هذا الأحد وهو الأخير من الصوم نصل فيه الى قمة الحديث عن التوبة، هذه التي لا يدركها احد حتى النهاية لأنها تعني ان لا شيء فيك يفرقك عن الله ولكن المحبين يسوع يسعون اليها في حزن على خطاياهم على رجاء الاستمرار في السعي. التوقف هو الخطيئة. وحتى تتبلور التوبة وضعت الكنيسة امامنا مريم المصرية نموذجا اذ كانت ساقطة حتى القاع ورفعتها توبتها حتى الذروة. هل انت مثلها طالب الجهاد جديا، حتى الدم كما يوحي الرسول، ام كان الرجوع أمنيات فقط، تقطعه لأن وجه المسيح لم يسحرك بعد حتى رغبة الانسلاخ عن خطاياك وانت بلا شك تعرفها واحدة واحدة. هل كنت مصرا على معاصيك وانت صائم؟ يبقى لك ان تسبح في مياه المسيح في هذا الأسبوع حتى تستطيب المخلص وتسلم له في الأسبوع العظيم، حتى اذا ادركتك الأيام الأخيرة منه تكون ذقت حلاوته.
تهزني قطعة في صلاة السَحَر (وبلا صلاة السحر لا تكون ماشيا على دروب الجلجلة)، هذه القطعة التي مستهلها: “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. ويأتي تفسير هذا الكلام بكلام آخر: “ان الرجل البار هو الذي يرحم النهار كله”. عندما تحيا الرحمة حقا لا يبقى لك مجال للبخل، للكبرياء. ان ترحم هو ان تخرج من انغلاقك لتجعل الآخرين ليس في حضنك ولكن في احضان أبيهم الذي في السموات. ان ترحم يبدأ بمعرفتك ان المخلص رحمك انت ايضا بدمه وطهر ضميرك من الأعمال الميتة لتخدم الله الحي.
انت انسان رحيم ان فهمت هذه القولة في إنجيل اليوم: “من أراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما… فإن ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليخدُم وليبذل نفسه فداء عن كثيرين”. انت زوجا مجرد خادم لأهل بيتك. انت كاهنا او وزيرا او عالما او فيلسوفا خادم للذين تعايش. انت لا تطلب اي شيء لك. انت يكفيك من دنياك ان تأكل وتشرب وتضع علمك وقدراتك كلها ووقتك وانتباهك في سبيل الآخرين.
بهذا انت ترافق المسيح حثيما ذهب. وعند ذاك تستطيع ان تقول لمن كان ميتا في خطاياه: “يا لعازر هلم خارجا”. سيقولها السيد في آخر الأسبوع. ولك ان تقول هذا اذا قبلت ان يقيمك يسوع من كل معاثرك. وانت تقوم فقط اذا آمنت بكلمة المعلم لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. ليس في هذا القول حجب لإيماننا بالقيامة الأخيرة، ولكنه تأكيد لإيمانك بأن يسوع قادر على احيائك الآن. ذلك لأنه لا يقبل ان ترجئ التوبة. “اليوم، اليوم وليس غدًا”. انت تلقى وجهه في اليوم الذي انت فيه فقد لا يكون لك غد، واذا كنت تعيش ليوم آخر فقد لا تنهض فيه، فتموت الى الأبد تحت الغضب الإلهي.
الناس لا يؤمنون بهذا الغضب لأنهم يؤثرون ملذاتهم على الرجوع الى وجهه. اما الذين يحبون وجهه فإنه يغنيهم عن كل الوجود. ايضا كلامه لمرتا: “من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد” اي لا يموت اليوم ولا غدا ولا في الدهر الآتي.
الخطيئة ساحرة ولكنها كاذبة اي تغري الى حين وتبدي لك انها تملأك سرورا ولكن في الأخير تملأك مرارة. وبعد ارتكابها ترى نفسك في الجحيم قبل ان تنقضّ عليك الجحيم في اليوم الأخير لو ثابرت على المعصية. ولكن ان عرفت ان المسيح هو قيامتك وحياتك فأنت في السماء قبل ان تنتقل الى السماء في اليوم الأخير. الله قال لك الأشياء الجدية ولا يمزح فلا تمازحه لأنه لا يهزأ به. هو جدي كثيرا. السير معه يكلفك كثيرا. يكلف الانقطاع عن مئة امر وامر، ولكن نتيجة لهذا الانقطاع ينزل عليك الخبز السماوي الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.
