إن الاتصال الحقيقي بين الناس والناس ليس بالأمر السهل كما يظن ازكثرون لأنهم لا يتكلّمون في الحقيقة لغة واحدة. واللغة ليست الكلمات التي معناها في القاموس الكلمة هي المعنى الذي فيك اي المرتبط بثقافتك ومشاعرك ومذهبك وتربيتك. القاموس ييسر التخاطب لأنه كتاب مصطلحات اتفق القوم على مدلولاتها. واذا تجاوزت الألفاظ المدلول الحسي فليس لها عندي وعندك الحدود نفسها او العمق نفسه وما بقيت على مدلولها من جيل الى جيل. ففي بيئة مثلا يطغى على الحب معنى الاستيلاء وفي بيئة يطغى معنى العطاء. فقد يصرح الشاب لشابة بحبه ويخامر شعوره معنى التسلّط ولا يخامرها هي معنى الانسياق اليه وقد يخالطها شعور الانصهار او الذوبان. الكلمات ذات ألوان او أنغام. ترقص عند بعض ولا ترقص عند بعض. تتجلّى او تعتم. تحيي او تميت. لذلك كانت الكلمة احيانا اداة فصل لا وصل.

في بدء الخليقة -حسب حكاية سفر التكوين- «كان لأهل الأرض لغة واحدة وكلام واحد». ثم أرادوا أن يبنوا لهم مدينة وبرجا رأسه في السماء اي انهم استكبروا حتى قال الله: «فلننزل ونبلبل هناك لغتهم، حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض». في الحقيقة هذا ليس حديثا عن افتراق الشعب وحسب. انه حديث رمزي عن افتراق الأفراد. لقد نشأ فينا الخلاف حتى بتنا غرباء بعضنا عن بعض.

هذا ليس فقط في اللغة اذ العالمون منا يستطيعون ان تتقارب مفاهيمهم اذا أحسنوا مطالعة القواميس. المشكلة لا تنتهي هنا. المشكلة ان تدمّر الآخر مع لغته. من هنا ان بعض المستعمرين رغبوا في القضاء على لسان شعب استعمروه اذ بلسانه يبقى هو اياه وتاليا يتحدى. في ظلّ الاستعمار العثماني للبلقان كان منع الأتراك للغة اليونانية جزءًا اساسيا من إلغاء الشعب اليوناني ومَن استشهد في اليونان كان سبب شهادته نضاله في سبيل الحفاظ على اللغة. ولذلك كان إحياؤها في ايّ بلد إحياء الذات القومية. اللسان الواحد كان التعبير عن الحب.

ان مجرّد الاستعمال للألفاظ الواحدة لا يوصلنا دائما الى القصد. ماذا حصل اذا ركبت الجملة حسب قواعد اللغة ومدلولات الألفاظ التي المعاجم حتى يفهمك الآخر خطأ. لعلّ هناك سهوًا او بغضًا لمحدّثك يدفعك الى تشويه ما أراد. لعلّْ هناك تأويلا لما قال بحيث تلزمه بمعنى لم يرده. اللغة ليست لغة. هي «حكمة وروح». وكما هما يدا الله الآب كما قال ايريناوس أسقف ليون هما كذلك عند الإنسان. والحكمة عندنا تواصل الحكمة والروح الروح. ويأتي التعبير أداة وصل او أداة فصل فاذا جاء وصلا تتم الوحدة بينكما بكلمات القاموس وبلا قاموس. الأدوات لها أن تزول اذا كان القلب الى القلب.

#   #

#

لا نستطيع ان ننفذ الى أعماق هذا التأمل ما لم نقبل قول «محيط المحيط» في شرحه للفظة لغة، قوله: «لا يبعد ان تكون مأخوذة من لوغوس بالينانية ومعناها كلمة». هذي قناعتي ايضًا. واذا عدنا الى مطلع إنجيل يوحنا «في البدء كان الكلمة» يليها «والكلمة كان عند الله» والحرف اليوناني الذي نُقل الى العربيّة «عند» يعني عندهم الى او نحو فيأتي المعنى ان الكلمة يتجه او يتحرك الى الله. واذا اسقطت هذا على لفظة الكلمة بمعناها البشري ينبغي ان نفهم ان الكلمة البشريّة لا قيام لها الا بصدقها، او بتحركها الى الحقيقة. ولكونها ليست دائما صادقة تولد على الأقل التباسًا وعلى الأكثر اختلافًا ولا يتمّ التواصل بين الصادق والكذوب ويأتي، اذ ذاك، الكلام سكاكين.

