في الخطاب الاسلامي الديني ترد لفظة الأمة الكثيرة الاستعمال على جماعة المؤمنين بالإسلام وهذا مقتبس من القرآن: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (آل عمران 11، 2). وتدل أحيانا على غير المسلمين كما في قوله: «من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله» أو كقوله: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة».

هذا الفكر القرآني لا يختلف عن فكرة شعب الله في العهد القديم إذ يقول الله عن العبرانيين: «تكونون لي شعبا». (إرميا 7: 23)، هذا بعد ان قال: «فأكون لكم إلها». الشعب يكونه الله. وهذا الاختصاص بالله ليس مبنيا على كونهم أكثر من سائر الشعوب. انه عطاء مجاني من محبة الرب (تثنية الاشتراع 7: 7 و8). هذا أمر ليس فيه استعلاء او اعتقاد عند العبرانيين بحسنهم الخلقي.

لا يختلف عند هذا المفهوم المسيحيون عن المسلمين واليهود. فقد ورد في العهد الجديد: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكي وامة مقدسة وشعب اقتناه الله» (1بطرس 2: 9).

كل كتلة دينية من هذه الثلاث تسمي نفسها شعب الله أو امة الله وانه لشرعي ان تنظر الى نفسها كذلك اذا كانت لا تدعي في ناسها عظمة ولكنها تنظر الى الدعوة الالهية التي كونتها.

ومن الشرعي ايضا الا تنظر هذه الكتل الثلاث على انها واحدة او هي مدعوة بدعوة واحدة وهذا لا يعنينا الى انها جماعة واحدة في الوطن ما لم نتخذ غير المعيار الديني. هل ممكن ان نكون امة واحدة من هذه الدنيا ويحتفظ كل منا بانتسابه الى الله كما يشاء ويفهم علاقة الناس الذين ليسوا من «الامة» الدينية التي ينتمي اليها كما يشاء.

بعد الثورة الفرنسية نشأت فكرة الامة المتبناة اليوم في كل الشعوب ومن حيث هي كذلك لا رأي لها في اية أمة دينية. قبل الثورة الفرنسية لم تكن امة مدنية. كان الناس رعايا الملوك والارض كانت ارض الملوك يقطعون قطعا منها للافراد. بانتقال الارض اليهم قانونيا انتقل الملك. ولكون الناس صاروا مالكين وملتصقين بالارض باتوا امة وظل الله في السماء وهم اليه ولكن الله عندهم لم تكن له علاقة بملك الارض ولا للملوك علاقة. انت بت خاضعا للدولة ولك ان ترفض حكومتها لان الدولة تجعلك ماسكا بالارض وتعلنك مواطنا ولك حريتك في شأن الآخرة.

#   #

#

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الأساس الذي نبني عليه امة في العصر الحديث؟ مرة كنت أجالس صديقا مسلمًا متنورًا جدًا. فاجأني بهذا السؤال: لماذا اخترعنا العروبة نحن واياكم وما ارتضينا ان تقفوا انتم على ارض المسيحيين ونحن على ارض الاسلام. فاجاني سؤاله ولا سيما انه كان يتضمن خلسة اننا نحن المسيحيين اخترعنا العروبة لنهرب من التسلط الاسلامي الممثل آنذاك بالسلطنة العثمانية.

اليوم لا يبدو لي ان العروبة بقيت الارض السياسية الواحدة ولا سيما ان الدستور اللبناني يقول بالامة اللبنانية. العروبة ايديولوجية وكثرة من الامم لا تبني نفسها على ايديولوجية او على هوية قومية. ما هي اللحمة الحقيقية في بلدنا بين المسلمين والمسيحيين؟ لا نستطيع ان نقف على ارضية دينية اذ لا تربطنا وحدة عقيدة وهناك من كان ايمانه ضعيفا او من ألحد على طريقته. لا يبقى على ما ارى الا الانتماء الى الارض وجعلنا التاريخ في قطعة منها فيها لنا غذاء وامكانات تقدم ونتآزر فيها بالاستقامة والمعرفة. ويشرف علينا تاريخ هذه الارض واستمداد الاكثرين منا مبادئ ما نعتبره الوحي.

نجيء من الله  ونحيا به هذا لنا مجتمعين ونحكم بعضنا بعضا بقوانين جاء بها التاريخ وتشدنا الى المستقبل.

نستسيغ من التاريخ ما يروق حياتنا المشتركة ونستشف الآتيات نقتبس ما نقتبس من المصادر التي نستحب اي في ما يوافق الارضية المشتركة اعني ارضية البلد الواحد الذي يضبطه الحكم المدني اظن ان معظمنا لم يبقَ خائفاً من هذه العبارة. أظن أن هذه العبارةلا يراد بها أكثر من أن أهل المدينة واحد كما كان يقول اليونانيون القدامى ونحن نقول البلد.

#   #

#

غير ان القول بالحكم المدني لا يخلق بشرا جددا متلألئين بالفضائل. ماذا ينفع الحكم المدني ان لم يكن قائما على القيم الروحية التي لا مصدر لها في الحقيقة الا الاديان. المؤسسة الدينية لا تحكم ولكن الدين من حيث هو سماحة وسلام ومحبة هو الذي ينشئك في العمق ويثبتك امام المشقات ويجدد كيانك في كل حين. ليس من دولة دينية. هناك ناس دينيون يجعلون البلد على صورة بهائهم. اذا كان هؤلاء موجودين معا قد لا تحتاج الى حكم. الحكم ضروري لرفع شأن العدالة والفقراء. وهذا يتطلب فضائل كبيرة.

«المدينة الفاضلة» هو عنوان  لحسنات الناس الخلقية. اساسا الحكم عندهم. الحكم يشجع بعض النضال ويستمر به. ولكن لا حكم بلا مجتمع فاضل. الاساس هو المواطنون. والدولة تقوم بهم ولا يقومون بها.

من هنا كان الدور الاساسي للمعلمين الروحيين والوعاظ والتجمعات المصلية والداعين الى التقوى. من هنا اهمية الفكر الديني الخلاق الذي يجدد الدعوة بالتعبير المقبول لدى الانسان العصري. الكلام التقليدي لا ينفع شيئا. العبارة التي لا تجعل منك انسانا جديدا تكون لك كالجيفة.

تجند الكنائس للمسيح يدفعها ان قامت على العمق الى انشاء مجتمع فاضل. لا يكفيها ان تذكر الوصايا العشر. حسن ان يصبح هاجسها دعوة المؤمنين الى بناء «مدينة فاضلة» بكل تنوعاتها وبكل همومها، مدينة فيها اعضاء الكنائس وبقية الناس. هذه هي الامة المقدسة المبثوث فيها الروح القدس والعاملة في توجيهه في تقديس الذات والعمل الاجتماعي. قبل ذلك نحن نحلم.