Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2008, جريدة النهار, مقالات

الجمال / السبت 28 حزيران 2008

أنطلق من أفلاطون القائل: «الجمال هو سطوع الحقيقة». ذلك ان الإغريق سعوا أصلا الى الحقيقة. وما فرّقوا بينها وبين الخير ولست أذكر أنهم بنوا رأيهم في الجمال على أعمال النحت العظيمة او الهندسة المعمارية وما فاقهم بها أحد في العهود القديمة. كذلك لا نعثر على فلسفة الجماليات في الأيقونة عند البيزنطيين الذين كانوا يقولون انهم يكتبون الأيقونة وكانوا ينظرون الى استعمالها الطقوسي مع انهم كانوا يتقيّدون بالرسم وقواعد التلوين ولكنهم كانوا يسعون الى التأثير الروحي في المؤمنين. تحاور الفن والجقيقة عندهم ولم يختلطا وغدا همهم تمجيد الله بما أُحس انهم اعتبروه صناعة اي انهم رأوا الى أنفسهم على أنهم طقوسيون اولا كالمرنمين في العبادة.

كذلك الخط عند المسلمين كانت غايته تمجيد الخالق وملء الفراغات المسطحة بالآيات القرآنية او بالشعر. ما كانوا يسعون الى الجمال المحض ولكن الى وظيفته في المساجد والأضرحة. بكلام آخر البيزنطيون والمسلمون كانوا يسخرون الفنّ للدين لعلهم في هذا كانوا يطبّقون قول أفلاطون «ان الجمال سطوع الحقيقة».

وفي هذا لم يكونوا وحدهم. فالتمثال الغربي في القرون الوسطى هو ايضا كان خاضعا للرؤية الدينيّة ومعظم الرسم كان كذلك لأن الإنسانوية عندهم كانت مشتقة من الألوهية حتى عصر النهضة حيث استقلت البشرة عن الله لذلك اتخذت الطبيعة البشرية والجامدة واقعية أبعادها واكتشفت المنظور perspective  الذي تفرضه حركة الطبيعة. انت تمد اللوحة بالمنظور وتتابع عينك أبعد أفق. من هنا ان الجماليات في النهضة تبنّت فلسفة الوجود كما هو لا الوجود المرجو كما هي الحالة الدينيّة. في هذا السياق داخل الحقبات التاريخية من النهضة الى اليوم ان العري حقيقة.

اجل صعدت أصوات في الغرب احيانا لما رأى بعض الناس مبالغة في تصوير المعرى تصل أحيانا الى الإباحية. هذا لما كان الجسم البشري يظهر كما هو ولكن مع الفن التجريدي صار تحرر كبير من الوجه البشري وأجزاء أخرى من البدن بحيث لا تدرك أحيانا ان كنت أمام قامة بشرية او خطوط لا ضرورة في التقائها الى معقولية انسانية. المهم هو ما يجول في نفس الفنان ويحاول احيانا محاولة يائسة ليقدمها اليك فتسرك الخطوط والألوان وانسجامها. انه هذا الفن لا يمر بالفهم. من حدس الفنان ويحاول سكبه على احساساتك ولا يهمّه عقلك. أرادوا تأكيد بشريّتنا بدون إله وفي الحقيقة دون البشرية لإقامتك في الحواس على إطلاقها فرمونا في الدم.
# #
#
السؤال الذي يطرح نفسه من بعد قراءتنا لأفلاطون هو هل نصرّ على أن يحمل الفنّ قيمًا وهو ما سمّاه فيلسوفنا الحقيقة؟ بكلام آخر هل الفنّان مبشّرًا ولكن بطريقة أخرى؟ لقد ردّت الأوساط الدينية او الدعاة الى القيم على قول بعض الفنانين: «هناك الفنّ للفن» بحيث لا يلتزم قيمًا.

التبشير له أداته وقواعده وأمكنته بما هي كتب وإذاعات وله أمكنته ولكنه قد لا يستطيع ان يظهر كلامه بصورة جميلة. ولكن في أحيان كثيرة لا يستعمل المبشّر او الداعية تقنيّات الجمال أبالتعبير الكلامي كان هذا ام باللون والنغم لأنه لا يملك هذه التقنيّات وتأتي على عمق روحي كبير عارٍ من كل زخرف ويصل الى أعماق النفس. الكلمة الروحية ليست في حاجة الى غير حدتها او حرارتها. قد تقوم على مخاطبة القلب للقلب بكل بساطة. قد تكون على بساطة الأطفال. وعندي أن الموعظة الفاعلة هي التي تخاطب البالغين كما تخاطب الأولاد اذا كانوا على حدّ أدنى من فهم الكلمات.

الفنان الكبير لا يتعب ليفتّش عن الفن. ينبع منه تلقائىا على شيء من الصناعة. الذي لا يفيض من القلب لا يصل الى القلوب. مع ذلك لا يصل بلا أداة يكون قد تعلّمها. الانسان المبدع جمالا يكمن فيه هذا الجمال وينقله بوسائل تعلّمها قليلا او كثيرا. اي ان هناك صناعة يستعملها الفيض الداخلي. بلا هذا الفيض ليس من جمال يطلع ولا من مجال يصل. لا مضمون بلا تعبير ولا تعبير بلا مضمون والا نكون قد وقعنا في الهزالة الكاملة.
# #
#
اين الشكل في كل هذا، شكل الوجه؟ بأي معنى هو متصل بالحقيقة. اذا نظرت الى وجه يصعقك في بهائه الى أية حقيقة تسعى؟ يقول الكثيرون ان الوجه مرآة النفس. وما من شك ان نفسك تجمّلك او تترك مسحة من البهاء الروحي عليك ويقرأ الناس على عينيك وداعة او يقرأون لؤمًا وخبثًا. ولكن الخطوط والألوان هي قائمة شئت او أبيت. أليس هذا جمالا نحته الله على محيّاك قبل أن يستمدّه هذا المحيا من الداخل؟ هذا يطرح مسألة موضوعية الجمال. غابة الصنوبر التي عند بيتي لا يناقش اثنان في جمالها. قد يلتهب أحدنا برؤيتها وآخر لا يلتهب ولكنهما مُجمِعان على ان الجمال فيها وليس فقط في عينيك. قد تستسيغ امرأة وآخر لا يستسيغها لأن الأذواق تختلف ولأن ثمّة عناصر سيكولوجية عند من تنظر اليها. وهناك الحديث والقعود والوقوف والتهذيب. انتما تختلفان بتقدير نسبة الجمال الوصفي ولكنه اذا وجد لا تسميه قبحا. ولا تستطيع.

وقد لا تكون انسانا سليما في رؤية البشر، قد تكون منحرفًا في المقاربة. هذا لا يُقاس عليه ولكن كان واضحًا عند آباء الكنيسة الشرقية ان الجمال عند النساء أقوى مما هو عند الرجال. هل غالى آباؤنا في الدعوة الى الحذر من الجنس الآخر؟ ليس هذا بحثنا ولكن ما أريده من طرح السؤال ان ثمّة جمالا موضوعيا يراه الذائقون مع اختلاف قليل او تقدير مختلف لأقول ان الله واضع الجمال في الانسان والطبيعة مما دعا بعض القديسين ان يقولوا ان رأيت الجمال فسيح الله. كانوا يعتقدون ان الطبيعة لا تُنشئ شيئا لا يطلب في تكوينه الإله او هي موجهة الى الله في هندسة الكون. يعود الى قدرة التقشف عندك ان تهرب من اللهو.

الى الجمال الشكلي جمال غير شكلي هو نور القديسين المرتسم على وجوههم. كنت أعرف أسقفًا روسيا عيناه غائرتان تحت عظم الحاجبين ويوصف حسب القواعد بأنه هو وجه قبيح ولكنه لما كان يقيم القداس الإلهي عندنا في معهد اللاهوت ويرفع رأسه الى الله حاملا الشموع كنت أراه يتجلّى. هذا اذًآ جمال آخر. هكذا قال أشعياء عن المسيح المصلوب: «لا صورة له ولا بهاء فتنظر اليه ولا منظر فتشتهيه» (51: 2). وفسّر هذا الكلام القديس غريغوريوس اللاهوتي بقوله: «الوجه الوحيد الكامل المحقق في جماله معطى لنا بملئه في المسيح المشوّه على الجلجلة والمتجلّي على الجبل فجرًا للنور الفصحي».

في الدنيا جمال الشكل الذي يدعو الى الله عند الروحانيين وقباحة الشكل التي يملأها الله من جماله. ليس المهم، اذ ذاك، الجمال او القبح. المهم ان تستطيع قراءة الله في خليقته.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فرج أو انفراج / السبت 21 حزيران 2008

ليس من شيء يُسمّى في الحقيقة انفراجًا لأن الكلمة تعني تغيرا سيكولوجيا حدث من ذاته او بسبب من ظرف خارجي قلب الوضع النفسي. ليس هناك آلة سيكولوجية او ضربة تحدث تغييرا في النفس لا يقع تحت تفسير العقل وكأن القوى النفسية تسيل فينا من ذاتها فتنصب فيما بينها لإحداث انقلاب داخلي.

الانسان لا يتفرّج على داخل ذاته متوقّعا انفراجًا بعد محنة او حزن او ضيق أعمق يصل الى حد التفجّع. ميل الناس ان ينهوا أحزانهم باللهو بما فيه الرياضة البدنية او قراءة الصحف والكتب او الاستماع الى الموسيقى ولا سيّما الى غناء الطرب في بلادنا. هذا ارجاء لحل العقدة او تعتيم عليها لأننا لا نريد ان نفحص قلوبنا. الفحص متعب ويتطلّب جدية كبيرة وتخليا عن موقف او تبديلا لقناعة. لذلك نقف امام العقدة ونحجبها على عين النفس الفاحصة، خوفا من الحقيقة.

