المسلَّم به في الكتب المقدّسة ان الطاعة لله لأنه المؤمن اي الذي يؤمنك من شرك وتأمنه لصلاحه. ان تتمرد عليه ناتج من عبادتك لنفسك. الطاعة هي اذًا الايمان به وبقدرته ومحبته. انا لا تعجبني الدعوة الى الثقة بالنفس لالتباسها. المؤمن لا يتكل على ذاته مطلقًا ولكنه يتّكل على ايمانه اي على معرفته ان الله ساكن فيه ويمدّه بقوّة من فوق. انت تصحح فكرك بالفكر الإلهي اذ لست محصّنا بالعصمة. وما من عصمة طالعة من البشرة، المتقلبة والضعيفة، الهشّة. انا في المسيحيّة انتمي الى المذهب القائل ان ليس من انسان مصون بوعد إلهي قبل ان يتكلّم. وهذا المذهب يقول ان مجمع الأساقفة لا نطلق عليه وشاح العصمة قبل كلامه على الشأن الإلهي ولكن اذا لاحظنا انه وافق الإيمان الذي «دُفع مرة للقديسين» نعلن حقيقة انكشفت. ما من وليد امرأة يتربّع في الحقيقة تربعا. لذلك جاء في التراث عندنا ان المجمع يؤيّد المجمع السابق لتزداد قناعتنا بهذا الأخير. نحن نرجو ان يلهم الروح الإلهي من اجتمع رجاء. في أمور الحقيقة انت دائما في حالة جهاد. واذا أعلنت ايمانك بما قيل ففي هذا تعترف ان مصدر ايمانك هو الرب. لذلك اذا تكلّم المسيحيون في المجمع المسكوني الثاني على المجمع المسكوني الأول يقولون فيه اجتمع الآباء القديسون بمعنى ان قداستهم هي التي ضمنت صواب فكرهم.
من هذه الزاوية صحت الكلمة الإسلامية «الاجتهاد» التي أفهمها انها مسعى فكري عند العلماء اذ المفترض انهم الى جانب التحصيل العلمي هم مكلّلون بالبِرّ ولا ينطقون عن هوى.
هذا كلّه يعني انك في العقل وفي التقوى مطيع لله واذا أطعت بشرا فلتوفر الدلالات على انهم هم خاضعون لربهم. بطرس الرسول في هذا واضح ان الله أولى من البشر بالطاعة (أعمال الرسل 29:5)، عندما تقول عامة الناس ان الطاعة للوالدين واجبة ماذا يعنون؟ الأولاد يحسبون أن ذويهم يعرفون صالح اولادهم وانهم لا يقهرونهم. غير ان الكتاب المقدس لا يقول بهذا. انه يقول: «اكرم أباك وأمك».
# #
#
الواضح في المسيحية وجود مشيئة الهية ومشيئة بشرية وان الأولى وحدها مطلقة وانها وحدها المرجع. واذا قال المسيح وقلنا بعده انه ذو مشيئتين بحسب قوله لأبيه «لا مشيئتي بل مشيئتك» فلكي نحسم أن المشيئة الإلهيّة في المسيح هي التي طلبها المسيح سيّدة على بشريّته. والوحدة فيه بين الإرادتين لا تتم بسؤدد الإلهية على الناسوتية ولكن بدوام انسجامهما. لذلك قال عن علاقته بأبيه: «انا افعل دائما ما يرضيه» هذا لا يلغي ذاتية اية ارادة فيه ولكن يجمعهما كون السيد طوع إرادته البشريّة بحريته لله.
هكذا جوهر كلّ النضال الروحي الذي قام به القديس مكسيموس المعترف الراقد السنة الـ 662 ومات من اجله بعد تعذيب.
