Category

السيرة

السيرة, اليوبيل, مناسبات

نحن معشر الكهنة لسنا سوى غاسلي أرجل / كلمة المطران جورج في اليوبيل الفضّيّ لأسقفيته، كنيسة رقاد السيدة في حامات، 4 آذار 1995.

هذا مُقام شكرٍ للذي تليق به وحده الكرامة. إنه شكر لِما أعطى ولِما حرم. ذلك أنه أعطاكم انتم. فحاولت أن أستمع إلى «ما يقوله الروح للكنائس»، وتقبلتُ النفحات التي نفحكم بها الروح، وما كنت لكم إلا بمُذكِّر لـِما كنتم تعرفون، وسوف أغيب بعد التذكير.

والمُقام الثاني هو مُقام توبة بسببٍ من تقصير وقعتُ فيه ومن إهمال، من خطايا عامدة وغير عامدة، بسبب من هذه الترابية الزائلة، من هذا الإناء الخزفيّ الذي ارتضى الله أن يضع فيه عطرًا والعطر له وليس للخزف شأن مع العطر، ولكن إن تسربَتْ إليكم «رائحة المسيح الزكية» فهذا من فضله وهذا من طاعتكم. وإذا أقمنا في مُقام التوبة نستطيع أن نتبصّر في الكتاب العزيز. إنكم قد قرأتم ما ورد في سفر الرؤيا عن الأربعة والعشرين شيخًا الذين شاهدهم يوحنا في السماء متحلّقين حول يسوع، ولعل هؤلاء الشيوخ الكهنة عبروا إلى السماء بواسطة شهادة الدم، تلك كانت البيئة التي كتب عنها الرسول. وتذكرون قول الحبيب الرائي أن هؤلاء الشيوخ، الذين كانوا متوّجين بأكاليل الشهادة في ظني، كانوا يُلقون أكاليلهم ويرمونها امام عرش الحمَل. يا إخوة، ليس على رأس أُسقفٍ إكليل. ولو تراءى لكم شيء من هذا، طيف من هذا، فإنه يُرمى عند قدمي الحَمَل الذي له وحده الإكرام والسجود وله وحده يليق المجد لأنه وحده ذو القدرة.

وتذكرون ما قيل في العهد العتيق وما ردّدناه في الخدمة الإلهية، من أن حول العرش الإلهي الشاروبيم والسارافيم الذين نحاول بخفر وتواضع التشبُّه بهم اذا تحلّقنا حول السيد المبارك. ويقول الكتاب الإلهي إن هؤلاء السارافيم والشاروبيم كانوا يَستُرون وجوههم بجناحين ويَستُرون أرجلهم بجناحين ويطيرون بجناحين. يسترون وجوههم لأنهم باتوا غير قادرين على رؤية المجد الإلهي، ليس احد منا يبصر المجد ولا حلّ على احدٍ مجدٌ. وإن تراءى لنا شيء من هذه الظلال فإنما يجدر بنا أن نغطي وجوهنا بالأجنحة. لماذا لم تقدر الملائكة أن تطير في مرحلة أولى؟ لأنها ما كانت قادرة أن تبصر، فإذا اخترق وجوهَها المجدُ الإلهي تتمكن من جديد أن تطير وأن تُحلّق حول عرش الحَمَل. الكارثة يا إخوة، أن يَحجب اللهُ نوره عن وجه الأسقف. عند ذاك يكون لا شيء.