الحقيقة تعرّينا وهذا ما سيفعله الرب في اليوم الأخير. تلك هي الدينونة. ليس اننا لا نعرف خطايانا. ولكنا اذا وقفنا في حضرة الله يخيفنا الاعتراف وهو يصرّ على ان يجعلنا امام الحقيقة التي قضينا كل حياتنا نتجاهلها. الانسان يحب ذاته بصورة مرضيّة ويكره نقدها امام مرآة الحقيقة. يلهو الإنسان لينسى ولا يريد ان يقتنع بأنه لا يستطيع ان ينسى. فالحزن يحزّ في نفسه وهو لا يكرهه بالضرورة. لذلك يهرب منه باللهو الذي هو تغطية أنانية لما يوجعنا. يقنع نفسه بأنّه اذا حاد عن وجعه باللهو ينفرج ولا شيء فيه ينفرج لأن ذاته هي ذاته واللهو يأتي هو به من خارج النطاق المضيء في نفسه.

الحزن نتيجة الصدمة. موت عزيز صادم لأنك تكره الفراق اذ الطبيعة لا مكان فيها للفراغ. الطبيعة تلاحم، وحدة، قران داخلي مع من تحب. «ويكون الاثنان جسدًا واحدًا» اي كيانا واحد بالتعبير العصري. هذا قيل عن اتحاد الرجل والمرأة ولكن يصح في العلاقة بين صديق وصديق. وتحل فيك محنة كبيرة اذا افترق عنك الصديق او الحبيب ولا سيّما لسبب لا تعرفه ويرميك في العزلة والعزلة ليست من طبيعة البشر. ويشتدّ الحزن اذا كان الشوق شديدا. أصعب الأشياء أن يكون الآخر رماك بعزل لا تفهم سببه. واذا فهمت تغدو أقرب الى الغفران والى لحمة تجعلها في نفسه وإن رفض الآخر اللحمة تعيش وحدك صداقة مكسورة. وكل إنسان مكسور.

# #

#

والأصعب من كل ذلك تنقّل الآخر بين المودّة والانفصال ولا تفهم لماذا هذا فيه وانت لم تعطِ الا الحب وفي هذا تأويل كبير. العزلة الكبرى ان تبقى في اللافهم لرغبة الآخر في تحطيمك. وعليك، اذ ذاك، ان تقبل وتضرع الى الله حتى يرشد ذاك الذي أحزنك. وترجو سلامًا فيه ليعود الى نفسه وانت لا تطلب عشقًا ولكنك تطلب للآخر راحة تعود عليك براحة. وقد تموت او يموت الآخر وهو منفصل وليس لك الا الرأفة به بعد ان غادر هذا الوجود. وربما لقيته الرحمة فوق. وقد يفهم في الفردوس ما لم يستطع فهمه على هذه الأرض.

الحياة كلّها انقطاعات ودم غير منظور ويؤذيك ان الآخر لا يفهمك وقد تكون محبة كاملة ولكنه على كل المصادر الروحية التي قرأها الآخر لا تنزل الى أعماقه ولا تنزل الى حقيقة سلوكه لأنه لم يفهم او تحجّر حتى لا يفهم لكونه آثر موقفه المؤذي على إمكان انفتاحه ولا يضمّك اليه بلا شرط.

# #

#

هناك قوم يعيشون بلا حب يتدفقون به وإن كانوا يطلبون ان يكونوا هم موضوع الحب. الحب يؤخذ او يعطى بقرار وهكذا الكراهية. هناك نفوس تعيش على الكراهية لأنها ضعيفة، هشّة ويوسوس لها الشيطان بأن تتلحّف بكرهها ظنّا منها أنها به تتحصّن. من ابتغى هذا التحصّن المصطنع ليس عنده قدرة على الانفتاح اي على قبول الآخر على انه الحصن الحقيقي.

الراسي عليهم البغض يطلبون الانفراج اي انهم يتكلّمون على صدفة ترفع عنهم وطأة البغضاء. ولكن ليس في مسرى حياتنا صدفة. كل أشياء النفس لها قواعدها واللهو لا يريح. انه يرجئ حل العقد وهي لا تنحلّ من عامل خارجيّ. النفس هي المكان الوحيد الذي تحلّ فيه العُقَد. والعقدة لا تزول من ذاتها.

وهنا وددت أن أقول أن التحليل النفسي يكشف لك أسباب الانغلاق ولكنه ما ادّعى يوما انه يجعلك انسانا صالحا. هو يبيّن لك وضعك وعليك انت ان عرفته ان تتخلّى عن المحزنات التي تسبّبها لنفسك وللآخر وهذا قرار نسمّيه التوبة اي الرجوع الى وجه الله الذي فيك لأن الطب النفساني يحلل فقط ولكنه لا يعطيك الدواء. يبيّن لك فقط ان الدواء ممكن ويتركك لنفسك لتقبل شفاء ليس هو كامنا فيها ولكنه يأتي من آخر. لذلك قلت ان ليس من انفراج في ذات النفس ولكن هناك فرج ينزل عليك من فوق. فرج اذًا لا انفراج. الانفراج ثمرة لتدخّل الله فيك.

اللهو اذًا ليس بشيء. الفرج النازل عليك من نعمة الرب يجعلك وحده قابلا للخروج من حزنك لاقتبال الفرح الذي الله مصدره. الحزن يزول اذا قبلت ان تعطى فرحًا إلهيا يترجم نفسه فيك راحة وسلامًا. لك ان تلهو قليلا عن الضغوط النفسية ولكن الضغوط قد تتراكم. ذلك ان الرب وحده اذا تحنن عليك يعطيك شيئا من ذاته اذا كانت نفسك منحنية تحت الأحزان او اذا كرهت. ولا حرية من الكراهية الا اذا حلّت محلّها المحبّة التي ليس الإنسان أصلها. يجب ان ترى الله فهو يراك دائما وينعطف ولك ان تتقبّل هذا العطف لعلمك بضعفك من جهة ومن قوّة الله من جهة. لا، ليس من انفراج. هناك الفرج الذي يحدثه الخالق فيك وهو الذي يجعلك وحده خليقة جديدة في بساطة إحساسك بما يتدفّق عليم من السماء.

النفس اذا بقيت على حدودها وبشريّتها ليس فيها شيء. الله العليم بالوطأة التي عليك يرحمك ويجعل فيك منزلا له اذ هو يكشف لك انك حبيبه وحسبك. وقد تبقى مع الله وحده وحسبك هذا. وهو الذي يدفعك الى اقتبال من أغضبك اذ يعيّنك طبيبًا له. وهذا لا تؤتاه بالعتاب ولكنك تؤتاه بالمحبة المجّانية اي تلك التي لا تطلب شيئا لنفسها وتطلب كل شيء للآخرين ليكونوا في سلام.

مع ذلك قد تبقى وحيدًا وانت مع كل الناس لأنهم فيك بالمحبّة التي تحبهم بها والمحبة التي تغدقها على الآخر هي مبدئىا نار تضعها على رؤوسهم فيهتدوا ولكنهم قد لا يهتدون لأنهم أصرّوا على الانفصال وعليك ان تقبل هذا ولا يزيد حزنك وتسلّم الناس الى ربّهم وتسترحمه لأجلهم مهما فعلوا بك. لا تفحص ما يجري في قلوبهم لأن ثمّة ما يسمّيه بولس سرّ الإثم والإثم قد يقلق الخطأة الى الأبد ويظنّون أنهم يحيون به وهم قد ماتوا وقد لا تعطى انت ان تقيم نفوسهم من الموت. تسلّمهم الى الله والى حنانه الذي يدبرهم من فوق. وانت تقيمهم في دعاء لهم موصول حتى يروا ما أنت راءٍ فيقيمنا ربّك جميعًا من وطأة الموت.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المطران بولس (بندلي) / السبت ١٤ حزيران ٢٠٠٨

انتقل الى حنان الله الأسبوع الماضي مطران عكار الأرثوذكسي بولس بن اسكندر بندلي وأحسسنا ان النور الإلهي كان مرتسمًا على وجهه. أعرف الرجل منذ يفاعه متربّيا على أم بارة وفهيمة ومجاهدة، أخا لثلاثة أطباء ولدكتور في الفلسفة وهو مجاز في الفيزياء وكان مدير المدرسة الأرثوذكسية في ميناء طرابلس وملتزما بشأن الرب ومخافته في حركة تجدد روحي هي حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا كان إطاره في علمانيته ثم جُعل كاهنًا في بشمزين الكورة اثنتين وعشرين سنة ومبشّرًا جوالا في قرى الشمال الى انتخابه مطرانا على أبرشية عكار الأعظم امتدادا في الكرسي الإنطاكي الأرثوذكسي. أن تكون مطرانا ليس ان تكون بالدرجة الأولى إداريا ولكن أن تكون أبا روحيا لكثيرين. وهذا ما كانه على خير وجه. وعلى عمق روحانيّته بنى في الحجر ما استطاعه.

                     غير أن اللافت فيه هو أخلاقه التي عزّ مثيلها. فقد كان هادئًا، كامل الهدوء لم يُسمع له صراخ في مجالسته الكهنة وغيرهم من الناس. وكلمة الله تخرج من فمه حلوة، دسمة في مواعظه وكتاباته وتعليمه اللاهوتي في البلمند. وهذا الهدوء لم يحل دون صلابته وتمسّكه بما كان يعتقده رأيا سليمًا. سره في هذا انه كان يشتهي الا يجرح احدًا ولا يصدم أحدًا مجانا. كانت سلطته في هيبته، في السلطان الإلهي الذي لم يحد عنه يوما والناس يتوقعون من الأسقف كلمة الله لا كلمات شهواته.

                     حاد عن السياسة كليا ولو اضطر أبويا أن يحضر هذا المهرجان او ذاك. وأنا ما كنت أعرف ان له فكرًا سياسيا واضحًا ولم أكلّمه في هذا الأمر لأني كنت أسعى الى تلك الكلمات التي كانت تصدر عنه لتربينا جميعا. لم يكن توجيه أبناء أبرشيّته سهلا بين يديه لأن التوجيه يتطلّب حوارًا حقيقيا بين المعلّم والمتعلّم اذ تكون بينهما لغة واحدة. هو كان الإنجيل مرجعيّته اي تعود اليه اذا تكلّمت وتفترض أن مكلّمك يعود اليه والذين يستلهمون حكمة الله ليسوا دائما مسلّمين بحكمة هذا العالم. وهاتان حكمتان تتصادمان في معظم الأحوال. ابن هذا الدهر يعتزل ابن الدهر الآتي لأن ابن هذا الدهر لا يريد ان تداخله حكمة الله اذ هو مرتاح الى المنافع التي يجنيها في هذه الدنيا التي هي مجال سلطانه. كل التاريخ مجال صدام بين الخير الذي تحمله قلّة وبين الشر الذي يحمله الأكثرون وليس من لقاء الا بهذا الشيء النادر الذي يسميه الكتاب التوبة.

