ناخبًا تنظر إلى المرشحين الذين رشح كل منهم نفسه، أي اعتبر نفسه أهلاً للخدمة وهذا في أفضل افتراض. وعلاقتك بالمرشح تقوم على تقديرك للشخص الذي يلتمس تأييدك بناء على حدسك شخصه وثقتك بما قدم في الماضي ان مضت عليه ولاية ولكن ان كان جديدًا فعلام تبني استحسانك؟ أنت لست في حوار فكري مع الذي تنتخب إلاّ إذا اقترح على الناس برنامجًا وإذا فعل ماذا يضمن انه ينفذه ان لم يكن مرتبطًا بحزب يوفده ويأتي هو من فكره. ليس من ثقة في عالم السياسة تقوم على العاطفة فقط.
الديموقراطية ليست تلاقي أشخاص الا إذا كانوا أبطالاً عرفت بطولاتهم. عالم الشخص هو عالم المزاج وما أمكن من الفضائل في العالم الثالث وهو عالم قائم تحديدًا على المنافع الشخصية ولست أريد بذلك منافع مالية ولكنها دوائر صلات بين النواب يتساندون لاسباب هم يعرفونها وقد لا تكون بالضرورة سيئة ولكنك تحجبها بعاطفتك التي لا مضمون سياسيًا لها.
لذلك تكلمنا مرة عن هيئات ترشيحية تعرف الطامحين وتقدمهم للناخبين. ومألوف الديموقراطية ان هذه الهيئات هي الأحزاب التي لك ان تحاسبها وتنقذها وهي لا تخشى النقد لأن مواقفها موضوعية أو هكذا نحسب. المشهد اللبناني مشهد تكتلات لا نعرف على أي معيار تشكلت وكل شيء يدل على انها انتظمت وفق حساب الأصوات التي يأتي بها كل عضو في الكتلة. أذكر ان ديغول كان يكره الاحزاب ولكنه أسس هو كتلة تجمع الشعب الفرنسي أي انه بدل كلمة حزب بكلمة تجمع. ونحن عندنا تجمعات آنية أو فورية عمرها أربع سنوات تنتظر بعدها مجموعات جديدة لا معيار في نشوئها وما من شيء يدل على انها لا تنفرط اثناء المسيرة.
هذا هو المشهد الذي علينا ان نتحرك فيه غالبًا وفق قانون الألفين الذي له ما له وعليه ما عليه. دع عليك الحزن مهما كان القانون محزنا ويحمل ضغط التاريخ والتفريق ويثبت المنافع والتهميش تاليًا. ولكن علينا ان نسير وان ندرس في فترة قصيرة تاريخ كل مرشح في منطقتنا ان كان له تاريخ اي ان نتفحص صدقه وعلمه ما أمكن الفحص. وهذا يوجب عليك ان تتحرر من تراص اللائحة المقدمة لك فلا محاسب لك إلاّ ضميرك ولست تلعب لعبة التراص التي يلعبها المترافقون في اللائحة. لم يبق من وقت لوضع برامج وإذا وضعت فتأتي مسلوقة لا تقنية فيها ومسبوكة في عبارات انشائية وشعائر لفظية الا إذا شذ فريق عن الأمر وهذا يسعدني.
معنى ذلك ان تلاحق النائب اذ تدينه من فمه كما يقول الكتاب. وتصر عليه على مراعاة برنامجه إذا انت استسغته اذ تبقى أنت موكل النائب وان لم تقل الديموقراطية انه يصغي اليك اصغاء التلميذ لمعلمه أو المريد لشيخه.
أنت دخلت اللعبة الناقصة فالعبها أعرج وطالب وألح واصرخ لأن النائب ليس وليك بل انت وليه لأن الشعب مصدر السلطات وان كتب عليه ان يوكل بعدما زالت الديموقراطية المباشرة التي عرفتها أثينا. فاذا استمررت رشيدًا تكون ضاغطًا ويأتي التشريع، اذذاك، لغة بينك وبين الجالسين في الندوة وذلك على قدر ما فيك وفيهم من اخلاص ومعرفة. فالغيرة بلا معرفة لهب لا يدوم.
هذا يعني انه يتحتم عليك ان تكون حاضرًا يوم الاقتراع لأن التشريع ومحاسبة النواب للحكومة شيء من قوام البلد وهذا بلدك. أما صمتك فمجال لابتزازك والتحكم فيك وفي الوطن فيدور الحكم، عند ذاك، آلة فارغة من ضياء فكرك. أنا أعرف ان كل المواطنين لا يستطيعون الاستنارة بسحر ساحر. فهذا يتطلب تربية أجيال وتطهرًا دائمًا من أجل لبنان. أما المساءلة فهي حول كل شيء: الثقافة أولاً، ثم التربية واقتصاد البلد ودوام استقلاله والتطلع الى توحده وسبل هذا التوحد. وأنا أعلم انك لا تقدر على ان تحيط بكل هذا لكن الجماعات الضاغطة من أحزاب وكتل أخرى مدعوة الى ان تصبح موسوعة سياسية حتى ينتقل البلد من الحلم الى العمل ومن السذاجة الى العلم. وهذا الحضور الجديد فيك وفي أترابك في النضال هو الذي يكبح مزاجية النائب وفورية مواقفه وتحالفاته ليستحق الوكالة التي هي في الاخير وكالة عن كل لبنان.
