كثيرا ما استغل الملوك المسيحيون وعبيدهم الاكليريكيون كلام بولس الرسول عن السلطة السياسة ليجعلوا الناس في العبودية “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان الا من الله” (رومية 13: 1). كلام مشروط بقول بولس عن السلطان: “لأنه خادم الله للصلاح”. وبقوله الآخر: “اذ (اي الحاكم) خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر”. ولكن ما موقفا ان لم يكن الحاكم “خادم الله للصلاح؟”. الكنيسة في الوقت الذي كتبت فيه هذه الرسالة لم تكن تحت الاضطهاد. ولكن عندما اضطهدها نيرون وبعد ان سماه يوحنا في سفر الرؤيا بترميز الأرقام 666 قال عنه انه الوحش. هناك اذًا فحص إلهي للحاكم. فهم صالحون او أشرار. واذا استقينا رأينا فيهم من الحقيقة وهي اسم من اسماء الله نحكم نحن عليهم.
فعلى سبيل المثال اذا كان الحاكم حاقدا او محابيا او مفرقا بين الناس والفئات والمجموعات المختلفة يكون مؤذيا للبلد ويجب ان يهتز حكمه لأنه ينبغي ان يخضع للبلد ولا يخضع البلد له. كيف نهزه تلك مسألة اخرى، ولكن القول الفصل اننا لا نستعمل العنف لأن سلوكنا تجاه الظالمين سلوك رحمة ولكنه ليس سلوك صمت.
وهذا ما يسمى الحرية. الإنجيل لا يتكلم عن الحرية السياسية اذ لا يتضمن تعليما عن الديموقراطية. هذه انشأها الفكر السياسي. ولكنها جاءت من قيم مسيحية ضاعت في الثورات. والحرية ضرورة من اجل تقويم الاعوجاج. فبعد ان رفضت البشرية نظام الملكية المدعية ان سلطتها من الله كان لا بد ان تجد سلوكا يصحح الاوضاع ويقوّم الاعوجاج. وهذا السلوك هو تلك الحرية التي تمهد كتلة نظمية مبدئيا تستلم الحكم ابتغاء الإصلاح. الحرية لا تفهم الا في ظل الحرية.
اما القمع فناتج عن الخوف وعن ارادة العناد والاستمرار في القهر. وبالقهر يظلم الحاكم نفسه ويلطخها ويخرب البلد بيديه اي يزيد اسباب اليأس ويحطم آمال الأجيال الطالعة.
الحاكم يطبق سياسة الله، والله مع الفقراء ومع الأحرار، لأن الفقر الرهيب يعرض صاحبه للخطيئة. لذلك لا يخضع الحاكم لمزاجه ويحاكم ضميره اولاً لكي يكون حاضنا للرعية الوطنية كلها.
من هنا اننا مع رفضنا الكامل للعنف نوصي باستعمال كل الأساليب الأخرى للضغط على الحكام كالكتابة الصحفية والاعتصمات والإضرابات والتظاهرات لأن هذه وضعها من شأنها ان تردعه.
وحكم الله يسري على كل السلطات في الدولة بما في ذلك السلطة القضائية. ليس من شيء لا يُمَس. ليس من خطيئة ولا من خطأ ان يُتَّهم القاضي بالرشوة او بالخضوع للسلطة السياسية. هذا ظاهر كثيرا في كل بلدان العالم. فعندما تقول السلطة السياسية لا تمسوا القضاء، الأفضل ان تقول هذا لنفسها. الحاكم الوحيد في الكون هو الله، وصورته فينا ليس الحاكم السياسي ولكن ضميرنا اذا استطعنا ان نعبر عنه بحرية.