#                      #

#

                     بهذا كان المطران بولس انجيليًا خالصًا يغتذي من الكتاب ببساطة ليحيا. ثم يوزّع كلمات هذا الإنجيل على العارفين والبسطاء فيصل الى القلوب المتعطّشة الى الله. غير ان الكثيرين الذين لم يقرأوا شيئا قالوا لنا انهم يعيشون من سلوكه اذ كان يجود على الجميع باحترام كامل إكبارًا في القوم كانوا ام موظفين عنده. لهم جميعًا توقير واحد ووداعة واحدة يسكب المسيح فيها على القوم جميعا.

                     والوداعة من أصعب الفضائل. تلتبس عند بعض مع الضعف حتى يروا فضيلة التواضع التي على خفرها تنكشف للجميع. والوداعة والتواضع اجتمعا في هذا الإنسان النادر. ولو طلب التواضع الإمّحاء الا انه يرفع الإنسان أمام وجه الله ووجوه الصالحين في هذا الوجود. والسر في المتواضع انه لا يعرف نفسه هكذا لأنه لا يزن نفسه بميزان ويدع الدينونة لله ويضع نفسه حتى في هذا العالم تحت الدينونة ولا يستطيع ان يرى نفسه شيئا اذ لا ينظر الى نفسه ولا يتمتّع الا بالنعمة اذا نزلت عليه ووعاها. وعندنا نحن الأرثوذكسيين انه يجب عليك ان تعي النعمة وان تشكر. المؤمن عيناه الى المقامات الإلهية التي منها يأتي عونه فهو أبدًا مخطوف وينزل الى الدنيا اذا أرسلته اليها النعمة. الأبرار عالم بحد نفسه له فهم خاص وقانون خاص ومن كان عن كل هذا غافلا لا يرى أعماق الأشياء لا في دينه ولا في دنياه.

#                    #

#

                     كان المطران بولس فقيرًا حتى العدم لأنه قرأ عند آبائنا ان مال الكنيسة ليس له ولكنه المؤتمن عليه فقط وانه حكما للمحتاجين ولم يكن له دخل شخصي ولا يتقاضى راتبًا ولا يأخذ هدية شخصية من المال وكل ما كان يُتبرع له كان يضعه في مؤسساته التربوية او الاستشفائية.

                     لا يكل ولا يتعب. يلبي كل حاجات المؤمنين على صعيد الأسرار المقدسة وهذا يتطلّب منه أحيانا كثيرة ان يعبر الحدود السورية اللبنانية غير مرة في اليوم ليقوم بالخدمات الروحية المطلوبة منه حتى لا يصدّ أحدًا ولا يُحزِن أحدًا. وكان يرحل من مطرانيّته أحيانًا كثيرة في تعزية يمكن إرجاؤها وذلك بسبب من الأبوة التي كان يحسّ بها لتبيان الود الذي ينفع دائما. من هنا وفي الموازنة بين طاقاته أقول انه كان بالدرجة الأولى رجل قلب والقلوب تأخذ بعضها من بعض والمشكلة أن عامة الناس يريدون ان يكون رئيس الكهنة قويا في الدولة، لصيقًا بالنافذين اي ان يكون في خدمة دنيوياته وغالبا ما لا ينتظرون منه الانسحاق لأن الانسحاق يناقضه الجبروت. ومن المعروف ان الجماعة الروحية القليلة العدد في البلد يعتم عليها وعلى أبنائها لأن الدولة دولة العدد. والأعزل او الفقير لا يفرض نفسه على ذوي المقامات ولو فرض نفسه على النفوس العطشى الى البرّ.

                     الكبار الكبار لا يخلفهم أحد لأنهم يقيمون في النفوس أجيالا تتوالى. لذلك لا ندفن الأسقف اليوم جالسا على كرسي كما في السابق. نمحوه في تابوت عادي. وعند اقترابنا من القبر ننزع عن رأسه التاج لأن الله بات وحده تاجه. ونضع على وجهه ستر القرابين بسبب تلك المحبة التي تجعلنا نشعر انه أمسى قربانا لله.

                     دُفن المطران بولس في كنيسة صغيرة إزاء دار المطرانية بعد أن قبّل الكثيرون يده وتبرّكوا هكذا بجثمانه الطاهر وهنا لا بد من أن أودع قارئي برواية حادثة سيارة كنا فيها معا. كنت تركت سيارتي في باحة المطرانية لنذهب معا الى صافيتا ونقيم قداسا وجنازا لأحد الأصدقاء. وعند عودتنا الى دارته أردت ان أعود بسيارتي الى بيتي في برمانا وأن اودّعه عند منزله. فأصرّ من اجل تهذيب فائق أن يرافقني الى طرابلس في سيّارته وعند اقترابنا من المنية في قضاء طرابلس عارضتنا شاحنة مخالفة الاتجاه وقد تضرّر هو من هذا الاصطدام كثيرا وأُجريت له غير عملية جراحية. لماذا كل هذا الود الذي كنت أعتقد انه لا فائدة من إظهاره؟ لماذا كل هذا اللطف او هذا الذوبان في اللطف الذي كنت أعرفه فيه. الروحانيون الكبار عندهم منطق خاص بهم.

                     وبعد أن ودّعناه قال الكثيرون هنا وفي الخارج ان لنا اليوم قديسا يشفع في هذه الكنيسة التي تبقى حاجتها الكبرى القداسة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الشيخوخة / السبت 7 حزيران 2008

ليست الشيخوخة نهاية الا في الظاهر. قد تكون بدءًا جديدًا او بدءًا مجدّدًا هذا اذا اقتنعنا ان الجسم بعض من الإنسان وما هو كل الإنسان. الى ذلك فهناك نشاط ممكن تمهد له الرياضة البدنيّة والرياضة العقليّة قد تكون قويّة. للإنسان أن يفكّر أن رؤية الحقيقة ورؤية النور ممكنة في كل سن. لا ينبغي ان تصبح الشيخوخة انتظارًا للموت. فاستعدادنا له أمر إلهي في كل مرحلة من مراحل العمر.

كل عمر له بهاؤه فاذا كان الشباب زمن التوثب والرجاء الكبير فالرجاء ليس محصورًا في الفتوّة. واذا كانت الكهولة مرحلة النضج فالشيخوخة زمن الغفران وسعة الصدر وتخفف من كثير من الشهوات واعتبار الفانيات لأن الباقيات الصالحات تطل علينا بالمرحلة الأخيرة وهي تقبّل للنعمة وقدرة على المحبة والمحبة اسم الله بالذات كما يقول يوحنا الإنجيلي وتاليا هي ملامسة للسماء ودعاء لنيل بركاتها.

في البدء الشيخوخة تجمع خبرات وإفادة روحية منها اي تصفية لكل ما يعيق النعمة ان تسكن فينا. اجل هناك خطر الأحزان وخطر التحمّل للأعباء وان ينوء الإنسان تحت ثقلها ولكن للجسد ان ينهض اذ يستنهضه الله متى شاء ويجدده احيانا بالآمال كما يجدّد بها الشبيبة.

المراحل ليست منفصلة فالشيخ كثيرا ما يحمل التوثّب وانتظار سنوات غير معدودة فيها الحسنات التي كانت في الفتوة والكهولة بمعنى ان ليس مرحلة من العمر تنتهي فضائلها معها ولذلك كان الإنسان مدى في الزمان ويحيا على رجاء ولا ينقطع بالضرورة بالمرض والمرض له ان يكون مدة تطهير وسكينة وانطلاقة مجددة الى الله. والله يمدّنا بالعمر اذا حلا له ذلك ويستردّنا اليه لعلمه ان مساكن السماء مليئة بالفرح لأن «من مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7).

يكسرنا الله أحيانا على مستوي البدن حتى يربينا بهذا الانكسار ويجعلنا بلوريين بسبب من الشفافية التي ينعم بها علينا واذا بالناس لا يرون هبوط البدن ولكنهم يرون البلور. والبلور في السماء يسمّى نورًا وهو يلامس النور الإلهي ويكاد يختلط به فيتكوّن النور الإلهي من مصدره اي الله وممن يشع عليهم فتكاد لا تميّز الرب عن الذين أحبوه.

#              #

#

الى هذا يحب الشيوخ ان نحبهم لكي تزداد حيويّتهم ويسعى الشباب الى حكمة الشيوخ وينكمشون بها فتخلط الأعمار بالمحبة المبدعة حتى نصبح إنسانية واحدة تقوم على وثبات تختلف أنواعها ولكن لا يختلف جنسها وهو المحبة.

اما اذا جاء الأجل وكان المسن صافيا فيستعد للقاء ربّه بالإيمان ان الأحسن ينتظره وانه ينتقل الى المجد. ليس هذا نهاية. هذه رياضة اخرى فيها النصر الأخير والمسن لا يحسّ بالانقطاع عن المكافأة التي تنتظره فهو عارف أن قلبه سيفعمه الحب الإلهي وان هذه العظام لا بد لها ان تقوم في اليوم الأخير. المؤمن انسان السفر ليس الى بعيد لأن السماء ليست بعيدة. انها قد حلّت في قلبه وأقامته في العزاء وهو في العمق ينتقل من نفسه الى نفسه التي سيحل فيها وجود أعظم يجدّدها.

لا شيء ينقطع فاذا كنت مسكن الله هنا سيكون هو مسكنك هناك اي اذا كنت واحدًا مع ربّك في دنياك ستظل واحدًا معه عنده وواحدا مع جماعة المخلَّصين. وتقيم هناك في الخيرات التي لا تُحصى ولا تُوصف. وهناك تكتمل اذا اقتربت هنا من الكمال اي اذا تقت اليه فامتلأت منه وعلّمت الناس ان يشتاقوا اليه.