وفي معنى أظنه قريبا من روح اليوناني ان كَلَم فلانا تأتي بمعنى جرحه. والجرح ألم. لذلك ليس من نأي بين الكلمة وحقيقة الإنسان الطاهر الصافي. ما من بون بين ما تقوله وما انت عليه. وهذا هو أساس الشهادة باللسان كانت ام بالدم. فاذا حملت سمة النقاوة تنتقل منك وانت كليم اي جريح او متكلّم. تحكي حكاياك بلفظ او بغير لفظ ودائما بحب. الحب اذًا هو ينتقل وينقل وهو التواصل.

واذا شئت هو الوصال. نستعير اللفظة من المحسوس الى المعقول فكما يتوحّد الرجل والمرأة بالتراحم كما يقول القرآن يتواصل الإنسان والإنسان بالصدق والتواضع، ولا حاجة، اذ ذاك، الى اللغة. كان الجسد حاجزًا دون تلاقي الفكر والفكر فكانت اللغة لإحداث التلاقي واذا بها احيانا فصل وتقسيم ويزول بها الرباط وتتبلبل ازلسنة بسبب من الخطايا حتى ينزل من فوق ما يجمع الألسنة.

إزاء انهيار برج بابل ومدينته نقرأ في أعمال الرسل: «ولما جاء يوم الخمسين (اي اليوم الخمسين بعد الفصح) كانوا مجتمعين كلّهم في مكان واحد (ما هو ضدّ التشتت البابلي)، فخرج من السماء دوي كريح عاصفة، فملأ البيت الذي كانوا فيه. وظهرت لهم ألسنة كأنها من نار، فانقسمت ووقف على كل واحد منهم لسان. فامتلأوا كلّهم من الروح القدس، وأخذوا يتكلّمون بلغات» (2: 1-4).

قراءتي لهذا ان اللسان الذي تكلّم به كل من التلاميذ كان مرآة للسان الناري الذي كان عليه. انت تتكلّم من نار او لست على شيء وهذا يتطلّب استعمال لسانك وشفتيك او لا يتطلّب شيئا محسوسا اذ ينطق قلبك. اذ ذاك، يكون التواصل وصالا.

#    #

#

السماء ليس فيها لغة لأن المتألهين فوق تمم كل منهم وحدته بالله والله هو وصل لا يحتاج الى أداة. هم ينظرون الى الله اذ يرى كلّ منهم على وجه الآخر ارتسام الرب.

نحن نتسطيع هنا أن نقلّد السماويين اذا صارت اللغة حجازا بيننا وبين الآخر. نحبّه وونجعل لغتنا حاملة نورًا اذا سمعت لفظًا ام لم تسمع.

قال مكسيموس المعترف المستشهد في القرن السابع في امبراطورية الروم وهو المولود في الجولان ان كلمات الأنبياء كانت تجسيدات لله. هذا طبعا صورة. ولكنه، مسيحيا شرقيا، كان يعرف ان الصلاة المثلى المعروفة بدعاء اسم يسوع لها ان تصير صلاة القلب اي تُرفع بلا كلمات. فتراثنا ان النساك خارج قداس الأحد لما كانوا ينسكون في البراري أكملوا صلاة القلب اي استغنوا عن كلمات الصلوات المعروفة لديهم. ويحكى في هذا الأدب ان رهبانا سألوا مرة شيخهم ان يكلّمهم فأجابهم «ان لم تتعلّموا من صوتي كيف تتعلّمون من كلماتي».

أنت تصمت ليتكلّم فيك الله فتختزن عقله وينحتك من الداخل. واذا صار فيك هذا حقًا تصير نورا ويكون هو كلمتك لذلك سمعت احد الواعظين عندنا يقول وهو في حالة حماسة: «اذا صرتم أناجيل (حية) فمزقوا الإنجيل المكتوب». اجل نتابع الكتب المقدسة حتى لا نغر بأنفسنا ونحسب اننا كملنا ولكن توجيه ذاك الواعظ كما أدركته ان الغاية من الكلمة الصمت. قال آباؤنا: لقد خرج الكلمة (الابن الأزلي) من صمت الآب. وهو يرسل نفسه كلمة فيك بالروح القدس الذي يجعلك كاتبا لاهوتيا او قديسا غير كاتب. والقديس، حسب سرد رهباني عندنا، اذا رفع أصابعه امام المؤمنين يرونها شموعا عشرا وهذا يكفي ليتعلّموا. تلك هي قمّة التواصل.