ليس من كنيسة في العالم كتبت في الصلاة مثل كنيستنا بدءا من الآباء النساك ومرورا بالآباء اللاهوتيين وذلك جيلا بعد جيل، كأن اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية الأول هو الصلاة وأداؤها ومعانيها بحيث يمكن ان تتناول معتقدنا كله من الخِدَم الإلهية التي نقوم بها ومن الصلاة الفردية. كل هذا يبدو طاعة لما ورد عند بولس: «صلوا بلا انقطاع» (1تسالونيكي 5: 17) أو طاعة لكلام السيد: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» (متى 26: 41). عندنا ما يسمى الصلاة غير المنقطعة أو صلاة يسوع أو صلاة القلب: «يا رب، يا يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». ولكن إذا رأينا إلى العبادات النظامية، عندنا صلاة الساعة الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل وصلاة السَحَر أي سبع صلوات يوميا، وفي الترتيب الكنسي يُجمع بعضها إلى بعض في الأديرة وأحيانا في الرعايا، هذا إذا لم نذكر صلاة النوم الصغرى أو الكبرى التي تُعتبر صلاة فردية مع ان كنائسنا في الكرسي الأنطاكي تقيم صلاة النوم الكبرى في الصوم. وذروة كل هذه القداس الإلهي، فيكون عندنا فعليا تسع صلوات.
إذا درسنا مضمون هذه الصلوات نرى ان منها صلوات سؤال عندما نطلب إلى الله حاجة لنا ولا سيما الفضائل حسب قول الرب: «اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، والباقي يزاد لكم»، ثانيا صلاة الشكر على ما وهبنا الرب (إياك نشكر)، وأخيرا صلاة التسبيح حيث فكرنا متجه إلى مجد الله بلا سؤال عن شيء وبلا شكر على شيء.
الكتاب المقدس يَعتبر الصلاةَ طبيعيةً عند المؤمن حتى انه خصص لها سفرا من أسفار العهد القديم هو المزامير وتتلوه الكنيسة بكامله كل أسبوع وتقتبس هذا المزمور أو ذاك أو أكثر من مزمور في بعض الخِدَم أو آيات من سفر هنا وثمة. ويذكر الكتاب القديم بعضا من الذين صلوا (ابراهيم، إسحق، موسى، أيوب، يونان الخ…) حتى يجيء العهد الجديد ويذكر صلاة يسوع لأبيه السماوي. ويذكر أعمال الرسل ان الكنيسة كانت تصلّي مجتمعة. وكان تلاميذ المسيح مقتنعين بالصلاة حتى سألوا الرب يسوع ان يعلّمهم كيف يصلّون، فتلا عليهم الصلاة الربية (أبانا الذي في السموات…).
روح الإنجيل ان نصلي فرديا في كل حين بحيث ترتفع الصلاة تلقائيا من القلب، وقد عرّف آباؤنا الصلاة على انها ارتفاع القلب إلى الله. فإذا امتلأ قلبك من حضرته فتجعل كل وقت فراغ لك وقتَ صلاة حتى لا يسكن قلبَك الا الله فلا يساكنه باطل أو فكر شرير، إذ أنّى لك ان تطرد هذا الفكر الا بذكر الله فتذوق هكذا ان الله هو كل حياتك.
ومن أهم الأمور في حياتك الشخصية ان تصلي من اجل الذين أغاظوك فتذكر أسماءهم ليزول عنك وعنهم الحقد. ومن أهم الأمور أيضا ان تستغفر ربك حتى لا تظل الخطيئة معششة فيك. لا تنم قبل ان تستغفر فقد لا تستيقظ عند الصباح. وحتى لا تبقى مجرد سائل كأنك مركّز على الأنا، فاشكر لله ما أعطاك، وإذا سرت في الحب الإلهي فسبح ربك تسبيحا طيبا فيه كل الفرح فتحس عند ذاك انك عشير الرب وأليفه وكأنك صرت عنده كما الملائكة عنده.
صلّ في أي وضع واقفا أو راكعا أو مستلقيا على سريرك. وقبل كل شيء صلّ في ساعة التجربة إذ لا تقدر ان تدفع عنك إغراء الخطيئة لك الا إذا دعوت الرب فيجيء ويصبح درعا بينك وبين الميل الشرير. ليس لنا طريقة لطرد الفكر الخاطئ المفسد عنا الا إذا رجونا إلى الله ان يأتي هو بذاته ويردّ عنا التجربة.
وإذا كثفت الدعاء يوما فيوما، تحس ان فكرك صار فكرا إلهيا أي موافقا لما قاله الله في إنجيله. والإنجيل هو خطاب الله إليك. فإذا سكنَتْ أقواله قلبك يعرف، عند ذاك، قلبك ان يخاطب الرب. دع الله يتكلم فيك ثم ردّ إليه كلامه بالصلاة. ان هذه محبوكة بكلام الكتاب. هي ردّ الكتاب إلى الكتاب.