الحياة هي الشوق الى الله وغالبا ما يقوى الشوق اذا اقتربنا من نهاية دنيانا. والشوق عيش ورغد. واذا حلّ فينا حقًا سيستجيب لنا الله ويعطف وينقلنا اليه بالرحمة قبل الموت ونعرف ان أحبتنا سيسترحمون فإن الذين هم فوق واحد مع الذين استبقوا في دنياهم لأن الوحدة ليست في المدى ولكنها  في القلوب المتعاطفة بسكنى الله فيها.

الشيخوخة نعمة على الكبار في الروح وربما كانت ايضًا نعمة على الذين يحافظون على عقولهم صافية، عادلة بعيدة عن الأحقاد بعد ان زال شبق الحقد ودخلنا الصفاء عظيمًا كبيرًا. لعل مشيئة الله الذي يحفظ المسنين ان يبعدهم عن النزوات التي كانوا يجرونها معهم فيكبرون لا في السن ولكن في الراحة الحقيقيّة والسلام وليس بعد السلام شيء. وتأتي نهاية هي بداءة للسكون الكامل الذي ينتظرنا في الفردوس. واذا حللنا فيه نصبح في ما يقرأه الله فينا على فتوة القلب التي فيها يمسح الله عن عيوننا كل دمعة.

#              #

#

علاقاتنا بالشيوخ من حيث إقامتهم، حسب كبار الخبراء في العالم، ان يبقوا في بيوتهم لا ان يُذهب بهم الى مأوى عجزة لأنهم فيه منعزلون وهم يريدون ان يقضوا بقيّة ايام حياتهم في تلقّي العاطفة من ذويهم. اعرف ان هذا قد يتطلّب عناية فائقة وسهرا على صحّتهم وقد لا يبقى أحد في البيت اذا ذهب الرجل والمرأة الى عملها. وقد يكون المأوى ـ أيا كان اسمه ـ الحل الأبسط للعناية. ولكن ما من شك ان العيش في المأوى يولّد الحزن والشعور بالعزلة. في الحقيقة اذا كانت العائلة ميسورة الأفضل ان يبقى احد الزوجين في البيت ليحيا المسن في سلام وفرح لا يجدهما في المأوى. اما اذا كان لا بد من المأوى زيارة أهل المسن له ينبغي ان تكون منتظمة لا يهمل وحده بلا الشعور العائلي الذي نحتاج اليه. هذا مستحيل  اذا كان المأوى بعيد عن البيت او في مدينة اخرى. المهم ان يجهد الأهل لكي يخففوا عن لمس الشعور بالعزلة.

المهم الا يحس الشيخ بالإهمال من قبل الإدارة.

الى هذا هناك في أوربا مؤسسات لمساعدة الشيوخ او المرضى الذين هم في حالة الخطر على اجتياز ما تبقّى لهم من عمر وذلك بتعزيتهم والحديث اليهم بلغة دينية او غير دينية. هذا ليس بمستشفى ولكنه بيت مريح أشبه بفندق حيث يرتاح المسن او المريض الى ذلك الإنسان المدرّب على تهيئة هذا المعوز لقبول انتهاء حياته بالسلام. لست أعرف ان كان عندنا مؤسسات كهذه في لبنان ولكنها أساسيّة حتى لا يقع المحتاج الى هذه العنايات بالحزن واليأس.

لا بد لإنسانيّتنا ان تضمّ المسنّ اليها بفرح. انه لم يغادر الحياة بعد وهو قابل لعيش كريم ليس فقط في مجال الصحة الجسديّة ولكن في مجال الصحة النفسيّة والعافية الروحيّة.

سوف يكثر الشيوخ في السنوات المقبلة والعبء اذ ذاك، عظيم. لذلك هذا همّ المجتمع كلّه. وقد نكون في حاجة الى استنباط وسائل حديثة لكي لا يفهم المسنّ انه مقلق للأصحاء او عالة على المجتمع.

المسنّون أحباء الله. وعلى هذه القاعدة نتعامل وإيّاهم.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فخامة الرئيس / السبت ٣١ أيار ٢٠٠٨

                      انتظرناك طويلا فجئت ففرحنا ورجونا أن يتّسع لنا جميعا قلبك الكبير. أدعو الله ان يضع لبنان بين يديك لأنك تحبّه حبًا كبيرًا وهذا الحب يوحي لك الحكمة والصبر وينشئ فيك الحذق السياسي. أخيرًا لنا بك رئيس يرمز الى وجودنا تحت الشمس الطالعة عند كل فجر من وراء جبالنا. ولك من الرؤية والقدرة على العطاء لتستلم لبنان عند صلاة الصباح من الرب وترفعه الى السلامة.

                      بلد تصيبه جراح زمنا بعد زمن واعتبر قرّاء التاريخ ان تركيبتنا المجتمعية مصدر الجراح او كنا لشهواتنا لا نستحقّ هذا البلد. وقد توالت في ذهني منذ اندلاع الحرب الأهلية تساؤلات تتعلق بوجود لبنان نفسه وقدرته على العيش المشترك الذي التمسناه في الدستور الأخير اي اننا تعاقدنا على ان نبقى معا ونرذل التفسّخ. غير ان هذ إيمان يحتاج الى تفعيل ولك يا سيّدي الرئيس دور في التفعيل الكبير بعد ان أجمع شعبنا على اقتبالك رئيسا وليس فقط نتيجة لآلية حكم أتت بك الى السدّة الأولى.

                      انت في وسط العاصفة. انا عرفت العاصفة في سفينة عبرت بنا المتوسّط منذ ستين سنة في طريقي من بيروت الى باريس وكانت تهتز جوانبها الأربع مدة أربع وعشرين ساعة وبعد هدوء العاصفة أخبرنا القبطان اننا اوشكنا حقًا على الغرق. كنت وحدي على السفينة غير خائف اذ كنت أصلي وأنشد على الألحان الثمانية التي عندنا. اجل الله مخلّص لبنان ولكن لعقولنا أن تستنير وقلوبنا أن تهدأ لتقبل العطف الإلهي.

                      يبدو ان لبنان لا تنقصه العقول ولكن فيه قلوبًا مريضة كثيرة تحتاج الى ان تُحِب وأن تُحَب. هي مثقلة بالذاكرة التاريخية وفي كل ذاكرة خطر لأنها تؤبّد التاريخ الدامي. تعرقلها بشريّتها المجروحة. وهذا يؤذي كثيرا لأنه إخلاص للدم المراق في الماضي والماضي طواه الله في رحمته ونحن توّاقون الى مستقبل سلام نرجو ان ينزل علينا من فوق ونبنيه ايضا بأيدينا.

                      وفي هذا المسار نحتاج الى من يذكّرنا بأننا واحد او يعيدنا الى وحدة تصدّعت وهذه مهمّة من مهامك سيّدي. قانون العلاقات الرسميّة بينك وبين الحكومة والمجلس لا يحلّ وحده المشاكل. الى هذا نحن في حاجة الى ان يكون الرئيس مرشدا روحيا للأمّة. لولا الخطيئة لما كانت الشريعة. انت اذًا لا تعيد المسؤولين الى القانون وحسب ولكنك تعيدهم الى البِرّ او ترجو لهم البِرّ ليطلع لبنان من قلوبهم المطهّرة.

#                           #

#

                      وطهرهم يذهب الى الفقراء وهم أحباء الله بامتياز فاذا كانت السياسة تصنع الاقتصاد فالاقتصاد بالمقابل يصنع السياسة. فاذا أكل شعبنا وشرب واقتبل الطبابة والدراسة يضمحلّ الخلاف حول أولية هذه الطائفة او تلك. فليحكم الفاهمون. واذا اردت الكمال في الحكم أقول فليحكم القديسون لأن عندهم قلوبًا تجعلهم لا يقبلون الجوع والجهالة.

                      أرادتك النصوص حَكَمًا لأن البلد في حاجة دائمة الى التوازن. ولكن هذا فيه هشاشة السياسة ولا بد من معطوبية السياسة. انت أعلى من أن تكون حَكَمًا. أنت أب لنا جميعًا وأولادك ليسوا على سوية أخلاقية واحدة. مع ذلك يعطف الأب على أولاده جميعا ولو تفاوتت أخلاقهم. ما أتحدّث عنه ليس نظام القبائل ولكنه نظام التقوى الساكنة فيك الى جانب الفلسفة السياسية التي تعلّمتها في الجامعة. المبتغى أن تتلاقى في نفسك حكمة بشريتك وحكمة الله المتعالية فيصير حكمك مميّزا. عند ذاك، تقضم الأنانيات الطائفيّة ومقولات العشائر وتبني من الأساس لبنانا جديدا.

                      والانسان قادر على ان يتربّى. اذا اعترف بأنه في حاجة الى ذلك. ولن يقتصر جهدك على ترتيب المعادلات في الحكم وعلى تنقية الإدارة. فهناك من أحبّ الفساد او عشقه وهؤلاء يجب تأديبهم بالطرق المتاحة والممكنة ولكن لا يسعك ان تغض النظر عن سقطات الموظفين في الدولة وهذا من شأنه أن يربي الكثير من المواطنين لأن دول العالم التي تنمو  مؤهلة ان تهذّب المجتمع. مجتمعنا نحن يبدأ إصلاحه من رأس الهرم لأنه يخشى السلطة العادلة والقوية التي نرجو ان تتحقق على يديك اذا كشفت للبنانيين ان مصلحتهم هي في الاستقامة والعمل.

                      البلد الذي استلمناه وارتضته كل أطيافنا مرحلة بعد مرحلة جعلناه وعدا لأنفسنا ولكنا لم نحقق هذا الموعد كاملا. علينا الآن ان ننتقل من مرتبة الوعد وهي رجراجة الى مرحلة البناء تحقيقا للمشتهى. لذلك كانت مشكلتنا حضارية. نحن حسبنا أنفسنا قد بلغنا الحضارة العالمية وهذه أكذوبة كبرى اذ ليس من حضارة لا تقوم على الصدق فظننا ان المدنية تقوم على الشطارة. سيدي الرئيس، دأبك ان تقتلع الشطارة من العقول اللبنانية وان تدعونا الى الحق. يقال عن بلدنا انه جميل. جماله في بحره وسهوله والجبال معطى من الله. وهذا لا يكفي لأن الجمال كما يعرّفه أفلاطون سطوع الحقيقة. فقط اذا تعمّدنا بالحقيقة تزول عنّا قباحاتنا ويصبح الإنسان اللبناني بهيًا بما ورثه من الحق. أدعو الله الا تفتخر بما نحن عليه ولكن بما سنكون وبعض مما سنكون يأتي من حكمتك ونزاهتك وإخلاصك للصورة التي سيرسمها عقلك لوطن جديد.