يبقى أنتم يا إخوتي الكهنة الذائقين مرارة العيش بسبب من إهمالي وبسبب من جهالات الشعب. ولكنكم حاولتم، حاولنا معا، أن نجعل في المؤمنين وعيا يزداد فيما أهَّلنَا الله عليه من البشارة. ولعل إشعياء كان ينظر إلى جبل لبنان لما قال: «ما أجمل المبشِّرين في الجبال، المبشِّرين بالسلام». لقد زرَعَكم مسيحُكم على هذا الجبل لتكونوا فيه منائر علّ المؤمنين يهتدون، وقد يكون الكثيرون من المؤمنين هم المنائر وبهم انتم يا كهنة تهتدون. مهما يكن من أمر، سمعتموني أقول للكهنة الناشئين، سنة بعد سنة، إننا نحن معشر الكهنة لسنا سوى غاسلي أرجل، لا نطلب أرقى من هذا ونكتفي بالتمجيد اللائق بغاسل أرجل علّهم يُبصرون. سنكمل هذه المسيرة القديمة التي أُطلقت في أورشليم منذ قيامة المخلّص وحلول الروح. نحن جزء يسيرٌ من هذه المسيرة. غير أني أفتخر بما قلته مرّة لرجل من كنيسة لا تعتقد بالكهنوت، انت ترى أمامك أسقفا محدودا بترابيته وخطاياه وطبائعه، ولكنّ هناك شيئا انت لا تبصره. قال ما هذا الشيء؟ قلت أنا لست أنا. أنا أحمل على كتفي إغناطيوس الأنطاكي والذهبي الفم والدمشقيّ وما اليهم، نحن في الأرثوذكسية لسنا نحن، نحن نجيء من الشهداء ومن الأبرار والنسّاك وأصحاب الكلمات الحلوة الذهبية البارّة. قلت له أنت تُعامل كنيسة عظيمة ولو تأذّت مما في رؤسائها وأعضائها من ضعف.

هذا ما أخال انكم أحببتم أن تحتفلوا به. في الواقع أردتم أن تتذكروا أن كنيسة المسيح هي الحياة كلها والحلم كله والآفاق كلها، وأصررتم أن نذهب إلى هذه الآفاق. الله سيقول وحده ما فعلنا وما لم نفعل، هو وحده يعرف قيمة الأشياء. ولكن ما نعرفه نحن أننا ماشون وأننا مسرعون في سيرنا وأننا سنعدو هكذا في الضوء، في الصدق، وأرجو في التواضع. سوف لا ننسى أن نَستُر وجوهنا بجناحين وأقدامنا بجناحين، والله حرٌّ في أن يخترق هذه الأجنحة وأن يصبّ علينا نوره، هذا شأنه. ولكننا سنسير مقيمين أولاً في مقام التوبة حتى اذا ما استقررنا هناك يرفعنا الرب إلى مقام الشكر والتسبيح. وبعد هذا، اذا راقه أن يقرأ هو على وجوهنا شيئا من جمال، سيفوّض الملائكة بأن يتغنّوا به، آمين.

Continue reading
السيرة, اليوبيل, مناسبات

إن الكمال إنما هو السعي إلى الكمال / كلمة المطران جورج في قداس الذكرى الاربعين لكهنوته، كنيسة مار يوحنا المعمدان في وادي شحرور، 19 كانون الأول 1994.

إخوتي،

إنكم أحببتم إحياء هذا اليوم معي لنقيم ذبيحة الشكر لهذا الذي له وحده المجد في أنه دعاني وأكرم في ما أعطى وعلّمني ما علَّم ورآني فرأيته ولطف بي فالتقطتُ من أنواره ما مكّنتني من ذلك طاعتي وذلك في ذوق صليب هو وحده خلوة هذا الحب الذي غدا عندنا نحن العيسويين كل الكيان وكل اللغة.

أربعون سنة انقضت ألتمس فيها الرحمة وما عرفت فيها قوة الا تلك التي حلّت من انعطافه، وأنت في كثرة من الأحايين وحدك في المحنة، فكيف تُواجهها بهذه الجبلة التي جُبلت بها، بنواقص ثابتة أو تجارب تختفي ثم تعود، وأمامك جبال من الوهن والفتور فيك وفي الناس، وتطوي الأيام وهم يتغيرون قليلاً أو قلة منهم تتوب وأنت تنتظر توبتك فكيف تعطيهم وأنت صفر اليدين وكيف تنشئهم وأنت لا تزال في رحم المعرفة الكبرى جنينا. كل هذا مما تَعلمه عن نفسك وما لم تعلم سيكشفه الله لك يوم الدينونة، ورجاؤك وأنت عار أن يُلقي عليك حُلّة الغفران خشية أن تكون قد سعيت باطلا أو لا تكون قد سعيت بالمقدار الذي يتطلبه حفظ الإيمان فيك وفيهم.