هذا بسط موجز لما سماه غبطة البطريرك نصرالله صفير الحكمة. هي حكمة هذا الدهر ولكنها لا تخلو من القبس الإلهي. ومن المهم فيها ألا تستسلم للتزوير وان تعترض عليه. ومن التزوير ألا يسمح لمندوبي المرشحين ان يقفوا حول رئيس القلم ليتبينوا ما يسجل. ومن التزوير ألا تتقيد قوى الأمن بالمحافظة على الأمن فتنحاز بالمعاملة الى هذا أو ذاك. ومنه ألا تتمكن من الوقوف في العازل.
غير ان الأهم في كل هذه العملية ألا ترتشي. قد يؤتى بك من مكان بعيد بوسيلة من وسائل النقل. ليس من هذا مانع وان كان الأفضل حفظًا لاستقلال صوتك ان تذهب الى بلدتك بوسائلك الخاصة. فالرشوة هي الدمغة الفصيحة على انك لا تحب لبنان وانك ببغاء أو عبد ولا تستحق عندئذ ان تسمى مواطنًا. المواطنية ليس فيها مال. ومن الرشوة الخوف يخيفونك به أو التهديد. ساعتئذ يجب ان تدعي أمام السلطات لأن قضيتك تتضمن حربًا على الخطيئة. والنائب إذا لم يتسربل بثوب الطهارة يكون قد اشتراك وباع الوطن. والنائب ليس فقط مرآة لك ولكنه مرآة لبنان العظيم الآتي من فجر جديد نغتسل جميعًا به حتى لا ترذلنا الأجيال الطالعة بصدقها والطالعة بآمالها.
فاذا كانت السياسة فنًا عند المبعوثين الى الندوة البرلمانية فهي عندك الى ذلك فضيلة. فان لم تكن قادرا على النسك يوم الاقتراع فلا تتقدم اليه لأنك تلطخ نفسك بقذارة الكذب. وإذا ترددت بين الكذب والصدق فأن تتنحى أفضل لك من القيام بالانتخاب.
وفي الأيام المقبلة وهي قليلة تهيأ بالتوبة فالانتخاب لا يتطلب منك أقل من التوبة، وصلّ عسى يلهمك الله الهامًا مبدعًا لنفسك ونافعًا لمن تنتخب اذ يجيئون من نقاوتك وقد يتنقون بها فيتكلم النائب كل يوم وكأنه في حضرة الله.
هذا عمل مقدس بامتياز. فالسياسة في اطلاق معناها وحكمة ممارستها ليست لعبًا ولا لهوًا ولا تذاكيًا. انها شوق الى انسان جديد يطلع في لبنان ولكن من قلب الله. صحيح ان عمل التشريع ومراقبة الحكومة لا يخلوان من ضعف ولكن لا تساهم انت في هذا الضعف ولا تقل ماذا يقدم صوتي أو يؤخر. فقد يأتي هذا الصوت بنائب جيد أو غير جيد وقد يتغير وجه البرلمان بوجوه انت أرسلتها. وقد يجتمع الصالحون ليخدموا الأمة ويقوموا المسار ويشفوا العقليات وقد ترجو بفضلهم الخير للوطن ولا تيأس منه وقد بتنا على حافة اليأس.
ويتعلم الناس من أولي الأمر أو يحزنون. وكثير من القوم يسقطون إذا الدولة سقطت وينهضون في حياتهم الخاصة إذا الحياة العامة استقامت ويقتنع الناس ان الإخلاص ممكن لانه مجسد في اخلاص القادة. ويدفعون الضرائب إذا لمسوا ان السلطة تقوم بواجبها نحوهم ويحسون ان الوطن لهم وليس للمنتفعين من أهل السلطة. فالأخلاق عظيمة عند قلة ولكنها تسترجع إذا الحكام تخلقوا بها وكانوا أبرياء كالحكماء الذين ارادهم افلاطون وحدهم حكامًا للجمهورية.
ولا تقس الحاضر على الماضي فقد يمضي الماضي وتطل الحكمة من جديد بواسطة المتولين أمور العباد فهم معك بانو الوطن إذا صدقوا وان انت صدقت لما بعثت بهم فلا تبقى دائما مشتكيًا والوطن اليوم يشتكي كله وتغدو عاملاً ومنتجًا في حقلك لضمانك أن أهل السلطة ساهرون على عملك وعلى انتاجك وعلى فهمك اذ يجب ان تتم المصالحة بين الحاكم والمحكوم وعليك أنت ان تصبح حاكمًا ومحكومًا في آن وهذه هي الديموقراطية.
هكذا فقط تبقى حرًا من السلطة لايمانك بأن القانون العادل يحميك من عسف السلطة. وحريتك لا تقوم فقط على عدل الحاكم ولكن على الحاحك عليه بالعدل وعلى رفضك الظلم وعلى ان تقول أنت والحاكم معًا الكلمة الحلال في كل وضع يناقش. ولن يستطيع نائبك ان ينحرف إذا علم بأنك معه على عهد العمل المسؤول. فانت لست معه في زواج غير قابل للطلاق. ويحق له ان يشتهي السلطة بعد كل ولاية إذا عرف ان يرضيك لانه يبرهن، عند ذلك، انه لا يرغب فيها من أجل لذته فيها. ولكن من أجل خدمتك تكون قد أوحيت اليه بالنسك الذي يجرده عن الاشتياق الى منافعه. انت درب نائبك ان يسعى الى منافع الوطن اذ تفيد انت واياه منها. وتكون بذا قد حميته من ان يكون ألعبانًا وحميت نفسك من ان تكون مهرجا.
اعط الوطن حظًا في ان يقوم من محنته ومن تراكمات المعاصي في حياتنا السياسية. اعط لبنان ان يكون لبنان على مدلول اسمه أبيض.