#                        #

#

                      اعرف انك لست وحدك وان الدستور بعد الطائف قد قصّ أجنحتك. ولست هنا في معرض هذا النقاش. غير انني اعرف ان الإنسان القوي يفرض نفسه بالمحبة والحزم معا ولكن اللبنانيين وضعوا ثقتهم بك اي بما ينقذهم من ضيق النصوص وما ينجيهم بالاحتضان حتى ينادوا هم بما ينفعهم تعديله لتحقيق العيش المشترك بالصدق. فالتاريخ تبديل والحق المنجي الآن فالحرف يقتل والروح يحيي وما أكثر من علماء القانون في لبنان وهم الفهماء بالنصوص التي تحيي وتفرضها وحدتنا الوطنية. فالظرف ظرف إخلاص للوطن كله اليوم والقانون ليس تنزيلا إلهيّا ولكنه تدبير بشري في الزمان الذي ظهر فيه. وكلما تعمّقت الثقة بك نظرًا الى ما ستحقق تتحرك النصوص لخير البلد.

                      واذا ساغ لي ان أقول كلمة عن أولئك المحبطين من المسيحيين فرجائي ان يعرفوا انهم يجيئون من الإنجيل اي من محبة الآخر فاذا عاشوا بكلمة الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وانت منهم بالإنجيل ولكنك لا تحملهم وحدهم. انك تحمل اللبنانيين جميعا. واللبنانيون كلهم مقتنعون ان المسيحية سوف تستمر برائحتها الزكية في هذا البلد ولو انتقص من حق شعبها في هذا المجال او ذاك فلنفرح انها تقدّم نكهة المسيح. المهم ان يقتنع كل المسيحيين ان لبنان الكامل وطنهم مع كل الذين يعيشون على ترابه وان الكثر واحد بلحمة النور الإلهي على وجوههم.

                      يا فخامة الرئيس نحن وراءك ما دمت على الحق وسنرفع الصلاة من أجلك حتى لا تعثر قدماك. نعرف ببساطة ان لا عصمة في السياسة ولكن المهم ان تبقى على النقاوة التي يعاين أصحابها الله. انت رئيس على قدر خدمتك وسنحاول ان نكون معك خدّامًا للبنان وعيوننا الى الشمس التي تطلع من وراء جباله.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

رحلة يونانية / السبت ٢٤ أيار ٢٠٠٨

كان عليّ أن أحاضر في ألمانيا عن الإسلام غير أن إغلاق المطار حال دون ذلك، وفي يوم فتحه تمكّنت من الوصول الى اليونان لإلقاء محاضرة أخرى في المسيحية وذلك في مدينة فولس الى شمالي أثينا وذلك في إطار أكاديمية لاهوتية أنشأها أسقف تلك المدينة المطران إغناطيوس.

                        كانت المشكلة أني تكلّمت بالفرنسية وكان اليونانيون الذين اجتمعوا هناك يسمعون الترجمة بلغتهم. ما شدّني الى قبول الدعوة الى أالمانيا هو ان اللاهوتيين هناك يعرفون قليلا عن الإسلام وأرادوا أن يتعلّموا. معرفة الإسلام هي الانعطاف الحاضر في الفكر المسيحي الأوربي. والاضطرار الذي حكمني انه لم يكن ممكنا ان يسمعوا الآيات بالعربية ولكن الترجمة كانت أفضل وسيلة ممكنة والعارفون منهم كانوا يتكلّمون على الترجمة التي أخرجها الى الألمانية الأب تيوفيل عادل خوري كاملة أجزاء عديدة مع التفسير في الحواشي.

                        اما فولس فمدينة بحرية تقع بين أثينا وسالونيك وكان على رأسها رئيس أساقفة أثينا خريستوذولس المتوفّى أخيرا. أهم عنصر في هذه الرحلة كان الأسقف الحالي تأخذك طهارة وجهه ثم تتعرّف الى حكمته وفهمه وحسن ضيافته وبساطة محبته وشفافيّته.

                        الأكاديمية التي أسسها منشأة مستقلة تابعة للأبرشية بخلاف المدن الأخرى حيث كليات اللاهوت أجزاء من الجامعات التابعة للدولة. وعلى رأس الأكاديمية شاب تخرّج من اليونان ومن السوربون يتكلّم كل اللغات الحية وزارنا في معهد البلمند ويحب اهل المشرق وآخر سهرة قضيناها معه أسمعنا صوت فيروز يغني القدس فذكّرته أني شيخ وأن ذوقي الأوّل يذهب الى سيد درويش فأسمعنا منه ما تيسّر. والأكاديمية الى طاقمها التعليمي منفتحة على اللاهوتيين الأجانب من كل صوب وأظن اني اول عربي تكلّم فيها.

                        هذا اللقاء الذي كنّا اليه السبت الماضي تحدّث فيه عالم ايطالي في موضوع خلافيّ بين كنيستي الغرب والشرق، خلاف مرتكز على العبادات وهو دقيق جدا ويدور حول ما نسمّيه «استدعاء الروح القدس». هل استحالة القرابين الى جسد المسيح ودمه مؤسسة على هذا الاستدعاء وهو غير معروف في الكنيسة اللاتينيّة، ام ان فيها صلاة تسبق كلمات العشاء السري: «خذوا كلوا… واشربوا منه كلّكم»، وهل هذه الصلاة تعني معنى الاستحالة؟

                        المهم في كلام هذا الرجل انه وحّد بين «الموقف الأرثوذكسي والموقف الكاثوليكي» بما هو مقنع بعامة وإن كنّا اختلفنا معه في الجزئيات. ما جذبني فيه ليس فقط معرفته العظيمة باليونانية واللاتينيّة وهذا ليس متوفّرًا عند كل اللاهوتيين. ولكن ما جذبني اولا هو البساطة والتواضع. وتبيّن لي أننا نستطيع ان نذلّل هذه الصعوبة وصعوبات أخرى ما تصدّى لها الأخصائيّون بصورة كافية.

#                 #

#

                        قلت له: انتم في المجمع الفاتيكاني الأول الذي حدد السنة الـ ١٨٧٠ رئاسة البابا على الكنيسة جمعاء وعصمته هل أبسلتم (حرمتم) الأرثوذكس الذين يرفضون موقفكم ام انكم اكتفيتم بحرم الكاثوليك القدماء الذين رفضوا هذا التحديد. والأرثوذكس لم يصدروا موقفا قانونيا صريحا في ما انتم تقولون ولو كتبوا الكثير في هذا الموضوع رافضين. ثم أردفت مستشهدًا بلاهوتيّ أرثوذكسي كبير قال: «نحن مع كنيسة الغرب» في حالة قطع الشركة rupture de communion كما كانت مثلا كنيسة بلغاريا وكنيسة القسطنطينيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلتاهما على استقامة الرأي.

                        لم نوغل في المناقشة أكثر من هذا بعد ان اعترف لي انه ليس اخصائيا في هذا المجال.

                        ثم جاء دوري لأتكلّم على الأفخارستيا (سر الشكر او سر القرابين المقدسة وبالعامية المناولة)، وعلاقتها بالحرية.

                        في العبادة الأحدية عندنا التي هي سر الشكر، ركّزت على انها صلاة الجماعة وليست مجرد عمل تقويّ فردي بحيث ان الجماعة تتأسس او تنشأ من مناولة الخبز الواحد كما علّم بولس. غير أني ذكّرت السامعين ايضًا ان هذه المشاركة الأحدية تتضمّن ايضًا الإحسان الأخوي. انت اذا ارتكبت بعض المعاصي تخرج من الجماعة، وعند التوبة تعود اليها، ولكن لا تكتمل العبادة الا بتوزيع الطعام للمحتاجين. وهذا ليس شفقة أخوية ولكنه جزء من الانتماء الى الأمة المقدسة.

                        ثم بيّنت، بناءً على التراث، ان محبّتنا لغير المسيحيين تُنزل عليهم الروح الإلهي فيلتقون في المسيح علموا ام لم يعلموا ويصيرون جميعًا عروسه في اليوم الأخير. ثم اقتبست من يوحنا الذهبي الفم «ان المذبح الحجري ليس بشيء إزاء مذبح الفقير لأن الفقير هو جسد المسيح. هو اذًا أكثر وقارًا من الذي أنت واقف أمامه» (في الكنيسة). واستشهدت بإنجيل متى حيث يجعل السيد تماهيًا بينه وبين المحتاج والسجين والمريض.

                        كذلك تطرّقت قليلا الى الثورة بمعناها الدموي وشجبتها كما شجبت كل عصبيّة وعدوانية من حيث ان  كل هذا يتنافى وسر الشركة والمحبة الواجبة لكل الناس. وهذا قادني الى ان «النور الإلهي منتشر في كل إبداع عند غير المسيحيين وفي كل مجالات الفكر والفن اذا اقترنا بالعدل». وكان لا بد ان أذكر علاقة المسيحية بالثقافات فقلت ان الكنيسة في كل الثقافات ولكنها تبقى حرة منها. والكنيسة حرة من الشعوب التي تتألف منها. والحرية وحدها تجعل الكنيسة أمة مقدسة (لا بالمعنى السياسي) لأنها جزء من المجتمع السياسي.

                        وبعد تمييزي بين المسيحية والتراث الإغريقي ولو اقترب هذا التراث من باب الكنيسة، انتقلت الى المسيحيين العرب وقلت عنهم انهم في العروبة كثقافة اي في كل جوانبها الأدبية والفنيّة والعيش المجتمعي الواحد، وأضفت: »ان اللغة العربية حملت الإسلام كمصدر إلهام في مرتبة الإبداع البشري ولا يتملك الانسان هذه اللغة ما لم يكن «أليف القرآن». وأحببت أن أضيف أن مهندسًا معماريًا من كنيستي بنى عدة مساجد في المملكة العربية السعودية وهي من أجمل المساجد.