ولا يبقى في أية حال سوى زمان يسير أرجو فيه من محبتكم الصراحة الكاملة لتقويم اعوجاجي لأن الوديعة التي ائتُمنّا عليها ليست ملكا لي ولا لكم وقد أُمرنا بتسليمها. أنا أخاف المثول بين يدي الاله الحي الذي ليس عنده مزاح. ادعوا لي حتى لا يكون هذا المثول مخزيا عسى أقضي معكم ما يبقى لي من العمر بانتباه وتواضع وزخمِ عملٍ وإحسان الكلمة. في هذا السياق يلفتني منذ سنين طولى هذا القول في إرمياء بعد أن قضيتُ في عشرته عاما كاملا في أيام صباي. يلفتني قوله: «فكانت كلمة الرب إليَّ قائلاً: قبلما صوّرتُكَ في البطن عرفْتُك، وقبلما خرجتَ من الرحم قدّستُك. جعلتُك نبيا للشعوب. فقلت: آه يا سيدُ الربُ اني لا أعرف ان أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد لأنك إلى كل من أُرسلك تذهب وتتكلم بكل ما آمرك. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأُنقذك يقول الرب. ومدّ الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي: ها قد جعلتُ كلامي في فمك. انظر قد وكّلتُك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض وتبني وتغرس».

ما يهمّني ألا يأتي هذا اليوم منتهى لحقبة بل انطلاق لزمان لكم جميعًا. ولهذا أعود بكم من الكلام عن نفسي إلى الكلام في هذا الذي وحده ساغ الكلام فيه. خوف إرمياء من نفسه عرفه نبي آخر لما فوّضه الرب أمر النبوءة فقال: «اني لستُ نبيا ولا ابنَ نبي، انما أنا راعي بقر وواخزُ جمّيز. فأخذني الرب من وراء الغنم وقال لي الرب: انطلقْ وتنبأ لشعبي إسرائيل» (عاموس 7: 14 و15). لعل كلاًّ منا عرف هذه الحيرة وهذا التكلؤ أنه هش وأن بينه وبين الرسالة هوّة لأنه يعرف نفسه ساعيًا إلى شيء آخر ليس من الرسالة في شيء وقد لا يحسّ بحنان الأُبوّة ويستثقل موقعه وأن يشاهد في الرعية إهمالا له وقسوة وقد لا تكون مشغوفة بالمراعي الخضر ولا تُقبل على الخبز السماوي. وإغراؤه أن يهرب في العمق ولو قام على صلاته صبيحة الأحد وما اليها. قد يغزونا هذا الضجر ونعالجه باللهو فنملأ بالكهنوت أيامنا ولا نملأ به قلوبنا ويحسّ الناس بهذا فتُكَمّ أفواهنا دون الكلام الحلال. اذ ذاك نذكر إرمياء يقول: «ومدَّ الرب يده ولمس فمي». يده تحمل ملقط جمر إن ذكرتم اشعياء. «لمس فمي وقال لي الرب قد جعلتُ كلامي في فمك». فلماذا تُصرّ على أن تبقى أبكم؟

انظرْ قد وَكَّلتُك هذا اليوم على الشعوب. أنت صرت أبكم بعد أن تعوّدت ألاّ تنظر إلى وجهي لشعورك بأن بهائي يفرض عليك البهاء وهذا يكلّفك تعبا كثيرا. وقد تؤْثر أن تبقى غافلا أو تتغافل اذا ما أتى العريس في منتصف الليل، فعندك أنه يعرف شغله وأن تغطّ أنت في النوم أدنى إلى ما تحسبه راحة لك. الحق أن الكلمة تعود إلى أفواهنا من داخلنا اذا دخلت حسب رؤية حزقيال: «فقال لي: يا ابن الانسان، كلْ ما انت واجد، كلْ هذا السِفر واذهب فكلّمْ بيت اسرائل. ففتحتُ فمي فأَطعمَني ذلك السِفر. وقال لي: يا ابن الانسان، أَطعمْ جوفك واملأ أحشاءك من هذا السِفر الذي أنا مُناولُك. فأكلته وصار في فمي كالعسل حلاوة» (3: 1-3).

وقد يتوهَّم أحدنا ولا سيما اذا تَقادَم عليه الزمان أنه عمل في أول عهده في الكهنوت عملا كبيرا وأنه آن له الآن أن يستريح على ما ألفه من الخدمة وبعض ما يحيط بها من افتقاد قليل. اذ ذاك يسمع الرب يُكلّمه كما كَلّم إرمياء: انظرْ، قد وكّلتُك هذا اليوم. كل فجر يا إخوة فجر الخليقة الجديدة فينا ووعد نور في المؤمنين. وقد يكون أحدنا في كهولته الطاعنة أو الشيخوخة أعمق عطاء وأحرّ حبا. إن من لم يعش كل يوم كأنه يوم رسامته يكون قد دخل في تأفُّف الرتابة. فإنْ هبَّ الروح فيك من جديد فهو إياه الذي يَقلع ويَهدم في مواضع الاقتلاع والهدم وهو إياه الذي يبني في موضع البناء. أي انه عليك أن تكافح الخطيئة والجهل في كل نفس، ومن بعد هذا أن تُجمّلها وأن تزيدها جمالاً. وليس لك من مهمة غير هذه.

