يوم الفصح نشرع بقراءة انجيل يوحنا. وقيامة المسيح مؤسسة على انه كلمة الله، والكلمة كان مع الآب قبل إنشاء العالم. «ولما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة». وكان هذا مقصد الآب قبل ان تتكون الأزمنة. القيامة هي نهاية العمل الذي باشره الله بتكوين العالم. وبعد هذا نعيش بقوّة القيامة التي تنقينا من كل خطيئة اذ تجعلنا قائمين مع المسيح وجالسين معه في السماويات.

في مطلع إنجيل يوحنا جاء الكلام على النور الذي هو المسيح الذي ينير كل انسان آت الى العالم. ثم يكمل الإنجيلي تأمّله في المسيح ويقول انه كان في العالم اي قبل ان يولد من مريم وهو الذي به كان العالم لأنه مشترك مع الآب والروح في الخَلْق. ثم يقول انه جاء الى خاصته اي اليهود، ولكن خاصته لم تقبله وأوصلته الى الموت. وهذا ما سيتحدث عنه يوحنا في آخر انجيله.

يبدأ البشير اذًا من الخلق الذي قام به ابن الله مع ابيه وروحه، ثم ينظر الى الذين قبلوا المسيح ويقول ان الله اعطاهم سلطانا ان يكونوا اولادا لله بنعمة الفداء الذي أخذوه من الصليب. والصليب أنقذهم من الموت الروحي وسينقذهم نهائيا عند المجيء الثاني للرب. هؤلاء يقول عنهم انهم لم يولدوا من لحم ودم ولا من مشيئة رجل، اي انهم ولو ولدوا من آبائهم وامهاتهم فبنظر الله انهم ولدوا منه بالأبوة الإلهية التي تكشّفت لهم وأحسوا ببنوتهم له بقوة الروح القدس التي اتخذوها بالمعمودية ويتخذونها دائما بالكلمة والقرابين.

وفي المقطع الثاني من الفصل يقول: «والكلمة صار جسدا» اي لبس جسدا من العذراء وحلّ فينا وسكن بيننا، وفي ترجمة دقيقة «نصب خيمته في حيّنا» لكونه صار بشرا ومثل البشر ما خلا الخطيئة. ثم يتابع قد ابصرنا مجده الذي انكشف في آلامه اولا ثم في قيامته. ولذلك بتنا نحن ايضا بسبب عطفه قائمين في المجد الإلهي. واخيرا يقول: «من ملئه نحن كلنا اخذنا ونعمةً عوض نعمة او نعمةً فوق نعمة».

ولكون البعض كانوا يظنون انهم يخلصون بناموس موسى قال «ان الناموس بموسى أُعطيَ واما النعمة والحق فبيسوع المسيح حصلا». لا تبقى الآن الا شريعة المحبة وهذه لا حاجة فيها الى فرائض الشريعة القديمة لأننا نتغذى نحن من النعمة والحق اي بنعمة الروح الإلهي والحق الذي استلمناه من كلام المسيح ونطيعه نحن لنكون للمسيح.

النعمة والحق لم يُعطَيا قديما بواسطة احد. انهما حصلا بيسوع المسيح. ذلك انه هو النعمة والحق. ذلك ما سيوضحه السيد بقوله: «انا الطريق والحق والحياة» وما سيقوله لمرتا اخت لعازر قبل ان يُحيي أخاها بقوله: «أنا القيامة والحياة». هو في شخصه، في حبه المكشوف لنا على الصليب ينبوع حياتنا الحقيقية التي هي القداسة.

هذا هو فصحنا الأبدي. فإذا كانت كلمة فصح تعني العبور فإنما ننتقل نحن من الخطيئة الى البر ومن الظلمة الى النور. كل توبة نقوم بها فصح لنا ما دامت التوبة. واذا الكنيسة احبت مسيحها تصبح عروسا له لا عيب فيها ولا تجعيد ولا وسخ. وتصبح الكنيسة متجاوزة اخطاء اعضائها وتغسلهم بتوبتهم فيسكنون حضنها وهي في حضن المخلّص. بهذه الروح نستقبل القيامة لنكون قياميين، مستنيرين ومنيرين. الى هذا نتوق وهذا ما سنحققه برضاء الله عنا لنكون منذ الآن وارثين لملكوت النعمة.