كلمة سياسة عند ارسطو مشتقة من المدينة اي انها تفترض ان الناس الاحرار عائشون معا في مجتمع واحد. فهو يستوي واحدًا بمقاصدهم أو لا اي بارادتهم الا يتذابحوا اذا ما اختلفوا وان يحاولوا التنسيق في ما بينهم لو اختلفوا. فهم صورة عن العالم الكبير المنسجم وذلك بالفكر المتلاقي والفكر الآخر على ذلك التنوع الذي يؤسس للوحدة. وجدلية الوحدة والتنوع قائمة على تعدد الافراد وحريتهم وانشاء الوحدة في الجماعة. وهذا تناسق صعب. غير ان الحوار الذي ابتدعه سقراط يؤسس على ان الحقيقة التي فيك استثيرها منك لتنيرني وتنيرك وتوصلنا معا الى بناء اثينا.
هنا يزين لي ان الديموقراطية التي تحدث عنها افلاطون تفترض ان نواب الامة فاضلون حتى التحلي بالحكمة فيصدر عن الحوار حكمة واحدة هي لصالح الجماعة. واذا كانت الحكمة هي المبتغى فلا يفسدها مال ولا تدركها شهوة. فاذا ما توخى النواب صالح اثينا فهم لا يسعون الى صالح اسبرطة او صالح اي منهم. وغير العقل لا يدخل في الاعتبار ومجلس اثينا مجمع العقلاء والعقول وحدها هي التي تتواجه عند الاغريق. فالقوة العاقلة عندهم اعلى ما في الانسان ولو احتوى القوة الغاضبة او القوة الشهوية. هاتان تنسجمان معا في اشراف العقل عليهما. اذ تبقى عندهم كل مكونات الانسان لاعبة، متلاقية ولكن في شريعة الفكر الجميل. والخضوع له هو الفضيلة باعتبار انه لا يبتغي الا الخير وما من جمال الا في الخير.
أجل النائب يجيء من قوم، من فئة من الاحرار ولكنه ليس بوقا لهم ولو مثلهم قانونيا لانه يمثل فقط من انتدبه اي العقل الذي هو صورة الله لان الله عندهم فكرة الافكار اي العقل الاسمى والجامع. ارتباط النائب ليس بمن بعث به ولكن بمن يبعث هو اليه اي الله اذ مبتغاه ان يجعل المدينة اجمل تجمع بشري قائمة على الحق والخير والجمال وهذا الثالوث في ترجمته البشرية هو الفضيلة فليس من خير او جمال خارجها.
الثورة الفرنسية ولئن قالت بسيادة الشعب الا انها لم ترد تراكم الشعب افرادا ولكنها افترضت ايضا ان هذا الشعب لا يتوجب بما يشبه مصالح الملوك واستبداد الملوك ولكنه خاضع للكائن الاعلى. ليس الشعب اذاً قائما بذاته ولكنه قائم بإلهه، الحرية التي نادت بها الثورة هي الفرصة التي تجعلنا نرى الله ونذهب بها معا الى الله. فالثورة دائما مثالية. واما اقترانها بالدم فليس من طبيعتها. طبيعتها الفكر الملتزم للانسان الآخر وسعادته الامر الذي يؤول عندهم الى سيادة الكل من حيث انهم مشدودون بالمساواة والاخوة والحرية الى ادراك الامة لجوهرها القائم على انسجام جزيئاته وهذا ينزل على كل فرد لانه يتوخى الشيء الذي يتوخاه المواطن الآخر. والآخر مواطن ليس لانه يعيش معك على ارض واحدة ولكن لانكما تطلبان معا الحرية والمساواة والاخاء. الوطن يتكون لانك انت والآخر تريدان ما هو فوق الارض بماديتها. الارض قائمة بمشروعيتها او شرعيتها بسبب من سياسة الحكمة.
كل ثورة مهما كانت سطحية تبتغي الوضع الافضل اي تجاوز الراهن السيئ الى المرجو. المؤسف ان هذه المسيرة ملطخة بالدم احيانا كثيرة. لذلك اتت معظم الثورات باطلة في رؤية الحكمة. الى هذا فكل حكم ينبغي ان يكون ثوريا على نفسه لانه ان لم يتبع الافضل كل يوم يكون قد ابطل رغبته في الحكمة وعاد الى شهواته. ان يريد ذلك هو ان يصبح جديدا كل يوم منزها عما يعطل فيه سلطة العقل وما يبيد عنده قوة التلاقي والاعتراف بالآخر من حيث هو مكمله الى الوحدة.
