الحاكم رئيسًا كان للجمهورية أو وزيرًا او قاضيًا فضيلته الأساسية أنه يحبّ العدل اي ينصف الناس جميعا وعلى السواء ولا يميل الى ابن طائفته او منطقته ولا يؤْثر الغني على الفقير ولا ينتظر شيئا من الأغنياء لأن التقرب اليهم او الى ابناء ملّته او ضيعته يجعل عقله يطيش وفكره ينحرف.
هو دائما في حالة الخروج من شهواته وموداته وأصدقائه ليكون فمًا للحق او يدًا. وهو على مثال الله لا يحابي الوجوه اذ لا بد ان يطمئن الناس اليه ويحسّوا ان الوطن للجميع وان الوطن يحميهم من المجرمين والظالمين. ومن المعروف عند الجميع ان القاضي يتنحّى من نفسه ان كان المتقاضي نسيبه او كان صديقًا مقرّبا لئلا ينجرّ وراء عاطفة فيضيع العدل الذي هو خادمه.
قد يخطئ الحاكم او القاضي. لذلك يجب عليه ان يدرس القضية التي يعالجها درسا دقيقا خوفا من ان يزلّ. ولن يزلّ اذا عشق الحق وعرف انه يشفي المواطنين به وان كان هـذا ضد ما يشتـهـون. من هنا ان الحاكم يحتاج دوما الى الاتصال بالله اي ان يتطهر باستمرار بالكلمة الإلهية ليأتي حكمه او قراره وفق قلب الله فيفهم، اذ ذاك، ان الله يسوس الشعب بحكمه او قراره.
وحتى يحصل هذا فالمسؤول يكتفي بمعاشه ولا يرتشي. فهو أشبه بالراهب الذي لا يبتغي مالا ولا سلطة. ويقول مع الياس النبي: “حي هو الله الذي انا واقف امامه”. وأراد النبي انه ليس واقفا امام الملك ولا ينصاع لأوامره ولكنه ينفّذ الكلمة التي يوحي اليه الله بها. واذا عدلت الدولة فلا نحس بوطأتها او أذاها. واما اذا ظلم الرعية مسؤول فيها فيقع المواطن في إحباط وتتشتت الرعيّة.
هذا يتطلّب ان تكون الدولة غنيّة اي ان نجعلها نحن غنية بدفع الضرائب وألا نخرب شيئًا في البلد. أنت لا يحق لك أن تنتظر رعاية الدولة اياك ما لم تقم بواجبك تجاهها، الأمر العائد بالنفع على أبناء البلد جميعا. هناك آليات لمحاسبة الدولة اساسا. مجلس النواب اداة من ادوات هذه المحاسبة. فلا تنتخب الا نائبا شجاعا، حرا دأبه ان يحاسب الحكومة لكي تهتم هي بك.
هذا يعني ان كل المسؤولين ينبغي ان يكونوا مثل الرهبان مع احتفاظهم بأموالهم واولادهم وأثوابهم والا يعاشروا كثيرا المجتمع الثري لئلا يتأثروا به وان يرتبطوا بعهد مع الله حتى لا يشتهوا هذه الدنيا وينكبّوا على ما يغري بها فإن الإغراء يلهيهم عن العدل.
وإن انت تمنيت ان تصبح موظفا في الدولة كبيرا او وزيرا فلك ذلك على ان يكون محركك هو الخدمة. لا مانع ان ترى في نفسك هذه المواهب ثم ان تقتنع ان هذه المواهب هي للخدمة حتى تشارك في تحسين البلد وتقويمه.
الحكم جميل فقط لتصنع به اعمالا جميلة. فاذا تهيأت بالدراسة والفكر السياسي لتصير وزيرا فهذا جيد، وأن تهيأ بعلم الحقوق والقضاء لتصبح قاضيا فـهـذا جـمـيـل أيـضا. أمـا اذا طـمـحـت الـى منصـب حبا بالسلطة فأنت مفسد لضميرك ومدمّر للأمّة. العدل جميل والإدارة جميلة. وتخدم فيها ككاهن يخدم المذبح. حَسَنٌ ان تشتهي وظيفة تليق بك وانت مهيّأ لها على الا تعتبرها معبرا الى المال لأن “محبة المال أصل كل الشرور” كما يقول الرسول. ادخل طاهرا وابقَ طاهرًا واخرج طاهرا ليرضى الله عنك ويتعلّم الناس منك الطهارة.