                        وبعد هذا عالجت قضايا داخلية للكنيسة الأرثوذكسية في العالم وركّزت على ضرورة التعاون بين الإكليرس والعلمانيين. أوضحت ان ثمّة أرثوذكسيين إسميين وآخرين روحانيين ورجوت ان يزول هذا الانقسام.

                        لم يبقَ من مجال لأحدّثكم هنا عن موضوع غاية في الأهميّة وهو موضوع الملكيّة الفرديّة واستشهدت بمعلّمنا الكبير باسيلوس القائل: «ما هو لك لم تأخذه لتكون مالكا له طوال حياتك. من هو سارق الجماعة؟ أليس ذاك الذي يحفظ لنفسه ما هو ملك الكل. ان الخبز الذي تحفظه عندك أليس ملك الجائعين، والكساء الذي تضعه في الخزانة أليس ملك العراة؟».

                        هذا أوصلني الى ان أزعم ان النظرة الى الملك في الكنيسة القديمة هي انك مؤتمن عليه. «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» (مزمور 112: 9).

                        أخيرا تحدّثت كثيرا عن السياسة وأخطار السلطة والدول التي تستخدم العنف، كما تحدّثت عن سوء العلاقة بين الدول الصغيرة والدول الكبيرة وعن ظلم الكبار والصغار، وأوضحت ان الكنيسة الأولى قبل القرن الخامس كانت ترفض الحرب إطلاقا ثم جاءت التسويات.

                        غير ان تتويج هذا اللقاء كان في القداس الإلهي الذي أقمته مع مطران المدينة أمام جمع كبير واستُعمل فيه اللسان العربي كثيرا الى جانب اليونانية. وربما لم يكن بسطاء القوم يعرفون ان ثمة مسيحيين عربا. وكانت جوقة المرتلين تستعمل ألحانًا من أجمل ما سمعت، وتناولت الجماعة كلها جسد الرب واستضافتنا بعد هذا الرعية ظهرًا ومساءً وأحاطتنا بحفاوة مذهلة وأغدقت علينا الأوسمة والهدايا عربونًا للأخوّة والرهافة المذهلتين.

                        وأهم مما علمت فهمت ان المطرانية تطعم ألف فقير كل يوم في مطاعم خاصة بهم، وهذا كلّه آتٍ من هذا الإمام الأرثوذكسي الطاهر الشفاف الى ان عدنا الاثنين الماضي الى لبنان الراجي خلاصه من الرب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

بلدنا الأحب / السبت ١٧ ايار ٢٠٠٨

                      البلد لا يُمسّ لأنه في هذه الدنيا هو المطلق وخطأ أهل السياسة في العالم كلّه ظنّهم انهم منقذو البلد والبلد لا ينقذه الا أهله مجتمعين، متحابّين. كان لي أستاذ في باريس وضع كتابًا عن روسيا خلاصته ان الشعب الروسي لا يؤمن بالدولة وان ولاءه للقيصر فقط. أعكس فكره علينا لأقول ان لبنان لا يعيش حقا بالدولة ولكنه يعيش بالقلوب. ففي اعتقادي ان كل ما يُقال عندنا على الرجوع الى الدولة لأنها هي الكليّة ويفترض ان الخلاص بها قول مردود لأن الصراع الدائر عند من ورث الدولة الفرنسية وفلسفة ثورتها يقوم على أن الناس يريدون إنشاء الوطن بالدولة. والحق انه هو الذي ينشئها. عندي ان الخلاف حول الحقائب ومن يرثها وعن توزيعها على الطوائف كله لغو لأن الخلاص ليس في هذا ولكن ان تقبل الآخر شريكًا لك لا في إدارة شعبنا ولكن ان يكون قلبك الى قلبه. لا شيء يقنعني ان توظيف هذه الأرقام المعطاة المعروضة على المناصب هي الحل ولأن هذا كله عابر وتتغيّر الأرقام حسب الظروف المعروضة وهذا تمثيل مشاركة وليس مشاركة. الحكم ليس مكان اللقاء بين ما يسمّى بقلم أحد كبار المحللين شعوبا. الشعوب لا تترجم حقائب ما دامت رؤية كل شعب تحمل طيات استكبار فلا أحد فوق احد الا اذا جعل نفسه إلهًا ونحن كلنا يُجمع على ان «لا إله الا الله».

                      ماذا يعني هذا الكلام وانا لست أدين فئة لأني لست محللا سياسيا ولا أملك كل المعطيات.

                      نحن أمام خطر انقسام حقيقي او أمل مشاركة وليس بينهما تواصل. كل بذور الانقسام قائمة والمطلق الوحيد بوجه الانقسام ان الدم المسفوك معصية كبرى ونهاية لهذا البلد اي ظهور بلدين او ثلاثة او أكثر. ونحن على حجم صغير لا يحتمل ناحية العيش المادي فيه تقسيمًا. نحن أشرفنا على الجوع في الوطن كلّه فكيف اذا انقسم. ما موارده؟ الى هذا ماذا تفكر عند ذاك بالمذهب الذي وراء الحدود الداخلية وأهله. الجواب الوحيد اننا ندخل في مملكة الأحقاد وفي اختراع الخرافات ويكون هذا من حوافز الهجوم على الآخر عند الفرصة الأولى. ليس لنا خيار الا الوحدة التي هي فرصتنا الوجدانية للتلاقي والتفاهم الحضاري وترجمة التعدد الى تعاون وتبلور العلاقات على المثال الذي اشتهيناه منذ اول دستور اعتقادا منا اننا نحمل رسالة يقضي عليها التقسيم توا.

                      الوقت الحقيقي المتبقي لنا وقت الصبر ووقت الفهم واعتبار هذا فوق السياسات العابرة. انا لا احتقر السياسة وجديّتها وأهميّتها ولكني اؤمن بظرفيّتها وتغيّرها والديموقراطية تحديدا نظام التبديل واقتناع ان الآخر قد يكون أفضل منك في حين من الزمن او مرحلة من الفكر. هذا البلد لا يمكن بقاؤه الا اذا  آمنت بهشاشة السياسة اية كانت واذا ايقنت ان طرح هذا الطرف لا يستحق لا الاعتقاد به كأنه فكر إلهي ولا يستحق التغاضي عنه كليا كأنه العدم.

                      والسياسة ينفرط عقدها دائما في حالة استبدادها او حالة لينها. واذا أدركت الحكم فلا حزب يبقى على وحدته الا اذا كان خائفًا من الانشلال او الموت. فالحزب الشيوعي السوفياتي أخذ يضعف منذ تأليفه وقتل الكبار للكبار لأن الفساد يدخل ويفرق بين الذين ليسوا ملائكة. والأحزاب الأكثر ديموقراطية في اوربا الغربية تنشأ فيها الفئويات دائما ويتصارعون داخليا لأن اهل الحزب بشر وليست أصناما جامدة ولأن الإيديولوجيات تركيب بشري مفتوح على كل تفسير ولأن التفاسير تتحول مذاهب فترى نفسك قريبا ممن كان خصمًا اذا زالت الحدّة وتقاربت المصالح. وما بدا فضائل كما قال مفكّر فرنسي تشبه سواقي تتلاشى جميعًا في البحر.

#                 #

#

                      انا ما قلت ان ننأى عن السياسة ولكن ان ننأى عن اتخاذها كأنها عقيدة مُنزَلة وتاليا عوض الانقسام او التقسيم نحن مدعوون الى مشاركة هي نفسها محكوم عليها بالانفراط لئلا تصبح مناسبة لسفك الدماء. هي مشاركة ليست بالمعنى اللبناني الحسابي المتداول ولكن بمعنى الاستمرار باقتراف الأعجوبة اللبنانية اي التوق الى الوحدة بما نحن عليه من تعدد. وهذه جدلية بمعنى ان التعدد المفرط قتال والوحدة المصطنعة قتالة. وهناك نوع من الواقعية يجعلنا نقول اننا اذا ذبحنا بعضنا بعضا من أربعينات القرن التاسع عشر حتى انتهاء الحروب الداخلية التي استهللناها السنة الـ ١٩٧٥ يجب ان يكون فينا شيء غلط. وهذا الغلط لم يدرسه علماء الإناسة عندنا لنصلح أنفسنا فنتفاداه. كلنا يعرف بذور الحرب الطائفية او حروب الطوائف لخدمة الآخرين كما يقول غسان تويني. وما أعرفه أكثر أن ثمّة بغضا دينيا في لبنان والعالم والسؤال كيف نغلبه ليبقى كلّ منّا على الإلهيات التي يؤمن بها ونتشارك الأرضيات التي نحيا بها مع الجميع اذا صممنا على الا تنقضي منا عشرات من السنين متتالية فنعرف الخلاف ونقبل الاختلاف ونطلب الحرية الكاملة لنبقى على مطلق ما نعتبره ايمانًا وعلى هشاشة ما نعتبره سياسة.

                      هل ندرك ذلك الشرف والتهذيب والحب الذي يجعلنا نقيم بيننا ميثاقًا لا أطلب غيره وهو الّا نتذابح ولا ندمّر بعضنا منازل بعض ونحافظ على حرية الكلمة لمن شاءها على الصدق في معاملاتنا بحيث ان جماعة لا تلغي جماعة وتقبلها بقيادة البلد على اساس المعرفة فقط. يعني هذا اقترابا من حكم مدني اذا لم نستطع ان نتبيّنه فورا حتى تدنو التعددية من الوحدانية ذات النكهة الحضارية والحقيقة السلامية.