أنت كاهن لأنك نبي. لأنك لا تُحابي الوجوه، ولا تُحابيها إلا لكونها تنظر إلى وجه الله وحده كما كان موسى وإيليا في ثابور لا ينظران إلا وجه الإله. غير أن أحدًا منا لا يقتبل النبوءة ولا يحملها الا اذا مات عن كل شهوة فيه على غرار ذلك الذي لم يصر راعي نفوسنا العظيم الا بعد أن قَبِل أن يصير بالموت حَمَل الله. ولهذا يقول إرمياء: «لنُتلِف الشجرةَ مع ثمرها ولنستأصله من أرض الأحياء» (11: 19). ولأنك، كاهنًا، تقبل الموت كل يوم، سيطلبون نفسك قائلين: «لا تتنبأ باسم الرب، لكي لا تموت بأيدينا» (11: 21).

ستبقى طائفة من الناس متمرّدة كثيرة كانت أم قليلة. ولكنّ ثمة كثيرين في هذه الأبرشية ارتدّت قلوبهم إلى الرب بفضلٍ مِن سهركم. نحن ولجنا طريق الخلاص، والتعزيات كثيرة، ولكن ينبغي أن نقلق كثيرًا لو سمعنا الله يقول على لسان حزقيال: «لا تَرعَون الخراف، الضعاف لم تُقوّوها والمريضة لم تُداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردّوها والضالّة لم تبحثوا عنها، وإنما تسلّطتُم عليها بقسوة وقهر. فأصبحَتْ مشتتة بغير راعٍ» (34: 4 و5). واذا صحّ هذا في واحد منا فليس عليه إلا أن يسعى على أن يكون على صورة الراعي الصالح الإلهي الذي يبذل نفسه في سبيل الخراف. لهذا يُحجَب وجهُ الكاهن المسجّى بالستر لأنه يكون قد صار ذبيحةً ووجهه محجوب لأنه لم يَعُدْ يطيق الا رؤية وجه الحبيب.

أنا أدعو ربي أن يمنّ على كل منا بأن يكون على قدر النعمة التي وُهب على صورة المعلّم، المسحوق حبا، أن يصير أخًا لشريكه في الخدمة الإلهية وأن يزداد علما. في تصوُّري أننا نجحنا في جعل المعرفة مطلبا عند الكهنة، وهذا ممكن لكل منكم لأن الذكاء لا يُعوزكم، ولكن الجهد الموصول يُعوز بعضًا منكم على صعيد قراءة الكلمة هذه التي إن أكلناها نحيا بها إلى الأبد. وكلمة السر في هذا أن مَن صلّى كل يوم في عمق الايمان وحرارة الاستغفار تصير له صلاته مع الكتاب الإلهي المدرسة التي لم تؤهّله ظروفه أن يدخل اليها.

نحن لا نستطيع أن نخلّص المؤمنين الا اذا رأوا في مسلكنا صورة الراعي الصالح الذي يدعو كل خروف باسمه بمعنى أنه يحبه شخصيًا ويخدمه شخصيًا، ولا خدمة عندنا الا اذا أطعمناه الكلمة. العبادات لا تكفي للعلم. وينبغي ألا يكون أداؤها عذرا لجهلنا. يجب أن تعود الكنيسة إلى ما كانت عليه في الألف الأول كنيسة صلاة وكنيسة معرفة. هذا تكامل يضمن وحده أننا على طريق الخلاص. أن نكون عالمين بالكلمة ومتواضعين بآن معًا لسعيٌ ممكن. على هذا نتعاهد إنْ ودّعْنا الذكرى بعد هذه الخدمة الالهية. نودّعها ليعيش كل منا كهنوته بوعي متزايد وتفانٍ لا يُحدّ على أن تَذْكروا كلمة غريغوريوس اللاهوتيّ: «إن الكمال إنما هو السعي إلى الكمال». اذا اقتنعتم بهذا أعرف أن كنيسة جبيل والبترون باتت في عهدتكم وأنه حان لي أن أقول للرب: «الآن أَطلِقْ عبدَك أيها السيد حَسَب قولك بسلام» (لوقا 2: 29). تكونون أنتم قد جعلتم هذه الأبرشية عتبة للملكوت.

