هذه مسألة كبيرة يهتم بها كل اللبنانيين وعلى رأسهم الصالحون. هؤلاء تقلقهم لأنها تعذّبهم. ولكن هل من رأي واحد في الموضوع؟ شعبنا تجذبه فضائله وما من شك في وجودها. الضيافة عندنا وحسن الجوار والسعي الى السلام وتجاوز التشنّج وسلامة العائلة والحب الرومنسي لهذا البلد طبائع قائمة ولا تجعلنا في أسافل دركات الوجود. مع هذا ليس من مواطن واحد يعتقد اننا أمّة من القديسين، ولست أظن ان شعبا واحدا في الأرض يدّعي القداسة لنفسه.
السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الإشكالية هو هل لنا أن نتحدّث عن أنفسنا موضوعيا. في هذا أظن ان كل رأي فينا مرتبط بخبرة كلّ منا اذ يأتي الإنسان من صدماته فيشكّل من مجوعتها رأيا يعمّمه، والمستحيل أن تُجمع على رأي او على آراء متقاربة. وما يخيفني أن المعاصي تستوقفنا وحدها على وجه التقريب ولا نرى الحسنات الكثيرة. انا لا أستطيع ان أقتنع أن الأبرار فينا قلّة. لسنا جميعا نحب الاحتيال على الدولة وخرق القانون. ولسنا كلنا أدنى الى الغش في المعاملات. ولعل معظمنا على خطاياه يحب الإخلاص لعائلته، ولسنا كلّنا متعصّبين دينيا. قد نكون متعصّبين لطائفتنا. هذا شيء آخر، وعند الهدوء نرى جمالات روحية في أبناء طوائف اخرى، بل نتجاوز هذا المستوى ونرى ان في الدين الآخر بهاء روحيا وقيما خلقية ونتكلم حسنا على الأديان الأخرى ولو اجتمعنا في حلقات من دين واحد او مذهب واحد، ونميل الى ان التعدد الديني فيه بركات. ولعلّ ما يعنينا على هذه الرؤية اننا أمّة مختلطة و«شعوب» متعاونة في الحياة اليومية. وقد يكون هذا أساسا مرتبطا بصداقات شخصية وعائلية لا شك في عمقها، ونفهم أحيانا ان الصفات الحميدة عند مسلم او مسيحيّ تعود كليا او جزئيا الى مصادر ايمانه والى كتبه، وقد يعود هذا الى كوننا نؤمن بإله واحد هو مصدر القيم، وعندي ان الملحدين في لبنان قلّة نادرة وقد لا تكون هذه المجموعة مجرّدة من ممارسة القيم ولو لم تقرّ بأن مصدرها هو الله.
اما الآن فهل بتنا بعيدين عن وعينا لكلام الله ومتطلّباته في دنيا المعاملات بعدا كبيرا؟ هل كل الشرائح الاقتصادية تعيش على نوع من الحياد الخلقي ام تختلف مسالك الشرائح بعضها عن بعض. ما أذكره جيدا لاطلاعي على التعامل المالي في منتصف الثلاثينات من القرن التاسع عشر من العائلة التي أنتمي اليها أنها ما كانت تشكو من سوء التصرف عند المدينين لها.
كان المستدين بمئات او ألوف من الليرات العثمانية الذهب بلا سند يردّ دَينه في الوقت المحدد ويعترف بالدين مبلغه. بعد هذا وعند مطلع الثلاثين من عمري لما أمسيت خادما لرعية في منطقة أخرى كنت ألمس صدق الكلام وطهارة المعاملة. هذه كانت القاعدة وكان الناس يدلّون على الكذوب. كل هذا يعني أن شيئا طرأ على علاقات الناس، وفي تحليلي أن هذا بدأ منذ السنة الـ 1936 عند سقوط الليرة اللبنانية وبداءة الحرب العالمية الثانية. الا يمكن ان يطرأ عامل آخر اليوم يساعد على تقويم العقلية واستعادة الناس للقيم؟
ولكن الأخلاق العامّة مرتبطة بالوضع السياسي العام بصرف النظر عن الطاهرين الأحرار من الضغوط المجتمعية. يبقى ان قوة الدولة سبب من أسباب التخلّق السليم، وهزالتها سبب للعكس. إن حِرْصنا على صحة الدولة وسلامتها هو حرصنا على الأخلاق الفردية. شدّة الحكم سبب في نقاوة التصرف عند الأفراد، واسترخاؤه يقود الى استرخاء الأمة.
