كانتْ محنةُ العَرَب آخرَ دليلٍ للتفريق بين «العالم المسيحيّ» والدين المسيحيّ. في بعضِ الأذهان، كان ثمَّة شيءٌ يُسمَّى الدنيا المسيحيَّة. لقد استمرَّ هذا المفهومُ بعد القرون الوسطى لمَّا كانت أوربا ما تزال تتكلَّمُ عن حضارةٍ مسيحيَّة في القرن الماضي. ثمّ باتَ منَ الواضح أنَّ الماركسيَّة والرأسماليَّة – وكلاهما غيرُ مسيحيّ – توزَّعا العالم. في الشعوب البيضاء، لم يبقَ الدينُ مهيمنًا على المسيرة الحضاريَّة، ولو كانت هذه تحملُ رواسبه. فبانحلال الإمبراطوريَّات المسيحيَّة وتفشِّي العلمانيَّة[1] والفكر التقنوقراطيّ، تفرّغ مفهوم «العالم المسيحيّ» من كلِّ فحوى. وصارتِ الكنيسةُ المسيحيَّةُ أقليَّةً في الدنيا المسيحيَّة عينها. ومنْ جهةٍ أُخرى، أَخذَت أجزاء أخرى منَ العالم تنفتحُ إلى قيمٍ مسيحيَّة. ولعلَّ هناك تلمّسًا لحقيقةِ اللهِ في الفنِّ وصدقِ الكفاح السياسيّ وعدالته، وذلك في بقاعٍ لم تكن نصرانيّة يومًا أو بُترتْ عن مصادرِها النصرانيَّة.

أعتقدُ أنَّنا، ابتداءً منَ الإيمان، يجبُ أنْ نهلِّلَ لزوالِ «الدنيا المسيحيَّة». إنَّها كانتْ عالمَ الكذب الذي يَخلطُ فيه المراؤون، من كلِّ صوب، بين الرموز والحقائق. لقد ذهبَتْ إلى الأبد مملكةُ الروم و«أوربا المسيحيَّة»، لكي يُتاحَ مجالٌ للمسيحيَّة الشرقيَّة والمسيحيَّة الغربيَّة أنْ تعيشا للمسيح فقط، لا للمنافع الدنيويَّة. طوبى للمسيحيِّين لكونِهم خسروا الدولةَ وكلَّ سيطرة. هذا هو حظُّ الله الوحيد في السيطرة عليهم. كانوا يمنعون الله عن الناس، لأنَّهم كانوا يثبتون برَّ أنفسِهم. أمَّا الآن، فالمؤسَّسة المسيحيَّة، والحمد لله، كلُّها في أزمة. لقد انقرضَتِ الأمجادُ «المسيحيَّة» الباطلة، ليكونَ اللهُ وحده قيومًا صمدًا.

مع ذلك، ما يزالُ البعضُ يقولون بوجود دولٍ مؤمنةٍ ودول ملحدة. في اعتقادِنا، النهضةَ المسيحيَّةَ في العالمِ لن تتمَّ إلاَّ إذا انهارتْ آخرُ دولةٍ محسوبةٍ على المسيحيَّة. قيامةُ المسيح –وهي المبتغاة– قيامته منْ ترابِ التاريخ في فجرٍ جديد رهنُ هذا الإنهيار. يجب أنْ تتلاشى أحلامُ العزِّ والسؤدد كلّيًّا منْ قلوب المسيحيِّين، ليصبحَ المسيحُ غلاَّبًا فعلاً. المسيحُ لا يُلازمُ تاريخَ أُمَّةٍ أو مجموعةِ أُمم. إنَّه غيرُ مرتبطٍ «بكياناتٍ» مسيحيَّة. المسيحيَّةُ هي المسيح، كلمتُه وتجلِّيه، عدله وتواضعه. أما ما ينشأ منْ مال وجول وطول على ضفاف المجرى الإيمانيّ، في انسيابهِ إلى الأبد، فلا شأنَ لنا به. ليس هو كنزنا. من هم للمسيح، لا يوالون كتلةً ولا جبهة، ولا يخشَون أحدًا. لا يستطيعون أنْ يفهموا العلاقةَ بين إيمان تدَّعيه دولةٌ وبين قصفها مدنًا آمنة. اللهُ، عندهم، لا ينصر بالسيف أحدًا.

فإذا كان الأمرُ كذلك، جازَ للمؤمنِ أنْ يتساءَلَ، مثلاً، في أيَّةِ جبهةٍ منَ الفيتنام هو المسيح. أيمكن أنْ يكونَ مع صليبيَّة؟ أليس هو، دائمًا، منْ جهة الضحيّة كائنةً ما كانت عقيدتُها؟ أَليستِ القوَّةُ هي التعدِّي؟ وإذا اضطرَّ الضعيفُ إلى أنْ يهابَني، ألستُ أنا مضطهِدًا الضعيف؟ العنف، كلُّ عنفٍ يطردُ الربَّ خارجًا. عندما أظهرُ ذكائي بحيث يصبحُ رهيبًا للجاهل، ألستُ، بفهمي، متحدِّيًا الجاهل؟ إذا لم أَخدمِ الناس، كلّ الناس، لا أقدر على أنْ أَرفعهم إلى رتبة أحبَّاء. وإذا لم أَجعلْهم أحبَّاء، فإنَّهم عبيدٌ لي، وأنا عدوٌّ لإنسانيَّتِهم وعدوٌّ لنفسي.

المسيحيُّون هم مَن دعاهم ربُّهم، ليكونوا له على هذه الصورة. الإنسانُ لا يُولدُ نصرانيًّا، وبالحقيقةِ لا ينصِّرُهُ أحد. هو يقبلُ صبغةً تُغيِّرُ كيانَه، أو لا يقبل. المسيحُ ليس معطى لنا نهائيًّا. المسيحيَّةُ في ديمومة سعي.

المسيحيَّةُ ليستْ دنيا، ليستْ قصَّة، ليست تاريخًا، إلاَّ إذا كانتْ دنيا اللهِ وقصَّةَ الله وتاريخَ الله. ولعلَّ تاريخَ الله يُكتَبُ اليوم، في كثيرٍ منْ صفحاتِهِ، خارج «العالم المسيحيّ». العالم الثالث، هذه الصرخة منَ العدل، فيه منَ الحقيقة ما هو أبعد وأعمق منْ كلِّ الحضارةِ البيضاءِ، لأنَّ الحقيقةَ دائمًا منْ نار. مسيحيُّ العالم الثالث ليس جزءًا منَ المدنيَّة «المسيحيَّة» المترفة. هو منْ دنيا المحرومِين، ولا يستطيعُ أن ينفصلَ عنهم، لينضمَّ إلى مدنيَّة المال ومدنيَّة القوَّة.

حنين المؤمنِ، اليوم، هو إلى أفريقيا وآسيا وإلى العرب. قد يكون هذا الحنينُ المحكَّ الوحيدَ للإيمان الحيِّ اليوم.


[1] لا أقصد بالعلمانيَّة، هنا، استقلال بنية الدولة عن الإدارة الكنسيَّة. العلمانيَّة، بهذا المعنى، قيمة مسيحيَّة لكونها تميِّز بين الأبديّ والزائل. لكنِّي أقصدُ بالعلمانيَّة كلمة sécularisation الأجنبيَّة وهي الدعوة إلى بناء كلِّ فكر وكلّ حضارة بلا رجوع إلى الله.