                      وفي ظل هذا تذوق انت بهاء المسيحية وجمال الإسلام ولو اختلف في هذا بعض العلماء وشيء من الشر يأتي من العلماء الا اني في الفترة الأخيرة بتّ أسمع في وسائل الإعلام كهنة ومشايخ يتكلّمون في ذوق وتهذيب كبير على الجماعات الأخرى ما لم أكن أعرفه منذ ربع قرن وقد تعثر على شعور رهيف في هذا الكلام المتبادَل ما لم تحلم به من قبل. جمعتني مؤخرًا مناسبة مناقشة مع عالِم مسلم، عميق الإسلام، طلّ على المسيحية بشفافية ما كنتُ أنتظر ما هو بقوّتها. وأخذنا نسمع بعضا من المسلمين يقولون عن قساوسة مسيحيين كيف اقترب هؤلاء من الإسلام بعمق لم يشاهَد من زمن قريب. الأغبياء لا يصنعون التاريخ ولكن العقلاء المحبين يستطيعون ان يقتربوا من العقلاء الآخرين بحيث يضعون معًا الأساس الروحي لهذا البلد.

                      مرة جمعتني ندوة مع عالم مسلم في بيروت وقبّل أحدنا الآخر فهلّل لنا الجمع وصفّق لإحساسه بصدق شعورنا.

                      حفاظ أحدنا على الآخر هذا هو السر والحل. هذا قائم أساسًا على الله ولكنه قائم في بشريّتنا. ولكوني أعرف منذ طفولتي عيوب شعبنا ظللت عشرات السنين من عمري لأكتشف أننا شعب طيب واننا قادرون على رغم هذا التعبير المحزن «الوضع الإقليمي والدولي» ان نتعايش بحب. انا لا أعرف مواطنا يعترض على دين هذا او ذاك من المسؤولين والموظّفين. انا مواطن بسيط قلت غير مرة في وسائل الإعلام ان هذا الأمر لا يهمّني. سيأتي يوم يمّحي فيه الخوف وتتشرف قيادتنا السياسيّة بالمسيحي والمسلم على اختلاف المذاهب. تلك هي في العمق المشاركة. وهذه تجد لها ترجمة في هذا الزمن الانتقالي.

                      ستضعف كل الجماعات لا لأني أدعو لأحد بالضعف ولكني لا أحلم بزمان نُسَرّ فيه بالضعف كما لا نُسَرّ بقوّة أحد مفصولًا عن أخيه اللبناني.

                      اللهمّ هَبنا الا تهراق قطرة دم واحدة لنحيا بالثقة بك وببعضنا البعض ونرتب بيتنا اللبناني بكل مداميكه ان يترتّب اي وفق هبة الله وذكائنا. وبعد هذا فقط لنا حظ الحياة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

النور وأنت / السبت ١٠ ايار ٢٠٠٨

لا أود أن أغوص كثيرا على السجالات اللاهوتية التي قسمت العالم الاسلامي والعالم المسيحي كلا في ذاته في موضوع الكلمة. في المسيحية السابقة تاريخيا المقولة الرئيسية: “في البدء كان الكلمة”. اي بدء هذا؟ ما من شك عند أكثر  المفسرين أن يوحنا الانجيلي لما افتتح كتابه بهذه العبارة انما أشار الى مطلع سفر التكوين القائل: “في البدء خلق الله السموات والأرض”. فاذا قال يوحنا في بدء الخليقة هذه كان الكلمة يكون الكلمة سابقا للخلق ويدعم هذا التفسير في آخر الآية الأولى قوله: “والها كان الكلمة”. واللفظة تدل على المسيح قبل نزوله الى العالم وبقيت تطلق عليه حتى جاء آريوس في القرن الرابع وقال ان الكلمة هو المخلوق الأول الوسيط بين الله والكون. وخلاف الكنيسة معه قوله بمخلوقية الكلمة او الابن. وكانت هذه ـ في فهمي لتاريخ البدع ـ  انها كانت البدعة الأساسية التي شقت الكنيسة عشرات من السنوات المتتالية وما عادت عند معرفتي للأمور بصورة قوية الا بظهور شهود يهوه بعبارات متشابهة او بمعنى شبيه.

           ليس في نيتي ولا في قدرتي أن أبرز السجال الذي دار في الاسلام حول خلق القرآن او عدم خلقه باعتباره كلام الله. وحتى تتبين أزلية القرآن كان لا بد من تقرير ان كلام الله قديم لكونه صادرا عن الكائن السرمدي وتاليا هو غير محدَث. وهذا الفريق الأعظم من المسلمين قال بضرورة ربط الكلمات الأزلية بالقالب القرآني اللفظي فأتوا بعلم أسباب النزول التي هي ظروف في حياة النبي ولكنها كانت في علم الله ولا هي تلغي أزلية الكلمة الالهية.

           أزلية القرآن وأزلية الكلمة (او الابن) عند المسيحيين مسألتان متشابهتان كان لا بد للعقل المؤمن أن يواجههما والذين قالوا بأزلية الكلمة عند المسيحيين وأزلية القرآن واجهوا مسألتين حقيقيتين هما مسألة في العقل المؤمن واحدة.

           غير أن المشكلة أعظم تعقيدا في الاسلام لأنها مشكلة العلاقة بين الكلمة والكلمات التي نزلت على النبي بصورة معبر عنها بصوته وكُتبت هذه الكلمات او حُفظت وسُمعت ودُوّنت. السؤال هو ما دور النبي في تجسيد هذه الكلمات لفظًا أو إلقاء. هل هو مجرد انسان يتلقى الكلمات وينقلها ام تنزل عليه المعاني ويجد لها لفظًا. كل هذا أثار تساؤلات عظيمة واختلفت المذاهب فيه.

#                #

           غير اني كما وعدت ليس همي هذا الهمّ في هذه العجالة فاني اليوم لست مساجلا أحدا غير اني عرضت الاشكالية لأصل الى مبتغى بشري بادئًا من أقوال الآباء المسيحيين القدامى ان الكلمة تجسّد (من الروح القدس ومريم) ليصبح الجسد (ويعنون الكيان البشري) كلمة. أهمل الآن اعتبار أزلية صورة الانسان في الطاقة بناء على قول القائلين ان كل مخلوق كلمة اخذت شكلها المخلوق في ما بعد. وهذا تحدّث عنه أهل الشرق والغرب. ولكن لصعوبة الموضوع لن أغوص عليه.

           ما همني ان تصير أنت كلمة إلهية بمعنى أبسط، غاية في البساطة. أريد بذلك أن تتشبه بكلمة الله. أن تصير نطقه او مرآة له في الفعل والكلام والنية وأن تكون خاليًا من كل كلمة بشرية صادرة بطريقة او بأخرى عن إلهامه. في الحقيقة ما جاء في الترجمة الأميركية للكتاب المقدس على أن الكتاب موحى به من الله هو في رأيي اعتماد اللفظة الاسلامية أوحى، يوحي ومشتقاتها ولكن اللفظة في اليونانية تعني ان كل الكتاب فيه نفحات الله والاشكالية تاليًا ليست خلافًا بين المسيحية والاسلام ولكل منهما عبارة تعني علاقة الله بالمكتوب. في المسيحية كلمة الله هي المسيح نفسه وليس مجموعة أسفار والروح أمد الانجيليين والأنبياء قبلهم بقوته ليكتبوا كلمات عن المسيح قبل تجسّده او بعد تجسّده.

           ما أريده هنا هو الحديث عن العلاقات البشرية على ضوء القوة الالهية في الانسان. فاذا كان سلوكك مطابقا بالكلية لما كانه الله ولما قاله تكون انت كلمته لأنك تكشفه للبشر فمن رآك رآه. بهذا المعنى انت ابنه وتسميه أبًا ليس لأنك انبعثت من جوهره وفي الجوهر ليس له شريك. ولكن انعكس فيك ضياؤه وليس من ضياءين في الوجود. يمدك الله بنوره. وبهذا المعنى انت وحدك في هذه الخليقة نور إلهي. المخلوقات غير العاقلة تلهمك عن وجوده كما قال آباؤنا ولكنها ليست الرؤية. والنور في الفيزياء القديمة هو في العين. وعندما تبصر الله ترى النور. هذه هي علاقة الله والانسان.

           اما اذا ادلهمّت نفسك وانطفأ نور عينيك فلا تعاين الرب. هو في الوجود مستقل عنك. واذا عصيته لا ترى شيئًا مطلقًا حسب ما ورد في عظة الجبل: “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله”. والسماء كما نسمي هذا اللقاء بين الله والإنسان في المسيحية هو أن يتلاقى نور الرب بنوره أي في الأخير ان “يكون الله الكل في الكل” كما يقول بولس. ليس ان ذاته تختلط بذاتك ولكن قوته السرمدية تقاطع قوتك وتضها اليها. السماء اذا بحر من نور يسبح فيه العاشقون لله. وهذا يبدأ هنا من سكنى الله في قلبك. لذلك لا يختلف حقا الـ”هنا” والـ”هناك” وإن كانت الآخرة خيرًا لك من الأولى. اما في العمق الإلهي الذي الله يؤلفه فالله حاضر لاستقبالك ولن تبقى عليك وصمة ولا تذكر خطاياك ولا الله يذكرها. السماء هي ليست فقط امحاء المعاصي ولكن امحاء ذاكرة المعاصي عند الله وفيك.

وزوال المعاصي هنا هو التوبة. غير ان التوبة كدّ وكدح في كل يوم وكل لحظة حتى لا يبقى أثر للإثم. واذا ما زال الإثم عنك تصبح نفسك مرآة امام ناظري الله فيرى نفسه فيك. لذلك تزول عنك العبودية اي الهوة القائمة بين نورك ونور ربك. انا أعرف أن هناك هوّة بين الخالق والمخلوق على مستوى الجوهر او الكيان. وأعرف أن الطاعة مطلوبة ولكن في الملتقى  السماوي الذي هو قلبك. لا يستدعي الحبيب الا الحبيب ويصبح الرب لصيقًا بك.

           انت تختبر هذا ان كنت من العاشقين. انا لا أدعوك الى إهمال كلمة نازلة بتفسير او بآخر عن الله ولكني أدعوك الى حال الحب الذي لا كلام فيه وفي السماء ألسن الملائكة تبطل الكلمات التي انسكبت  علينا بسبب من التعليم. فالتذكير ابن العلم. الله لا يبطل في الملكوت العلوي  ولكن ذكره سيبطل لأنك لست في حاجة الى كلام بشريّ ولسان الملائكة الصمت.

