي الجسد ويستمتع به.
# #
#
لقد نشرت «النهار» السبت الماضي دراسة قيمة عن «شيفرة دافنتشي» للأخت باسمة الخوري تلخص فيها الكتاب وتكشف اخطاءه التاريخية واللاهوتية. تلفت هذه الدراسة الى ان قصة براون اعتمدت انجيل فيليبس وانجيل مريم المنحولين أي من تلك الكتب التي سماها اصحابها أناجيل ولم تعترف بها الكنيسة. وهذا الرجوع الاعتباطي الى الاناجيل المنحولة يذكر بانجيل يهوذا المنحول أيضا وهي كلها من الكتب الغنوصية التي كانت تحتقر الجسد وتعتبره صنع اله الشر ووجدت كلها في نجع حمادي في مصر.
يذكر براون مؤلف «شيفرة دافنتشي» استنادًا الى انجيل فيليبس المنحول زواج يسوع من مريم المجدلية وهذا الانجيل يعود الى القرن الثالث الميلادي أي يبعد ما لا يقل عن مئتي سنة عن واقع سيرة المسيح. وتؤكد الاخت باسمة الخوري ان ليس في انجيل فيليبس هذا الزائف ما يشير الى اقتران يسوع بمريم المجدلية.
لا أستطيع أن أفهم اصرار هؤلاء الكتاب على القول بعلاقة ما ليسوع – زوجية أو غير زوجية – الا ارادة لهم لتدمير المصادر المسيحية أعني الاناجيل. الجنس كان سيئًا وكان شرًا في الاناجيل المنحولة التي استند اليها كازانتزاكي وبراون وسواهما. اذا كان الامر كذلك لماذا الالحاح على ادخال يسوع الناصري في نطاق الحياة الجنسية؟
لا داعي عند المسيحيين في جدالهم هذه التيارات المحقرة ليسوع ان يقولوا ان زواجه كان ممكنًا. أولا لان الباحثين لا يبحثون في الممكن ولكن في الواقع. ولو كان هذا الزواج قد حصل لتكلمت عنه الأناجيل ولا سيما انها تحدثت عن بضع نساء كن يحسن اليه والى تلاميذه. ولم يكن المعلم تاليًا معتزلاً جنس النساء.
غير ان ما يدعونا من حيث العقيدة الى ان نقول انه لم يتزوج هو ايماننا بأنه ابن الله الحي الذي تمت بتجسده الوحدة بين الوهته وبشريته وانغلقت هذه الوحدة في اقنومه فيقوم بجسده من موت ويمجد جسده هو ولا ينتشر جسده في أولاد له.
# #
#
لا يهمني أن اتقصى واقع تأثر هؤلاء الكتاب باليهود المعاصرين الذين ظهرت كراهيتهم للمسيح في برنامج «جسد المسيح» (Corpus Christi) الذي شاهدته في قناة Arte ودعي الى الكلام فيه – لادعاء الموضوعية – علماء يهود أو ربانيون.
ولكن بصرف النظر عن التسرب اليهودي – وعلى افتراض انه لم يكن – في كل الكتب التي أشرنا اليها ردي البسيط على كل الذين ادعوا ان السيد كان له علاقة ذات طبيعة جنسية بمريم المجدلية ان هذا القول مجرد ادعاء غير مستند الى مراجع. اذا أردت ان تتصور ذلك استبقيك في صفوف المتخيلين. ولكن عندما تكتب عن شخص تاريخي توحي انك انتقلت من اسلوب القصة الى منهج التاريخ. براون أراد أن يقول إن يسوع، في الحقيقة، اتصل بمريم المجدلية وهذا تجاوز لقراءة التاريخ ويحق لي، اذ ذاك، ان أحس أن براون يتسلّى أو يمزح أو أن له عداء للناصري وليس لأي عداء تبرير.
بلا أساس تاريخي لا يحق لك ان تقرأ شخصية تاريخية. ان في هذا لتضليلاً. والحديث في الجنس له دائمًا رواج في هذه البشرية المتفلتة.
الى هذا أقول ان يسوع حي وانه غلب العالم وان مملكته باقية الى الأبد فالعداء رخيص ويزول عند كل فجر للحقيقة والمحبة. لقد حان وقت الجدية لمقاطعة المؤمنين مسلمين كانوا أم مسيحيين الفيلم لانك اذا قدست المسيح بنا ء على الكتاب الذي تؤمن به لا تستطيع ان تتسلّى أو ان تتفرج على عمل سينمائي يجرح شعورك الديني ولا تقدر على ان تتحمل مشهدا يدنس فيه شخص السيد فيما لو نزل هذا الفيلم الى الأسواق.