في هذه الفلسفة يمكن ان تؤثر الآخر على نفسك وقول الآخر على قولك. من هنا ان الكتل لا تعني الا شيئا واحدا ان يكون اهلها على فكر واحد يعتبرونه من صالح الامة اذ هم ترهبوا للجماعة الوطنية كلها. في الاخلاص ليس من كتلة او من تحالف. اجل لا يحيا الانسان الا اذا تصور ان هذا او ذاك يريده ما يريد هو من الخير. الكتلة لا يؤلفها سوى التعاهد على الخير فاذا سقط حليفك بالباطل تترك حليفك لتلتحق بمن تلتقي معه بصورة الخير. ييسر هذا الامر قيام الاحزاب في الديموقراطيات الحديثة اذ تقوم على برامج هي قراءة لما ينفع الوطن في كل الحقول السياسية. اما اذا تعددت الاحزاب كثيرا فليس من المعقول ان تكون مختلفة مثل تعددها. وتكون قد دخلت في التعدد خلافات بشرية جزئية او خامرتها مصالح القادة. ولهذا رأت بعض الدول العريقة في ديموقراطيتها ان المطالب الوطنية يمكن سكبها في حزبين او ثلاثة. فالخيارات ليست متعددة بصورة مذهلة. والاحزاب هي احزاب الامة لان مصالح الامة واحدة.
هذا يفترض ان المواطنين لا ينتمون الى فئات اجتماعية مختلفة كطوائف لبنان لها احزابها. فعلى سبيل المثال رأيك في ادارة الكهرباء او المديونية العامة او الموقف من اسرائيل لا يختلف باختلاف الطوائف. ليس في الطوائف اطروحات سياسية او اقتصادية وقد لا تمتاز هذه الطائفة عن تلك بفلسفتها السياسية. ولم يعقل احد ان دوامي بدوامك ودوام فهمي بدوام فهمك واننا قادرون على التلاقي على ان نبقى خارج منطق القوة عددية كانت ام غير عددية. واذا كان الآخر “ضروريا حتى التنفس” فالتمسك الارضي بالطائفة يبطل التمسك بالجماعة كلها. وارادة السيطرة على المجموعات الاخرى كائنة ما كانت وسيلة السيطرة انما هي الغاء للآخر. من هنا ان استثارة الغرائز الطائفية كانت إبطالا للوطن.
ان ارادة الوطن الواحد تقوم اولا على احترام الاقليات الصغيرة التي ليس عندها مال او لا تستعمله. لا ترغموها على تحالفات في الوطن هي تأباها ولا تفرضوا عليها تحالفا. فهذه كلها تتوسل مشاعر ليست من جمال اثينا القديمة بشيء. فالكبير ان لم يقتنع انه بكيانه العميق والتاريخي يجيء من الصغير يبطل كبره بسبب غياب الحكمة عنه. هناك تراص العقل والعقل فقط وتراص القراءة والقراءة. اما تراكم الاجساد من هذه الفئة وتلك فإبطال للنفس العاقلة. لا تفرضوا الهزائم لان من تنهزم امامه يجعلك عبدا له والوطن ليس فيه عبيد.
حلف الطوائف الذي يبدو في الافق نرجو الا يتحقق لانكم تكونون قد قتلتم الوطن الى الابد. قتلتموه بالتشرذم وبعودة الشهوات الى مكانها. والشهوة هي حكم قوة فينا لم تنزل عليها المحبة. وحكم القوة المفروضة خارج نظام الوفاق يعني نكرانا للدولة الحديثة التي جاءت مكوناتها من التاريخ. وانت لا يسعك ان تلغي تاريخي. والمواطنة محاولة جدية، حثيثة، تقية للاعتراف بهويتك الخاصة واصالتها في حين ننشئ وطنية واحدة لنا مجتمعين.
رجاؤنا ان يصبح نوابنا الجدد ووزراؤنا على صورة الحكمة التي ذروتها المحبة وعلى سفحها المعرفة والصدق وان يعلو لبنان كل رغبة فئوية بما فيها رغبات الكتل والاحزاب ولينكسر ما ينكسر فلا ولاء الا للحق ومنفعة البلد. ورجائي ان نزداد وعيا لنزداد طهرا ولتصر الدولة مدرسة للمجتمع وليصر المجتمع مربيا للدولة ولا نغرق في قضايا باطلة.
احلم بزوال الباطل عن بلدي في تكويناته ومسؤوليه لئلا يبقى لبنان حلما لا تدركه. يجب ان نبني على هذه الجبال وفي السواحل مدينة الله ولا تبقى على هامش الزمان الفاعل لئلا يأكلنا غيابنا ونسقط في العدم حتى نحيا ونعشق الشرائع التي من شأنها ان تنقذنا من فوضى الفكر وفوضى السلوك. وهنا اقول للنواب الجدد وبعضهم صديق: “هاتوا برهانكم” خلال السنوات الاربع المقبلة لئلا نقول لكم اذهبوا.
اما الآن فليبارككم الله انى جلستم وحيثما تكتلتم. وتعاملوا بالخير بعضكم مع بعض وبالنية الحسنة علكم تزرعون الامل في نفوسنا. ابسط مطلب منكم الاخلاص وبعده العلم.
اعرف ان بناء البلد يتطلب اجيالا لكن الوقت وقت بدء وهذا كله على الرجاء.
