الجمال / السبت 28 حزيران 2008
أنطلق من أفلاطون القائل: «الجمال هو سطوع الحقيقة». ذلك ان الإغريق سعوا أصلا الى الحقيقة. وما فرّقوا بينها وبين الخير ولست أذكر أنهم بنوا رأيهم في الجمال على أعمال النحت العظيمة او الهندسة المعمارية وما فاقهم بها أحد في العهود القديمة. كذلك لا نعثر على فلسفة الجماليات في الأيقونة عند البيزنطيين الذين كانوا يقولون انهم يكتبون الأيقونة وكانوا ينظرون الى استعمالها الطقوسي مع انهم كانوا يتقيّدون بالرسم وقواعد التلوين ولكنهم كانوا يسعون الى التأثير الروحي في المؤمنين. تحاور الفن والجقيقة عندهم ولم يختلطا وغدا همهم تمجيد الله بما أُحس انهم اعتبروه صناعة اي انهم رأوا الى أنفسهم على أنهم طقوسيون اولا كالمرنمين في العبادة.
كذلك الخط عند المسلمين كانت غايته تمجيد الخالق وملء الفراغات المسطحة بالآيات القرآنية او بالشعر. ما كانوا يسعون الى الجمال المحض ولكن الى وظيفته في المساجد والأضرحة. بكلام آخر البيزنطيون والمسلمون كانوا يسخرون الفنّ للدين لعلهم في هذا كانوا يطبّقون قول أفلاطون «ان الجمال سطوع الحقيقة».
وفي هذا لم يكونوا وحدهم. فالتمثال الغربي في القرون الوسطى هو ايضا كان خاضعا للرؤية الدينيّة ومعظم الرسم كان كذلك لأن الإنسانوية عندهم كانت مشتقة من الألوهية حتى عصر النهضة حيث استقلت البشرة عن الله لذلك اتخذت الطبيعة البشرية والجامدة واقعية أبعادها واكتشفت المنظور perspective الذي تفرضه حركة الطبيعة. انت تمد اللوحة بالمنظور وتتابع عينك أبعد أفق. من هنا ان الجماليات في النهضة تبنّت فلسفة الوجود كما هو لا الوجود المرجو كما هي الحالة الدينيّة. في هذا السياق داخل الحقبات التاريخية من النهضة الى اليوم ان العري حقيقة.
اجل صعدت أصوات في الغرب احيانا لما رأى بعض الناس مبالغة في تصوير المعرى تصل أحيانا الى الإباحية. هذا لما كان الجسم البشري يظهر كما هو ولكن مع الفن التجريدي صار تحرر كبير من الوجه البشري وأجزاء أخرى من البدن بحيث لا تدرك أحيانا ان كنت أمام قامة بشرية او خطوط لا ضرورة في التقائها الى معقولية انسانية. المهم هو ما يجول في نفس الفنان ويحاول احيانا محاولة يائسة ليقدمها اليك فتسرك الخطوط والألوان وانسجامها. انه هذا الفن لا يمر بالفهم. من حدس الفنان ويحاول سكبه على احساساتك ولا يهمّه عقلك. أرادوا تأكيد بشريّتنا بدون إله وفي الحقيقة دون البشرية لإقامتك في الحواس على إطلاقها فرمونا في الدم.
# #
#
السؤال الذي يطرح نفسه من بعد قراءتنا لأفلاطون هو هل نصرّ على أن يحمل الفنّ قيمًا وهو ما سمّاه فيلسوفنا الحقيقة؟ بكلام آخر هل الفنّان مبشّرًا ولكن بطريقة أخرى؟ لقد ردّت الأوساط الدينية او الدعاة الى القيم على قول بعض الفنانين: «هناك الفنّ للفن» بحيث لا يلتزم قيمًا.
التبشير له أداته وقواعده وأمكنته بما هي كتب وإذاعات وله أمكنته ولكنه قد لا يستطيع ان يظهر كلامه بصورة جميلة. ولكن في أحيان كثيرة لا يستعمل المبشّر او الداعية تقنيّات الجمال أبالتعبير الكلامي كان هذا ام باللون والنغم لأنه لا يملك هذه التقنيّات وتأتي على عمق روحي كبير عارٍ من كل زخرف ويصل الى أعماق النفس. الكلمة الروحية ليست في حاجة الى غير حدتها او حرارتها. قد تقوم على مخاطبة القلب للقلب بكل بساطة. قد تكون على بساطة الأطفال. وعندي أن الموعظة الفاعلة هي التي تخاطب البالغين كما تخاطب الأولاد اذا كانوا على حدّ أدنى من فهم الكلمات.
