«سراج الجسد العين» التي تفتتح هذه القراءة تعني روح الإنسان وقدرته الأدبية. فإن كانت عينك بسيطة، لا بغض فيها لأحد، فجسدك اي كيانك يكون كله نيّرا. وإن كانت عينك شريرة، أنانية، كل شخصيّتك تكون كذلك. «واذا كان النور فيك ظلاما فالظلام كم يكون»، اذ كانوا يعتقدون قديما ان النور كان في العين. اذ ذاك انت كلك ظلام.

بعد هذا يقول السيد: «لا يستطيع احد ان يعبد ربين»، ويريد بالربين: الله والمال. المال في خدمتك وليس معبودك. هذا يذكّرنا بالمثل الشعبي: «ما بتقدر تحمل بطيختين بيد واحدة». المال اذا صرت عبدا له يأخذ كل قواك ولا يجعلك تطلب شيئا آخر وتحبه على كل الناس. تتشاجر مع زوجتك او إخوتك وأخواتك وأولادك من اجل المال. بالضرورة عاشق المال بخيل ويبخل على اقرب الناس اليه. ويتفاخر بما عنده، ويعتبر نفسه عظيمًا ونافذًا وقويًا. ويريد أن يدور الناس حوله. والرذيلة التي تتبع عشق المال هي حب التسلّط.

غير أنك لا تستطيع أن تتحرر من هذه العبودية إلا اذا أنفقتَ كثيرا على المحتاجين. لهم حق في مالك لأنك أنت مؤتمن عليه ائتمانا لكي يتمتع به المحروم والمريض الذي ليس عنده ثمن الدواء والتلميذ الفقير الذي لا يقدر اهله ان يدفعوا عنه أقساط المدرسة. هؤلاء جميعا إخوتك ومثل اولادك وقد فّوضك الله أمرهم. فاذا جاءك المال حلالا يكون نعمة لكي تتصرف بها في سبيل الآخرين فيصبح لهم نعمة. واذا جاءك حرامًا فمن باب اولى ان توزعه حتى لا تتكاثر خطاياك.

ويكمل يسوع فكره بقوله: «لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون». انه لم يَدْعُنا أن نهمل السعي الى اللباس والطعام والشراب، ولكنه نهانا عن ان يصبح هذا همّا لنا. اجتهد انت حسب واجبك لك ولعائلتك والفقراء. لذلك يتابع فكره بقوله: «أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد افضل من اللباس؟». وهو يقصد ان العناية بحياتك الروحية وإنماء فضائلك تأتي بالدرجة الأولى، وبعد ذلك تأتي العناية بالأمور الدنيوية.

ويعطينا مثلا من عالم الطير: «انظروا الى طيور السماء فانها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها». الكلمة الأساسية هنا «لا تخزن». اجل في الحياة الاقتصادية العصرية لا بد من ان تحزن فيكون لك حساب في المصرف لتسند نفسك وعائلتك اذا هبط المستوى الاقتصادي، ولكن قم بهذا وانت غير محب للمال بل محب لعائلتك والناس. لا تفرح بأي شيء تقتنيه. لك الحق ان تفرح لأنك تحسب انه لك عطاء تقوم به. لا تفرح بالكسب ولكن بالعطاء.

ثم يقول: «من منكم اذا اهتم يقدر ان يزيد على قامته ذراعا واحدة؟». لا يمنعنا السيد عن السعي ولكنه يمنعنا عن القلق. كذلك لا تخشَ الموت. لعلّ الموت أهم شيء مقلق يخافه تقريبا جميع الناس الا المتأصلون بمحبة الرب تأصلا كبيرا. طبعا راعِ صحّتك، ولكن لا ينشغل بالك بها حتى الاضطراب. اطلب معالجة الأطباء، ولكن لا تمت همّا قبل ان تموت. انت لا تستطيع ان تقدّم الموت او تؤخّره. كنْ واثقًا بالرب، واطلب ان يكون الى جانبك في ساعات الاحتضار، لمعرفتك ان المسيح هو القيامة والحياة. اذا عشت معه تنحلّ كل العقد المتعلّقة بالطعام والمسكن والمعيشة كلها، وتكون مستعدا ان تفارق هذه الحياة وانت مطمئن الى الحياة الأبدية.