ان تربح هو ان تربح على نفسك أي ان تربح نفسك. وما كان دون هذا هو خسارة في الدنيا. ولكن «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه». ماذا يعني في السياسة ان تغلب خصمك اذا أكلتك النميمة أو يأكلك الافتراء أو البغض أو الكبرياء. ما قيمة مقعد في البرلمان انزلقت انت عنه وجلس عليه آخر ودافع مثلك أو أكثر عن القيم التي قلت انك مترهب لها وكانت هذه نية لا يمتحن صدقها إلاّ واقع جلوسك لو جلست.
غداً تنغلق صناديق الشمال وتهدأ أعصاب الناخبين والذين زلت أقدامهم دون بلوغ الكراسي. وسيتربى أهلنا على الهدوء وقد نالوا قسطاً منه كبيراً في امتحان الانتخابات كما اطمأنوا، جملة، الى نزاهتها والى حريتهم وبهذا قطعوا في الديموقراطية شوطاً كبيراً.
أجل لست بالانتخاب خبيراً ولم أجمد كل أوقاتي لتتبعها ولكني فهمت ان الطوائف كلها تشاركت على اختلاف موازينها وان الشرخ ما كان طائفياً وان المسيحيين ما ذاقوا هذا الغبن الرهيب الذي كانوا يخشون وانهم انتخبوا المسلمين كما المسلمون انتخبوهم وكأن الحدود الفاصلة بين الناس عبرت الطوائف وان لم يصح هذا على كل بقعة من بقاع البلاد بالحجم نفسه. وستبين مجالسة النواب اذا تجالسوا انهم أعظم اختلاطاً مما كان يخشى وسيلعبون وفق نزعاتهم أو منافع لهم او التزام لا يفرق بينهم دين بالضرورة أو مذهب ويتلاحمون أو يتنافرون كما تشاء لهم الاخلاق ما عدا تجانس الكتل وقد لا يتجانس كل أعضائها ان لم يصبهم تهديد أو يعتريهم خوف. وسوف يسلمون بعضهم على بعض ويتنادون الى موائد على تباينهم ويسترضون بعضهم بعضاً ويبدو تقاسم غير الذي بدا في المعارك الكلامية عفت فيها ألسنتهم أم لم تعف.
واذا جاء الكلام على شيء من التجريح فحسن الزمالة يقضي بالغفران وبالتلاقي حيث أمكن فنحن ليس عندنا يمين حاد أو يسار حاد وليس الانتماء المذهبي يقضي بهذا الموقف أو ذاك بعدما ألفنا في الماضي بعضاً من تهريج وأظن اننا مترقبون لبعض منه في الأيام الآتيات. وشيء من اللعب يخفض حدة الخطابية التي هي متاع دنيا العرب على رجاء ان يقتنع مندوبو الأمة ان الخطاب أضعف من العمل ومن الاصطفاف وراء
الحق.
وسيتخذ مجلس النواب شكل وجهه وقد لا يدوم الشكل لأن في المجلس من تتبدل قناعاته وفيه من لا قناعة له. واذا اكتسب هؤلاء القوم شيئاً من رصانة فنحن نتبع الرصانة التي يكونون قد بلغوها ونفرح بهم لأننا نفرح لأنفسنا بسبب مما قد يحصله البلد من صلاح العمل وجده. والمسألة والألم معاً أنك تتعامل والموجود وان موفدينا هم من وليناهم نحن ننتظر مجلسا آخر يأتي صورة عن حسن في أنفسنا نكون قد عملنا عليه وعن حسن سياسة نكون قد أتقناها بممارستها اليومية وتدبر شؤون حياتنا يوماً فيوماً.
فبسبب من نسبية الشيء السياسي من جهة ومن كوننا لا نتباهى ولا نثق بأننا المنقذون أو وحدنا المنقذون فليتصرف من خسر الشوط بأناقة كما يتصرف الرابح بأناقة لان اللياقة في الخسارة أفضل من قلة اللياقة في الربح. واللياقة الكبرى في التواضع الذي يمكن ان يتحلى به كل المتسابقين.
