الاثنين الماضي كنا في عيد دخول المسيح الى الهيكل ويقال له في اليونانية عيد اللقاء واني لمتخذه رمزًا لأقول ما وددت قوله. ولعلّ عمق المعنى ما استهلّ به لوقا هذا الفصل بقوله: «ولما حان يوم ظهورهما (اي مريم ويوسف) بحسب شريعة موسى، صعدا بالطفل يسوع الى أورشليم ليقدّماه للرب» كما هو مكتوب في شريعة الرب: «كل ذكر فاتح رحم هو نذر للرب».

لقاء مع الهيكل، لقاء الهيكل الجديد الحي بالهيكل القديم. وكان هناك رجل مدعوّ سمعان ما كان من الكهنة. هذا اقتبل الطفل وقال انه يحمل الخلاص لليهود وللأمم. أقف عند هذا لأقول اولا ان اليهوديّة زالت وهيكلها انقرض بإحراق الرومان له السنة السبعين وتاليا ان كل شيء عتيق قد مضى كما قال بولس وكما نشعر نحن ابناء العهد الجديد الذي أقامه الله مع الذين جدّد قلوبهم وسكنها. فبخلاف ما يظن الناس لم تبقَ ديانة العهد القديم حصرًا. انها في الوجدان اليهودي مكللة بالتلمود وفي الحياة اليوميّة يسودها التلمود الذي كتب خمسة قرون بعد المسيح. لقد اخذ يسوع الناصري اليهودية الى المقاصد الإلهيّة التي كان الكلام الظاهري يغلفها. الفرائض اذا بقيت حرفا ننفذه قاتلة للنفس، مستعبدة لها. وقمة التطوّر في هذا ان صار اليهود عابدين لأنفسهم، عابدين للأرض. كأنهم من حيث هم جماعة قائمة على «أرض الميعاد» مخلّص لأنفسهم وللعالم. هذا هو حال لاهوتهم من زمن بعيد، كأن الله يهمّه تراب الأرض، كأنه أمين سجل عقاري لمصلحتهم.

نحن المسيحيين الشرقيين نقول ان اليهوديّة زالت من حيث هي نواميس وهيكل (حتى لو لم تنقرض حجارته) وان الذهنيّة اليهوديّة من حيث هي حروف شرائع لم يبقَ لها مكانة عند الله وتاليا صراعنا مع الصهيونيّة القائمة على مفهوم الأرض المقدسة صراع لاهوتي. لذلك لا نفهم اللاهوت المسيحي الغربي القائل بأن اليهود لا يزالون شعب الله الحامل رسالته للعالم. فبعد ان صارت الكنيسة شعب الله ابتلع المسيح كل شيء قديم ليجعله جديدا. من أمات الأشياء القديمة في نفسه يحيا مع المسيح الذي هو الجدّة كلها.

لقد انهدمت الهيكليات القديمة التي تحمل بذرة الموت وحضارة الموت لتحمل بذرة الحياة وحضارة الحياة. كل واحد منّا فيه نزعة الى التحجّر اي الى تحويل الحياة الى هياكل مصنوعة بالأيدي بحيث ينقطع عن إحيائه الينبوع الذي كان يسيل فيه بعد ان تفجّر في جوف الله. وهكذا يفترض ان يعتبر العتيق فيه عتيقا كما الخلايا في الجسم تعتق وتسبب الموت. هيكليات العقل المعتق زائفة بطبيعتها وتتأكلنا من الداخل كالخلايا السرطانية ولا احياء ممكنا للجسم الا اذا أمست كل مكوناته جديدة.

كل انسان ميال الى العتاقة لأن الجديد مقلق لكونه يغترض المسؤولية اي إرادة التغيير كأننا مولودون جديدا وهذا في المصطلح الانجيلي يسمى الولادة من الروح.
# #
#

قصتنا مع الحياة هي كيف نكافح قوة الموت الروحي الذي فينا. كيف نواجه الاهتراء. ما يسمى السقوط في الكنيسة الشرقيّة ليس خطيئة ورثناها منذ البدء. انت لا ترث مسؤولية سواك، ذلك ان كل نفس تموت بموتها اي بسوئها الداخلي وتحتمل ذنبها لا ذنب سواها. غير ان الانسان يولد معطوبا. كل يوم من حياته يقرّبه من الموت ويدخل دائما الى كيانها ما يعرقله عن تحقيق دعوته الإلهيّة، ما يحول دون صعوده او يؤجّل صعوده. بهذا المعنى العميق «كل نفس ذائقة الموت». بالتعبير القديم هذه هي تجارب إبليس او هجمات الشهوة فاذا استغرقت في شهوات الأرض تفقد ميلك الى رغبة في السماء حيث تجديد الحياة.