Continue reading
السيرة, رسامته الأسقفية, مناسبات

القضيب الساهر / كلمة المطران جورج يوم سيامته مطرانًا، كنيسة المريمية في دمشق، 15 شباط 1970.

«وكانت كلمةُ الرب اليّ قائلاً ماذا أنت راء يا إرميا؟

فقلت إني راء قضيبًا ساهرًا.

فقال لي الرب أحسنتَ فيما رأيتَ

فإني ساهر على كلمتي لأُجريها».

                                                            (إرميا 1: 11و12)

الرسوليّ الرائي يؤتى به أسقفا ليرعى شأن الكلام الرسولي يأخذه من أبعاد ويمدّه إلى أبعاد. ولا يكون رسولاً إلا مَن اختاره ربّه على وفق قلبه ليرعى شعبه بعلم وعقل كما يقول النبي (إرميا 3: 15)، بذلك العلم الذي يؤتيه السيد أحباءه إذا ارتشفوا الكأس المقدسة ولاصقوا المساكين، وبذلك العقل الذي يتدرّج إلى مرتبة الألوهة إذا استلذَّ الإنجيل وعكف عليه طيلة العمر. من اختطفته الكلمة تصقله خليقةً جديدة، فإذا بالكلمة تُطيّب شفتيه وتعزّي فتنسلّ إلى الروح انسلال العطر وتَبيتُ فيها لطف إله.

ومن فُوِّض أمر الكلمة إنما تُقيمه على الناس ليَقلع ويَهدم ويُهلك ويَنقُض ويَبني ويَغرس حتى يبقى الحُكْم في الأرض لله ولمسيحه ليزهق الباطل فيتراءى لنا الملكوت في عواصف الوجود. ومن سحرَتْه هذه الرؤية لا يقدر أن يستمتع بغيرها. والرؤية وحدها هي التي تجعله رأسًا للكنيسة، نموذجًا ملوكيّ الملامح على قدرِ تخلُّقه بأخلاق الملك العظيم، وقد شاهدتم في هذا الاحتفال المبارك، أن الانجيل وُضع على رأس مَن انتُدب إلى رئاسة الكهنوت فيما كان الرعاة يستدعون الروح القدس عليه. طلبوا اليه بذلك أن يكون دائمًا تحت الإنجيل وعَنَوا أن أحدًا لا يعلو هامته سوى الله وأنه، بآن معًا، مطأطئ الرأس أمام المتواضعين لكونهم هم الإنجيل. إنه غدًا عالي الرأس لأنه لا يسكن بيتًا أرضيًا منذ صارت السماء سقفه بالدعوة.

وإنْ هو كذلك إلا ليحفظ رعيته في أدب الإنجيل ولا يستكين حتى يقودها من دار غربتها إلى جوار الكتاب القيِّم ليجعلها عروسًا بتولاً لا لوم عليها عند مجيء ربنا يسوع المسيح. ولا يقدر الأسقف على تهيئة أخته العروس ما لم يُفض نفسه حتى الموت. ففي الموت، نحن العيسويين نحتفل بعرسنا. وإذا ذقناه، بنعمة الله، فإنما يظهر الخلق كله وتصبح الانسانية جميعًا بعض قربان.

أجل كشْفُ الكلمة مؤداه للصلاة حسب القول العزيز: «سأُبشّر باسمكَ إخوتي، وفي وسط الجماعة أُسبّحكَ» (مزمور 21: 27). فالرعية، إذا تطهرّت بالإنجيل، تجتمع حول راعيها للتسبيح، لتمتد وإياه إلى الآب. الأسقف هو ذلك الإنسان الذي يُغذّي الحنين إلى الآخرة. هو المهاجر أبدًا إلى محجّة تسري أمامه وتذهب به إلى حياة الأبد. انه لا يرسخ في الدنيا ولا يرسخ فيها قومه، فالكلمة تجري وهو يجري بها، والقداس يصعد وهو يتصاعد به إلى يومَ يستعيد المسيحُ الكونَ في جسده المجيد.