واذا تجالستم يا سعادة النواب (وأنعتكم بما اصطلحتم عليه من تسمية) فرجائي ألا يكب الواحد الآخر قبل مجالسة طويلة اذ «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان». ومع انكم تعرفون سلفاً موقف هذه الفئة أو تلك بسبب من التزامها عقيدتها السياسية تعرفون أيضاً ان الالتزام ليس نصيب الجميع. ونحن ليس عندنا معيار للتصنيف واذا صنف الاجنبي نوابه بين يمين ويسار لا يصح عندنا هذا. عندنا مسائلنا الداخلية وقد لا تفصلنا قبل مناقشات تطول. ففي الخطوط العريضة – وأقله كلامياً – كل الناس ضد الفساد ولو صعب جداً استئصاله أو تتبعه أو محاكمة مرتكبيه. ونحن جميعاً على انتماء عربي مهما وضحت المقولة او غمضت وليس أحد يحلم بوصاية يقال انها ذهبت او أخرى انها وافدة لتفكيكنا. ومهما يكن من أمر فالسعي الى الاميركان ليس حكراً على مجموعة دون أخرى كما ان الالتصاق بقوة خارجية ما كان حكراً على أحد. لا أحد يريد العودة الى متصرفية ما أو الى تنظيم ليس هو العيش المشترك كما عبر عنه الدستور. ان حجمنا الصغير لا يسمح إطلاقاً بما هو ليس اختلاطاً بيننا كاملاً. لست أرى أننا مختلفون في درجات العشق للأميركان أو الفرنسيين. واذا كان لا يسوغ ان نحكم في نيات أحد ونناقش بعضنا بعضاً بعدما قلنا جميعا ان كل المشاكل بما فيها سلاح المقاومة يفصل بيننا داخليا.
جل ما أوحي به ان محاكمة أحدنا الآخر لا يسوغ ان تقوم على قبليات، واننا نواجه معا كل الامور مهما بلغت من التعقيد. واذا كنا بعامة مثقفين على عدم الاحكام المسبقة فلم يبق من تحديد للمتطرف وللمعتدل ولاسيما ان التقلب بين التطرف والاعتدال وارد عند من لم ينضو تحت لواء حزب عقائدي.
أجل ستكمل انتخابات غد خطوط السياسة اللبنانية كما تتجلى في المجلس. ويزين لي انه سيكون مجلسا حيا لا يخلو من احتدام وهذه علامة حيوية تعكس حيوية بدت عند الناخبين وتعكس رشدا قد بدا ايضا. واتصور ايضا انه ستظهر موازين قوى اخرى مختلفة جزئيا عما كنا نعرف في السابق. ان التحامنا الوطني فوق اختلاف الطوائف اقوى مما كان وسوف يختلف مندوبونا على اشياء جديدة. ولكنا طبعا نتأثر بوضع المنطقة والوضع الدولي في سعينا الى بناء مجتمع راشد. وسنتفق على السعي الى عيش كريم نظيف.
لذلك لست ارى اننا مقبلون على تمترس طائفي يعود بنا الى ما هيأ للحروب التي خيضت عندنا. ليس احد يتمنى هذا ولا احد له الصبر على هذا او على امكانه. ولقد فهمنا جميعا احابيل اسرائيل التي لن ينجر احد اليها. والاحساس المسيطر على المجتمع الدولي احساس سلم في لبنان. لن يكون الموت في ما بعد ولو بقيت ظلمة نفوس كثيرة. غير انها ليست ظلمة للموت.
فلتهدأ الاعصاب الآن لنتقبل بعضنا بعضا حتى تعف ألسنتنا والسلوك ونبني هذا الوطن مهما كلفنا الامر من الوقت. ليس الوقت وحده يأتي بالخبرة. انما يحتاج الى تنقية اسمها في السياسة كما في غير السياسة توبة.
يوم غد هو عند الارثوذكسيين يوم العنصرة اي نزول روح الله على الناس. اود ان اشتهي تنزل النعمة السماوية على كل اللبنانيين ليقيموا معا بيتهم الواحد خدمة لبنيهم وبناتهم على رجاء مساهمتهم في ظهور انسانية حلوة راقية.