في الإنسان خضوعه لله ينفي كل عسف واعتباطية بمعنى ان لا قدسيّة لإرادتك ما لم تكن متطوعا لله دائما. انت لا تختار ما تشاء. انت حرّ بالكلمة الإلهية فقط لذلك قال المعلم: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). طاعتك للحق وحدها تبعدك عن التحزّب. اي متتبع لتاريخ الكنيسة يلحظ ان أهل البدع كانوا في معظم الأحوال تابعين لأهوائهم وغرباء عن الجهاد الروحي اي انهم كانوا مستكبرين. صاحب البدعة يغلف خطاياه باللاهوت وبتلاوة الآيات. من هنا تفهم ان تفسيرها احيانا خاضع للسياسة. ولكون الله عظيما انت كنت تحتاج في أزمنة الإيمان ان تغلف كل كراهيتك للآخر اي سياستك بلباس ديني. ما كان الدين الأذية. انت كنت الأذية.
# #
#
ما سميته طاعة كان في الحقيقة محبة. لما قال يسوع الناصري: «من سخّرك ميلا امشِ معه ميلين» (متى 41:5) أراد أن تضع نفسك في تصرف الآخر. فقد اعتبر هذا انه في حاجة ان تمشي معه في الطريق ربما لأنه لا يعرفها او لأنه كان في حاجة الى إنس. واذا لبيته تكون في حالة طاعة لله.
هكذا اذا قال بولس: «أطيعوا بعضكم بعضًا» فلأنك تحس أن الآخر في حاجة اليك مسبقا تشعر انه لا يريد استعبادك او استغلالك وانه فقير اليك. اجعل، اذ ذاك، نفسك حقًا فقيرا اليه. في إطار هذه القولة نفهم كل ما قاله الرسول عن الزواج. فاذا قال: «ايها الرجال أحبوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة» وبعدها قال: «ايتها النساء اخضعن لرجالكن» فلا نلحظ فرقًا بين «احبوا» وبين «اخضعن» لأن الحب ينقذ والطاعة تنقذ بسبب من ان الطاعة المتبادلة كانت القاعدة على ضوء هذا التبادل تفهم العلاقة. واذا كانت الزوجة محبوبة حتى الموت كما أراد بولس فهل يعتريها خوف مما سمي الخضوع؟
واذا تكلّمنا في الكنيسة عن الطاعة للأسقف فليس لأن هذا عظيم بسبب من مقامه ولكن لكون الكنيسة أتت به الى هذه الخدمة بعد ان رأت انه «بلا لوم» (1تيموثاوس3: 2). قد يبدو يوما انه ملوم. لذلك جاء في القانون الكنسي انه خاضع للمحاكمة وانه قد يُخلَع (بضم الياء). هكذا في الرهبانية يُطاع رئيس الدير ليس لمجرّد مقامه ولكن الإخوة أرادوه عليهم رئيسا لفضائله. هم يطيعون فضائله ويعرفون انه لا ينطق الا بكلمة الرب. واذا نطق بخلاف هذا فالرئاسة الروحية التي تعلوه تخلعه ايضًا.
اجل يتسرّب الاستبداد للطبائع البشريّة. إزاء ذلك يقول بولس ايضًا: «ايها الإخوة، إن انسبق إنسان فأُخِذ في زلّة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة» ( غلاطية 6: 1). الروحانيون ملح الأرض ويواجهون أصحاب المقامات حسب قول الياس النبي: «حيّ هو الله الذي انا واقف أمامه» (1ملوك 18: 15). ليس في دنيا الحياة الروحية من انقلاب. الله وحده قادر ان يكسر الطغاة. وانت تصلي لذهابهم. الصالحون والصالحات يكرهون الجور. ان شهادتهم تسحق الظالمين بالحق. لذلك تظهر في الكنيسة والعالم حركات تجدد تأتي بوجوه حسنة هي إطلالات الله على دنياه.
ليس المجال هنا لأقول شيئا عن السلطان الجائر ولا عن الثورات. المهم ان نجتنب الفتنة والدمار اذ تكون الثورة. اذ ذاك، انحرفت عن غاياتها. في الواقع هكذا فعل معظم الثورات. اذ اكتفت فعليا بقيام بشر على بشر واستعاضة فئة على فئة ولم يحصل تغيير.
المهم ان تطيع الله والناس الذين هم له والإصلاح يأتي بهذه الروح. الرب يسودك مباشرة او يسودك بأحبائه واحباؤه لا يحكمونك الا بعد ان طوعوا انفسهم له. تراهم بمقامهم سادة وهم بنقاوتهم يكونون مطيعين لك.
