الأحد الذي يلي هذا، أحد النسبة، نذكر فيه الآباء بدءًا بإبراهيم، ومنهم جاء المسيح في الجسد حسب رواية متى. وهذه اللائحة هي لائحة الآباء العبرانيين مع أن إبراهيم لم يكن عبرانيًا. متّى وجه إنجيله الى اليهود الذين كانوا ينتظرون أن المسيح يجيء منهم. غير أن السيد يجيء أيضًا ممن عاشوا قبل اليهود. وهذا ما سيذكره لوقا إذ يجعل الرب يسوع ليس فقط من إبراهيم ولكن من آدم. ربما كان لوقا وثنيّ الأصل من أنطاكية او كان من الدخلاء على اليهودية وأراد أن يعطي الطابع الانساني الشامل لشخص المسيح.

هذه الرؤية الشاملة جسّدتها الكنيسة في هذا الأحد الذي نذكر فيه أجدادًا للمسيح هم من الأُمم (أي من الوثنيين). نرتل في صلاة الغروب: «لقد زكّيتَ بالإيمان الآباء القدماء، وبهم سبقتَ فخطبتَ البيعة التي من الأُمم». وأيضًا أن المسيح المنقذ «عظم الأجداد في جميع الأمم». منهم من كان وثنيا بوضوح، ومنهم من كان يهوديا. يذكر ملكيصادق الذي أتى ذكره في الرسالة الى العبرانيين.

هذا استقبل إبراهيم من كسرة الملاك وأعطاه إبراهيم عشرا من كل شيء. «لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة بل هو مشبّه بابن الله». وليس عبرانيا. ونذكر الأجداد ابتداء من آدم.

لذلك كان المسيح أوسع من إسرائيل ورئيسَ إسرائيلِ اللهِ الذي هو الكنيسة. لذلك يقول بولس في الرسالة الى اهل غلاطية: «ليس يونانيّ ولا يهوديّ»، والمراد بها أن الآتين من الحضارة اليونانية صاروا واحدا في الكنيسة مع الآتين من إسرائيل، ويرادفها قوله «لا ختان (يعني اليهود) ولا قلف» وهكذا يُسمّي الوثنيين الذين لا يختتنون. كذلك يقول «لا بربريّ ولا اسكيثيّ». البربريّ حسبما قال أرسطو هو غير اليوناني. الاسكيثيون من أصل إيرانيّ كانوا ساكنين في جنوبي روسيا.

كل هذه الاختلافات العنصرية التي كان الأقدمون يعتدّون بها لا تتوحّد الا اذا انضمت الى المسيح، ومن هذه الزاوية تكون تخلّصت من عداوة الأعراق، وكل ما كان عندها في وثنيّتها من خير وعلم ومعرفة يكون مهيئا لمجيء المخلّص. المسيح قبل ميلاده من مريم كان بطريقة او اخرى تُمتمُهُ كل الشعوب القديمة وتنتظره بما عندها من صلاح وفهم. فإن المسيح، لو كان من اليهود في جسده، انما كان من الناحية المعنوية وريث كل الحضارات. عمّدها بالإنجيل، وسقط من فكرها ما كان ضد الإنجيل، وثبت ما كان من الإنجيل.

كلمات للمسيح قبل تدوين الأناجيل كانت مزروعة في ثقافات الشعوب التي تقدّمت يسوع واعتنقته وورث منها المخلّص ما ورث، وطرحت هي بمجيئها اليه ما كان يتنافى مع رسالته، وصار هو للجميع كل شيء.

عندما نأتي الى المسيح من أيّ موروث ثقافيّ، يبقى هو سيّدًا على كل ما نعرف ونحسّ، ويظلّ وحده قطب شخصيّتنا ومنتهى طريقنا الى الآب.