كل خوف من الموت يجعلك تصطنع هيكليات، عادات تنكفئ اليها وتظن انها تحميك من مختلف تعابير السقوط. في الحقيقة الإنسان في هروب. يحس ان وجه الله اليه مطاردة او ان الله يطلب الكثير ويتطلب الجهد وهذا يهدد الهياكل التي اصطنعناها في داخل لنفس نلجأ اليها وسرعان ما نلحظ ان اللجوء اليها لا يشفينا.

سمعان الشيخ لما اقتبل الطفل يسوع تمنى الى الله ان يأخذه اليه. «ان عيني قد ابصرتا خلاصك» قال. والخلاص جدة الله اذ الله ما كان ابدا بعتيق -هذا الكلام- يخفي عند قائله قصده ان الهياكل العتيقة فيّ عندما واجهت طراوة المسيح لها ان تنقرض وانا اصير انسانا طريئا كهذا الطفل. واذا صرت كذلك اشتهي طراوة الله وأشفى.

الخلاص ليس فقط يخلّصك. انه يجددك لأنك اذا أبصرت الله محييا تحيا. تحيا بحياته. «من جاء من فوق، فهو فوق الناس جميعا. ومن كان من الأرض فهو أرضي وبكلام اهل الأرض يتكلّم» (يوحنا 3: 11) وهذا لا علاقة له بالأعمار «لأن مولود الجسد يكون جسدا ومولود الروح يكون روحا» (يوحنا 3: 6).

اجل لكل انسان بدن ولكلٍّ عقلٌ. هذا من الطبيعة المخلوقة وقيمته عظيمة على هذا المستوى. ولكن لا يقاس بما نزل نعمة. عند ذاك لا ينظر الى الأبدان ولا الى العقول لأن جميعها لا تقارن بالنعمة فلا شبه بين ما جاء من الطبيعة وما جاء مما فوق الطبيعة. ما جاء من تحت محافظة وترويض بشري. ما نزل من فوق لا تنفع فيه الأجساد ولا العقول ولا الدولة ولا انظمة العالم ولا التنظيم الذي أقامه الانسان لنفسه ظانا انه يفيد من ترتيبات العلم وانه ينمو بها ويثبت بها.

# #
#

انت جديد اذا رأيت ملكوت الله حسب قوله: «ما من احد يمكنه ان يرى ملكوت الله الا اذا ولد ثانية». (يوحنا 3: 3). الولادة من امرأة هي من الطبيعة. الولادة من الله من مشيئة الله وقبول الإنسان لها ولكنها في حاجة دائمة الى تقوية بالطاعة. ليس من عهد ضمان يجعلك آليا لصيق الله. انت معرض للخطر الروحي. لذلك عليك ان تسهر. اليقظة الروحيّة تقتضي ان تحبها، ان تجد فرحا بمرافقة الله اياك. معايشتك الله لا تنشئ فيك هياكل لوجوده معك. انت دائما في حاجة الى ان يمدك الله بنعمته وتتقبله انت كما تقبّل سمعان الشيخ يسوع.

هذا السهر الدائم ينجيك من الخوف. اطلب الى الله ان يلازمك، ان يجعلك دائما خليقة جديدة قفزت فوق الموت. أخطر تجربة تعتريك هي الخوف. «المحبة تطرح الخوف الى الخارج». هذه صلابة ليست منك ولا تدوم من نفسها. تبقى بالصلاة غير المنقطعة، بذكر اسم يسوع الذي اذا ردده لسانك يصبح حضورا وعند الحضور يتلاشى الخوف. عندئذ تمضي الأشياء العتيقة. اذ ذاك تشعر ان ربك جعلك من ابناء الملكوت.