هذا البشير الكاهن يتولى الإمامة الحق، إذا استطاع أن يصبح حَمَلاً لله لا تسلُّط عنده ولا قهر، يستمدّ سلطانه لا من حرف ميت بل من طاقة الحب التي تتفجّر في يديه. «ينزل في كل أمر منزلة خادم بصبر في الشدائد… والفتن والتعب والسهر… والرفق والروح القدس والمحبة الخالصة، بكلام الحق… بالكرامة والهوان، بسوء الذكر وحُسْنه» (2كورنثوس 6: 4-8). كل ذلك في حرية المسيح وبساطته لأن شيئًا في العالم لا يحتاج إلى المحبة وهي لا تحتاج إلى ما عداها لتغلب وتُقيم في الأرض سيادة المسيح. إن رفعة السيد هي عينًا في أنه «تجرَّد من ذاته متخذًا صورة العبد وصار على مثال البشر. وظهر بمظهر الانسان» (فيلبي 2: 6-7).

كرامتنا نحن أن نموت. بعد ذلك ينبعث الكون فينا ويكون كل منا كملاك قائم على الشمس (رؤيا 19: 1). مَن جلس على النور يصبح نورًا. عند ذاك لا يبقى من سؤال. شؤون الزمن التي للناس ينصرف الناس اليها بصحو ومسؤولية ومعرفة، ويُطلّ الراعي على ذلك إطلالة نَصوحًا لأن الكنيسة لا تغيب، فقد سمَّرت ألحاظها على المسيح «به قوام كل شيء» (كولوسي 1: 7) لتنصرف إلى كل حق وعدل وطُهْر جاء به أهل الأرض. إن كل تنهُّد، كل أنين، كل تطلُّع إلى غد أفضل تتلاحم في هامة المسيح الكونيّ. كل نموّ للانسان فرحة عند الملائكة. ولذلك كان كل مسعى نحو الحرية والمشاركة الإنسانية في الأمّة والعالم شيئًا من تمخُّضات الروح في ولادة ما يصنعون.

والكنيسة شريكة بما تُعنى به، بعض مما تعطي نفسها لأجله، بشرية كليًا ولو غير ترابية، متجذرة في تاريخ بلادها، تحمل على منكبيها صليب البلد وتصنع البلد بشهادة العدل والتحدّي النبويّ. ترمي كلاًّ من أبنائها في التزام هذه الدنيا.

هذا الحسّ جعل الناس يعرفون أصالة كنيستنا في هذه الديار. من آمن بتجسد ابن الله يؤمن بالتالي أن أرض بلادنا هي لحمنا وأننا فيها راصدون لمن أراد انتهاكها ظالمًا أو معتديًا.

حقُّ الله على الناس وحقُّ الانسان على التاريخ جُعل الأسقف لإعلانهما في الكنيسة وكانت الكنيسة لإعلانهما في العالم. وإني لأرجو أن يكون ربنا قد منحني هذه الرؤية وأنا أجيء من بيت طقوسيّ الذوق ومن حركةٍ لشبيبةِ كنيستي تروَّضتُ فيها على معرفةِ كونيةِ المسيح وانبعاثية كل حق في روحه. وما أَدركتُ شيئًا مما أدركتُ إلا لأني كنت أقرأ النور على وجوه شبابٍ عاهد ربَّه على تشوُّف أنطاكية جديدة.

تراث أنطاكية نريد أن نعلنه عمقًا في دمشق العربية شهداء على أننا في منزلة القلب من المصير العربي. أنطاكية في غناها كله نريد إقامتها في فكر لبنان الحبيب. كنيسة واحدة هنا وهناك لا زيف فيها تخدم الله في مرافق الانسان.

هذه الكنيسة التي اختلج فؤادها للتجدد منذ ربع قرن ونيف أرادت تكليفي برعاية أبنائها في كرسي جبيل والبترون وما يليهما وكأنها تقول لإخواني في جبل لبنان انها تريدني في وسطهم قضيبًا ساهرًا بالكلمة، يقظًا للخدمة. فالله أسأل أن يتمّم قصدها راجيًا إليكم ألا تُهملوني من دعاء رفيق.

Continue reading
رسامته الأسقفية, مناسبات

أرجو غفرانكم وستر ذنوبي وخطاياي / كلمة المطران جورج في وداع أبناء رعية الميناء، شباط 1970.