غير أن نقاوة الحكم لا تستتبع آليا نقاوة الشعب. هنا تلعب الأديان دورها بجعلها الله، حقيقة، ينبوع الإيمان فالتصرف. تبقى الأديان العامل الكبير في تحويل الطبائع. وما علينا أن نلحّ على المرشدين والواعظين به هو أن تقوّي الكلمة الجانب السلوكيّ عند المؤمن ولا تنحصر في التعليم الديني النظري والعبادات. هناك ورشة كلامية كبرى ينبغي ان يكون هاجسها الدعوة الى احترام القانون جزءًا مما تتطلّبه الكلمة الإلهية. الحثّ على الواجب المدني هو بعض من الحث على التوبة والتطهّر من شهوة السرقة لأموال الشعب.
أجل هذا لا يكفي فالفضائل الفردية كلها اذا صقلناها تصبّ في فضائلنا الاجتماعية وتنقّي العلاقات بين الأشخاص فينشأ مجتمع روحيّ المنحى تريده الجماعات الدينية كلها.
اجل الدولة مربّية والمجتمع يربّي. منذ سنوات عديدة قرأت في جريدة لموند الفرنسية سؤالا من اربعة او خمسة أسطر عن مسلك لرئيس الجمهورية القائم آنذاك: «اين يقضي السيد رئيس الجمهورية صبيحته بين الساعة العاشرة والساعة الحادية عشرة»، وكان هذا طبعا إشارة الى سلوك له يخالف الإخلاص الزوجيّ. في اليوم الثاني او الثالث من نشر الخبر أذاع الناخبون الكاثوليك انهم لن يمدّدوا له الولاية إن بقي على هذا.
الأوربيون يمزحون ولكن ليس في كل شيء. في هذه الحال بيّن الناخبون في فرنسا انهم لا يقبلون بحياة خاصة لرجل يمثّل الأمة. الموظف الكبير او السياسيّ عندنا اذا كان فاسدا يكون قد زاد على دخله الشرعي دخلا غير شرعي اي يكون قد اعتدى على من يعيش من راتبه او دخله اذ يكون قد لبّى شهوة الراشي وقام بعمل يخالف القانون الذي هو حارسه. من كان راتبه قليلا نحلّ له مشكلته رسميا ولا نُبيح له ان يشتهي ثروة.
يبدو أن بعض اللبنانيين غير مقتنعين بأن ثمة فرقا بين الحلال والحرام. وهذا لا ينسحب فقط على المال. هناك فساد لا دخل فيه للمال. يأتي من الخوف، من الزبائنية للكبار. لا شك ايضا أن هناك هدرا في هذا العمل او ذاك غايته الإنفاق على النساء. الإصلاح ليس فقط في العقاب ولكن في التحرر من الخطيئة. تنقية الذات من الشهوات المؤذية هو المبتغى. الحرية من المعصية هي حرية للشخص وللبلد معا.
الى هذا الجهد الشخصي في سبيل الحرية الداخلية اي حرية النفس للعلماء دور الى جانب الدعوة الدينية. هنا أناشد علماء المجتمع والنفس والأنثروبولوجيا (الإناسة) أن ينكبّوا على مسألة الأخلاق اللبنانية وذلك بعد دراسات بعضها عملانيّ. لست أعلم اذا قامت بعض هذه الأبحاث عندنا. واذا لم نقم بها فلنباشر عّها تنفع وتساعد الأخلاقيين عندنا وعلماء الدين أن يربطوا فكرهم بمعلومات آتية من مراقبة الناس. هناك تضافر بين القوى أساسيّ عسى نرى عوامل غير سياسية تسهم في تكوين تصرفاتنا.
هل هناك أخطاء وقع فيها معظم اللبنانيين بسبب من عوامل ناتجة من البيئة، من المنطقة، من معتقدات شعبية؟ فإذا وجدنا مثلا أن هناك خطايا متشابهة هنا وثمة او ضعفات في كيان المواطن متأصلة، كيف نعالج هذا في مؤسساتنا الدينية والتربوية والجمعيات الأهلية والندوات الثقافية للأحزاب.
كيف نتجنّد في سبيل لبنان منقّى؟ يخطئ من يعتقد أن كتاب التربية الوطنية هو وحده موضع الحل. المدرسة ليست وحدها مكان التطهّر ولا العائلة وحدها ولا المعبد وحده. هناك مواضع مختلفة ينبغي ان نكتشف تكاملها وتعاونها في سبيل الإعداد لمواطن صالح.