الفنان الكبير لا يتعب ليفتّش عن الفن. ينبع منه تلقائىا على شيء من الصناعة. الذي لا يفيض من القلب لا يصل الى القلوب. مع ذلك لا يصل بلا أداة يكون قد تعلّمها. الانسان المبدع جمالا يكمن فيه هذا الجمال وينقله بوسائل تعلّمها قليلا او كثيرا. اي ان هناك صناعة يستعملها الفيض الداخلي. بلا هذا الفيض ليس من جمال يطلع ولا من مجال يصل. لا مضمون بلا تعبير ولا تعبير بلا مضمون والا نكون قد وقعنا في الهزالة الكاملة.
# #
#
اين الشكل في كل هذا، شكل الوجه؟ بأي معنى هو متصل بالحقيقة. اذا نظرت الى وجه يصعقك في بهائه الى أية حقيقة تسعى؟ يقول الكثيرون ان الوجه مرآة النفس. وما من شك ان نفسك تجمّلك او تترك مسحة من البهاء الروحي عليك ويقرأ الناس على عينيك وداعة او يقرأون لؤمًا وخبثًا. ولكن الخطوط والألوان هي قائمة شئت او أبيت. أليس هذا جمالا نحته الله على محيّاك قبل أن يستمدّه هذا المحيا من الداخل؟ هذا يطرح مسألة موضوعية الجمال. غابة الصنوبر التي عند بيتي لا يناقش اثنان في جمالها. قد يلتهب أحدنا برؤيتها وآخر لا يلتهب ولكنهما مُجمِعان على ان الجمال فيها وليس فقط في عينيك. قد تستسيغ امرأة وآخر لا يستسيغها لأن الأذواق تختلف ولأن ثمّة عناصر سيكولوجية عند من تنظر اليها. وهناك الحديث والقعود والوقوف والتهذيب. انتما تختلفان بتقدير نسبة الجمال الوصفي ولكنه اذا وجد لا تسميه قبحا. ولا تستطيع.
وقد لا تكون انسانا سليما في رؤية البشر، قد تكون منحرفًا في المقاربة. هذا لا يُقاس عليه ولكن كان واضحًا عند آباء الكنيسة الشرقية ان الجمال عند النساء أقوى مما هو عند الرجال. هل غالى آباؤنا في الدعوة الى الحذر من الجنس الآخر؟ ليس هذا بحثنا ولكن ما أريده من طرح السؤال ان ثمّة جمالا موضوعيا يراه الذائقون مع اختلاف قليل او تقدير مختلف لأقول ان الله واضع الجمال في الانسان والطبيعة مما دعا بعض القديسين ان يقولوا ان رأيت الجمال فسيح الله. كانوا يعتقدون ان الطبيعة لا تُنشئ شيئا لا يطلب في تكوينه الإله او هي موجهة الى الله في هندسة الكون. يعود الى قدرة التقشف عندك ان تهرب من اللهو.
الى الجمال الشكلي جمال غير شكلي هو نور القديسين المرتسم على وجوههم. كنت أعرف أسقفًا روسيا عيناه غائرتان تحت عظم الحاجبين ويوصف حسب القواعد بأنه هو وجه قبيح ولكنه لما كان يقيم القداس الإلهي عندنا في معهد اللاهوت ويرفع رأسه الى الله حاملا الشموع كنت أراه يتجلّى. هذا اذًآ جمال آخر. هكذا قال أشعياء عن المسيح المصلوب: «لا صورة له ولا بهاء فتنظر اليه ولا منظر فتشتهيه» (51: 2). وفسّر هذا الكلام القديس غريغوريوس اللاهوتي بقوله: «الوجه الوحيد الكامل المحقق في جماله معطى لنا بملئه في المسيح المشوّه على الجلجلة والمتجلّي على الجبل فجرًا للنور الفصحي».
في الدنيا جمال الشكل الذي يدعو الى الله عند الروحانيين وقباحة الشكل التي يملأها الله من جماله. ليس المهم، اذ ذاك، الجمال او القبح. المهم ان تستطيع قراءة الله في خليقته.