الكاهن إنسان كلفه الله أن يجمع شتات شعبه بالكلمة والأسرار، وكلفه أيضًا أن يُهذّب نفسه بالإنجيل. فعلى ما قدر ما كان التهذيب للراعي ممكنًا كان تأديب الناس بأدب الرب ومخافته ممكنًا أيضًا.

لقد شاء الله، بنعمة منه، أن أرحل إلى مكان آخر في هذه البلاد لخدمة شعب الله أيضًا. إني لا أزال مبتدئًا على دروب الفضيلة. إن ذنوب الأخ الصغير الذي يرحل عنكم الآن فاضحة، ولهذا أرجو غفرانكم وستر ذنوبي وخطاياي.

Continue reading
السيرة, رسامته الكهنوتية, مناسبات

«لأجْلهم أُقدّسُ ذاتي» (يوحنا 17: 19) / كلمة المطران جورج يوم سيامته كاهنًا، كنيسة المريمية في دمشق، 19 كانون الأول 1954.

هذا ما قاله الرب يسوع في ذلك الخطاب الوداعي بعد أن أسس خدمة العشاء السري التي أقمناها معكم اليوم. وما التقديس بلغة يسوع سوى تكريس نفسه للآب. إنه يكرّس نفسه بالخدمة، بشفاء المعذبين، بالتعليم، بالصلاة، بالدم. ان الكائن المعطى، الإله المبذول الذي لم يرتضِ أن يقبع في سكون أزليّ بل شاء أن يتّضع ويسكن بين الناس ويتصرّف بينهم كانسان يُخالط أدنى طبقاتهم اجتماعيًا وروحيًا ليعطيهم الرفعة التي تستحقّ وحدها أن تعطى، رفعة القداسة.

إنه كرّس نفسه لنتكرّس له في الحق، في النور، في المعرفة. والمسيح لا يزال قائدنا الأوحد ومثالنا القريب. ليس كائن أقرب منه الينا. على طريقه نقدر أن نسير «لأني أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يُقوّيني» (فيلبي 4: 31). على غراره إذًا يسلك مَن انتدبَتْه النعمة التي للمرضى تشفي وللناقصين تُكمّل ليكون خادمًا لأسرار الله، متممًا خدمة المصالحة بين الله والناس. هذا رُفع من وسط الكنيسة، ووُضعت عليه أيدي الأساقفة ليصير نذيرًا للرب، يتابع تقديس ذاته في سبيل تقديس إخوته.

لا مبرر لخدمته إلا أن يكون وسط شهوات العالم رسولَ الوداعة والبساطة والتواضع حتى إذا تمم بعض هذه الخدمة يجعل في قلوب الناس رجاءً ويُدخل إلى نفوسهم سلام الله. هذا ما يطلبون منه حتى إذا كان لهم ذلك صاروا أقرب إلى الله. غاية الكاهن أن يكون رجلَ الله، رجلاً يَسُرّ الثالوث القـدوس أن يأتي اليه ويصنع عنده منزلاً. وإذا كان كذلك يستطيع أن يصبح نورًا للعالم وملحًا للارض.

إن رجل الله لا يهمّه في الأرض غير الله، ولا يعمل إلا لقضية الله، وقضيته كثيرًا ما تكون منسيّة في كنيسته نفسها. ولذا فمَن قصدَ القداسة لا بد له أن يحمل في جسده سمات الرب يسوع. لقد حُقّقت قضية الله في الأرض منذ ألفي سنة لما رُفع ابنُ البشر على خشبة. ليس بطريقة أخرى يمكن أن تظفر قضيةٌ اليوم. انها قضية جهاد الخطيئة، جهاد الجهل، جهاد الإلحاد. انها قضية المعركة الكبرى التي شنّها الناصريّ على الشيطان والتي دُعينا أن نُساهم في تحقيق انتصارها. ولذا لا محلّ في قضية المسيح للمجادلة والدمدمة. انها أولاً وآخرًا من ألفها إلى يائها قضية التزوُّد من النور يومًا بعد يوم إزاء هجمات الشرير. هي أن تزرع محبةً حيث تجد حقدًا، محبة مجانية للصديق والعدوّ، للمؤمن وللجاحد. إن كانت رسالة المسيح لا تُؤدّى في مكان ما، فما ذلك إلا لأن هذا المكان لا وجود فيه للمحبة. وإن تجددت رسالة المسيح في موضع ما، فإنما تتجدّد بمقدار عودة المحبة اليه، والمحبة ثقة بأن الله قادر أن يُخرج من الحجارة أولادًا لإبراهيم. هي محبة صورة الله في الانسان وفي قدرة الله على ايقاظ صورته في كل حين.

