اعتمد يسوع في نهر الأردن فغطته المياه ليصوّر موته ثم صعد من الماء ليصوّر قيامته. وهذا صار كي نصبح شركاءه في الآلام وشركاءه في النصر. ولكونه اقتبل الموت بهذه الصورة الرمزية قال له الآب: “انت ابني الحبيب الذي به سُررتُ”. هو ابنه منذ الأزل اي له جوهره، وكذلك هو حبيبه لأنه ارتضى ان يموت حبا بنا نحن البشر.
وكما ظهر له أبوه وروحه، يحب الثالوث القدوس ان يظهر علينا لنتمكن من احتمال شقاء هذا العالم وننهض منه على الرجاء. ومن اجل ذلك ننال في المعمودية الصبغة التي نالها هو بدمه. والمعمودية مسيرة مستمرة. فكلما غلبنا الخطيئة واغتسلنا بدموعنا وعدنا اليه بالطاعة تتجدد معموديتنا فينا لأن الروح القدس يجددنا كل يوم ان أردنا التجدد. هذا يتطلب ان نقول للسيد: ها أنذا، ها انا مستعد لطاعتك حسب قوله: “من احبني يحفظ وصاياي”. نتيجة لذلك نحب الإخوة، واذا احسّوا انهم محبوبون تزداد ثقتهم بالرب اذ يعلمون انهم ليسوا متروكين للعزلة والضجر والحزن، ولكن صدور الإخوة تضمّهم واذا رأوا ذلك يفهمون ان صدر يسوع هو الذي يضمهم وانهم باتوا ابناء بالابن الوحيد. ويكفيهم هذا فرحا، وبهذا الفرح تكون السماء قد انعطفت عليهم ورفعتهم اليها.
وتأتي الحروب ويفتك الفقر بنا ونحس بضعف البلد ويأس الكثيرين، ولكن اذا نزل الرضاء الإلهي علينا نعالج الآخرين باللطف ونخفف عنهم مصائبهم. وتبقى الحروب ويبقى الفقر والمرض، ولكن في وسط كل هذا نعرف ان الله لا يتركنا وانه هو الذي يداوينا وسط هذا الفراغ الذي أُلقينا فيه. فنحن لا نسقط في الجب ولا نترضض لأن يد الرب تنشلنا من وطأة المحنة.
يسري التاريخ ولا تتغير فيه اشياء كثيرة. قال يسوع: “الفقراء معكم في كل حين”، وكان يمكن ان يقول: “المرض والفقر والخطيئة معكم في كل حين”، ولكني انا رفيقكم في كل محنة ورفيق بكم واحملكم كما يحمل الراعي الخروف المكسور. الخلاص ليس الخلاص من الاوجاع بالضرورة. فهذا لا يحصل عليه كل واحد. ولكن الخلاص خلاص من الخطيئة ومن غضب الله على الخاطئين. وهذا هو المجد او هذا هو السلام. وهكذا نعيش في مملكة الحب التي هي وحدها المملكة الحقيقية في هذا العالم. انها كامنة في القلوب ويسطع نورها على القادرين ان يشاهدوا النور.
هذه الاستنارة لنا ان نعيشها مع بعض الإخوة الذين يؤمنون بها. هناك دائما في كل مكان تجمعات مستنيرة بالنعمة. هؤلاء هم الرعية. اما الأعمال والمشاريع الظاهرة فلا اهمية لها الا اذا زادتنا قربى من يسوع. دائما كان النور ملْك القلّة. ولكن القلة هي التي تخلّص العالم. الرعية ليست بالإنجازات العمرانية وان كان علينا ان نتابعها ليتعزى الكثيرون. نحن لا نفتخر بالعمران. انه لا شيء ان لم يبعث فينا الفرح ويقربنا الى التقوى.
والرعية تسطع اذا ازداد قراء الإنجيل فيها وكثر الذين يشتركون في الذبيحة الإلهية والذين يحسنون الى المساكين. الرعية لا فاعلية لها ان لم تركز نشاطها على المحتاجين الذين يحبهم يسوع لأنهم اخوته الصغار وليس لهم عضد سواه. مشروعكم الاول قبل كل بناء ان تبنوا نفوسكم بالعطاء وان يفرح هؤلاء الإخوة. ألم تسمعوا ما قاله الله عن المحسن: “بدد اعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد”؟
هؤلاء المحبون هم الذين ينزل عليهم الظهور الإلهي. اما ان تنضح بيوتنا بالماء المقدس وما عقدنا النيّة على مشاركة اموالنا، فيبقى الماء ماء ولا يصير نعمة. اما قرأتم: “ان العطاء مغبوط اكثر من الأخذ”؟ انا لا شيء يعزيني مثل ان اسمع ان هذه الرعية كريمة جدا. اعرف، اذ ذاك، انها وفية لمعموديتها.