هذا الاستمرار في الاستنارة يحصل عليه الكاهن بانكبابه على تعلُّم كلمة الرب لأنه يتقدس بالكلمة ولأنه، حصرًا وتحديدًا، خادم الكلمة، والعبد لا يستطيع ان يخدم معلّمًا لا يعرفه. وإنه يقرأ الكلمة لأنها موجَّهة اليه، مرسَلة اليه في الحين الذي يطلبها. الكلمة تُواجهه بعنفها، بمتطلباتها حتى توقظه ليوقظ بدوره الآخرين. إنه منبّه الشعب. اليه سُلّمت وظيفة النبوّة التي تأمره بأن يكون نذيرًا للشدة والضيق على كل من يفعل الشر ومبشرًا بالمجد والكرامة والسلام لكل من يفعل الصلاح لأن ليس عنده محاباة.

الكاهن رجل الله إنْ كان لا يحابي، ومَن حابى أنّى له أن يُتمّم المصالحة بين الله والناس وأن يرشدهم إلى الحقيقة وإلى معرفة أنهم محتاجون إلى رأفة المسيح. الكاهن صاحب رسالةٍ أُمِرَ بتبليغها، والويل له إنْ لم يبلِّغ. يضع الشعب أمام الكلمة بالتعليم والوعظ وإقامة الخِدَم، والكلمة تُعرّي وتترك الانسان طريحًا أمام دينونة الله إذ إن الكلمة تدينُنا في كل حين. وإذا ما قام الكاهن بهذه الوظيفة فإنما يَمَّحي ولا تثبت فيه غير شخصية المسيح، والويل له إن قاد الناس إلى نفسه لا إلى المسيح. الكاهن وسيط لأنه نبيّ ولأنه يفدي. إنه يشترك في وساطة المسيح الوحيدة ولا يقدّم وساطته الشخصية التي لا قيمة لها ولا معنى. ولكن خدمة الكلمة كما وصفناها خدمةٌ لا تكتمل إلا إذا قدَّس الكاهن ذاته وأفرز نفسه في سبيل تأمُّل أحكام الله وإعلانها على الناس.

نحو هذا أُحبّ أن أسعى لعلّي أُدركُ الذي لأجْله أَدركَني أيضًا المسيحُ يسوع. وإني في ذلك أُكمل نهجًا انتهجتُه مع فئة من شُبّان هذه الكنيسة عاهدوا الله أن يخدموه خدمة مرضية. إن الانصراف إلى شؤون الله ومحبة الدراسات الروحية والعمل في سبيل الملكوت لغايات علّمتني حركةُ الشبيبة الأرثوذكسية أن أصبو اليها. أنا ما أنا لأني أَردتُ أن أُقدّس نفسي من أجلها. انها بالنسبة إليّ الطريق التي يقال لها المستقيمة (أعمال 9: 11) والتي رأيتُ عليها يسوع المسيح حيًا ومخلّصًا.

هذه الرؤية الأولى قادتني إلى دراسة اللاهوت فأوفدني صاحب الغبطة السيد البطريرك ألكسندروس للتحصيل. وهناك في المعهد اللاهوتيّ دعاني الله بنعمته إلى الكهنوت. رجعتُ إذًا إلى دمشق (غلاطية 1: 17) كما يقول الرسول فأراد شيخُ أنطاكية أن أُقدّس ذاتي من أجل الكنيسة جمعاء، فأمر بمسحي كاهنًا لله العلّي، وإني مدين له بالتضحيات التي جَعلتْ هذا الأمر ممكنًا. وإن فرحي بكم لجزيل أيها الإخوة المؤمنون الذين أشتركتم مع الحبرين الجليلين والإخوة الكهنة والشمامسة باستدعاء الروح القدس عليّ.

وإني أشكر بنوع خاص الوجوه الحبيبة التي تكبّدت مشاقّ السفر.

فإلى اللقاء أيها الإخوة كل يوم في شركة الصلاة على مذبح الرب.

Continue reading