           في هذه الدنيا وسائل عيش ووسائل تعلّم ولكن هذا كله يبقى على مستوى الوسيلة. اما الحب فليس بوسيلة لأنه معمودية الضياء الذي ليس بعده الا طبقاته. اذ ذاك، تحيا من وجه الله المبارك وتنمو الرؤية في عينيك الروحيتين ويزداد الله سطوعا لأنه ليس لوحة جامدة. والحي ليس له لوحة. في هذه الدنيا الحي خاضع للزمان الذي يجمده. والله ضياء كامل يتقلّب النور فيه ليحييك وأنت تسير ليس وراء هذا النور ولكن فيك حتى تحيا الى الأبد في صفاء لا يوصف.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

السياسة اللبنانية ورجال الدين / السبت ٣ أيار ٢٠٠٨

يظن الإنسان اللبناني أنه يفهم السياسة لأنه يتكلّم عليها ويقرأ الصحف ويشاهد التلفاز. اجل يتحدّث بسياسة اميركا وأوربا والعرب والصين وزعماء لبنان وقراه. يحلل الأخبار بناء على ما قرأ وسمع. ولا يسعك ان تطلب من الإنسان العادي أكثر من ذلك. وفي كثرة الأحوال يردد ما سمعه من البيك لأن اللبناني ليس فردًا ولكنه عضو في قبيلة. انه انسان ملتصق بالجماعة اكثر منه شخصا مستقلا. اذ ذاك زعيمه مصدر فكره فيغضب اذا غضب ويهدأ اذا ذاك هدأ وتتحدّد علاقاته مثلما يُملى عليه.

                      لا تقوى هذه النزعة الحادة في الظاهر عند الحزبيين اذ المفروض ان عندهم ثقافة سياسية ولكن هل عندنا أحزاب حقا؟ لست مؤهّلا للجواب المسؤول عن السؤال ولكن انطباعي ان بعض الأحزاب لا تأتي قراراتها او توجيهاتها من مجلس شورى او لجنة مركزية عن طريق التصويت بعد مناقشة مستفيضة بمقدار ما تأتي من سلطان الرئيس الموهوب «الكاريزمي». ففي الحقيقة ان مجلس الشورى يبتلع الأعضاء وان رئيس الحزب او شخصا آخر قويا يبتلع مجلس الشورى وان الحزب في كثير من الأحوال مُشخصَن. وهذا ورد عند احزاب كثيرة قوية في اوربا فكان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي لينين حتى وفاته او مرضه الأخير ثم كان ستالين. والحزب النازي كان هتلر حصرا. ونكون، اذ ذاك، في ما يظهر حزبا وهو في الحقيقة قبيلة.

                      تحصل مناقشات بالتأكيد ولكن شعوري ان الأول يخشاه الآخرون ويؤثرون الانسجام بالأكثرية او يتركون الحزب. المناقشة هي للوصول الى الحقيقة لأن السياسة تحتمل وجوها كثيرة وليست الحقيقة في ما يقوله هذا او ذاك. ليس في معظم الأحزاب لين ولست داعيا الى الاسترخاء كما لست أدعو الى الاستبداد الذي كثيرا ما نجده في اللعبة السياسية.

                      البلدان الصغيرة دائما أشد فظاظة واختلافا في المجال السياسي. وحيثما تجد حزبين فقط كما في انكلترة والولايات المتحدة قلما تعثر على إنسان يكلمك بالسياسة. ربما هم يثقون بمندوبيهم الى البرلمان. هذا قليل في لبنان. فالصلة بين النائب عندنا «عائلية»، «صداقية»، انتظار وظيفة او اجراء معاملة ولكن ليست محاسبة او تواصلا او نقاشا بين النائب وكتلة من الذين انتدبوه. من هذا المنظار نجد اللبناني ولو فهم أشياء في السياستين الخارجية والداخلية لا يؤثر في قرارات نائبه.

                      على اللبناني ان يسلك في السياسة سلوكًا حضاريًا على غرار الدول الأولى في العالم. بكلام بسيط لا تسييس الا في الوعي الشخصي ولو كان لا بد من التكتل فيه.

#                  #

#

                      الأمر الآخر عندنا في التسيس يطرح مسألة تبني رجال الدين الذين ينطلقون بشرا من بشريتهم وانت تنتظر منهم روحية تأتي من معتقدهم. هنا لا بد لي ان أفرّق بين القادة الروحيين في الإسلام والمسيحية. فالإسلام له مع الفكر السياسي تماس من بعد نيلنا الاستقلال. ذلك ان الإسلام دين ودنيا اذا كنت فاهما له مع ان بعض العلماء يقولون منذ العشرينات في مصر ان الإسلام لا يتضمّن وجوده في دولة او مع دولة ولا سيما انه في عصره الذهبي كما في العهد العباسي كان العلماء شيئا والخليفة شيئا آخر. هذا ما أكّده دائما رضوان السيّد في أدبيّاته وما هو أساسي في الإسلام ان ليس فيه اكليروس ولا رجال دين ولكن فيه علماء. ولذلك لا يصح نظريا ان ننسب حديث العلماء الى بنية إسلامية ملزمة للمؤمنين. وليس للعلماء المسلمين قدسية تمنع المؤمنين من الاختلاف معهم.

                      اما في المسيحية فرجل الدين له قدسيته بسبب من وضعه الكنسي. مع ذلك هو لا يملي على رعيته خطابا سياسيا مرتبطا بمقامه. ولكنه رجل محب للبلد، يتألّم من أجله ويعتقد ان له الحق ان يوجّه المؤمنين بخاصة والمواطنين بعامة. أنا أرفض قول الإيديولوجيات التي تقول يجب ابعاد رجال الدين عن الخطاب السياسي. اولا هذا احتقار لرجل له كل صفات المواطنة. يلام ديموقراطيا اذا وقع في القدح والذم. ومن قال لك ان خلاص الوطن لا يأتي عن طريق هذا الإنسان. ان سويسرا وضع تنظيمها وروح ديموقراطيتها راهب أنقذها من الحروب الداخلية. ما أرفضه من داخل الكنيسة أن تتحوّل هذه الى حزب او تتحيّز في زمن الأزمات. المشكلة ليست في ان يتكلّم او لا يتكلّم. المبتغى ان يتكلّم صحيحا.

                      السؤال ليس في حضوره في العرين السياسي او غيابه عنه. السؤال هو في طهارته وصدقه ومن داخل الإيمان نقول ان الكاهن او من علاه مقامًا ليس له ان يقود نضالًا سياسيا لئلا ينسب الى الكنيسة ما يقوله وهو ملهِم فيها لأن الكاهن او الأسقف يتماهى في لبنان شاء أو أبى وطائفته وهذا يقتضي من قبله حذرا في التعبير وهدوءًا في المضمون واللهجة معا وهذا يتطلّب الاعتدال الذي هو طريق من طرق السلام. وبسبب من الدقة في التعامل بين الطوائف يحسن ان تتبلور المواقف في الشورى فلا يحسب على الجماعة ما يقوله فرد. وليس من الضروري ان يجمع الأحسنون في اية طائفة على موقف منها. غير ان التشاور أقوى في الإنقاذ والأبعد عن الخطأ الفردي لكون القداسة ليست متوفرة على درجة عالية ولا الحكمة متوفّرة كثيرا وليس من معصوم.

                      وفيما أعمق من كل هذا أن الكنيسة مكان للتطهّر وأسلوبها الأساسي التعليم والوعظ وتقديس النفوس وليس إصلاح الخطاب السياسي. هي شيء مختلف ليس فقط عن الدولة ولكن عن الوطن ايضًا. فالدولة حاكمة فقسرية والكنيسة لا تحكم ولكنها تراقب الوطن. وفي لبنان تراقبه مع المسلمين. ولو كنت أعتقد ان الإنجيل مصدر لكل تصرف في دنيانا الا انه بالدرجة الاولى دعوة. اجل، يحمل الإنجيل هواجس الوطن ولكن ليس في الكنيسة سلاح ولا يخرج منها أحزاب تعمل باسم المسيح. الوطن وحده يدعو الى حمل السلاح دفاعا عن الكل بواسطة الجيش والقوى الأمنية الأخرى.

                      الى هذا هناك واقعية تكشف لنا ان الخطاب المسيحي قلما يؤثر في مجرى الأمور وسلامة المسيحيين من اجل استمرارهم في هذا البلد تقضي عليهم بألا يقعوا مجددا بغلطة التأسيس لميليشيات  فإن فعلوا ديسوا. واذا تمزّقوا في ما بينهم ينتهون جسديا او يضطرون الى هجرة قاسية. السلام هو الضرورة الوحيدة لأداء الشهادة الإنجيلية التي أكسبتهم وجودهم في كل بلد أقاموا فيه. لست أعتقد أن هناك خيارا مسيحيا في اي ظرف وزمان. كان يقال في الحرب الأهلية ليتوحد المسيحيون ثم يحاورون المسلمين. كنت دائما أقاوم هذه الفكرة لأنهم قد يُجمعون على خطر. هل بعد ذلك يعرضون الخطأ على الآخرين؟

                      وكان دائما يزين لي ان التشديد على «سياسة مسيحية» هو الأخذ بالطائفية المسيحية. المسيح لم يدخل في سياسة أبناء جنسه المقاوِمة للرومان. لم يرفض سلطة وما تبنى سلطة. قال للوالي «مملكتي ليست من هذا العالم».

                      لا يفهمنّ أحد من هذا الكلام أني أتمنّى الا يخطب اكليريكي في شؤون الوطن باسم المسيح. انا قلت قبل سطور: رجل الدين مواطن. فاذا أراد أن يتّخذ موقفًا سياسيا فله ان يتوقع ان لأهل السياسة الحق في أن يجادلوه او يساجلوه لأنه يكون قد جعل نفسه رجل سياسة. الى هذا كيف لا يمتزج في عقله الموضوع السياسي والموضوع الروحي؟ من يؤكّد لنا انه لا ينطق عن هوى؟ من يقول لنا انه مرجعية في مجال لم يدرسه وهو درس اللاهوت، والسياسة علم آخر وله تقنياته.

                      هو قد يؤمن بأنه يدافع عن الوطن ولا سيما في هبوطه ولكن ما الحدود بين الكلام السياسي والكلام الوطني؟ افهم اننا لسنا جميعا أخصائيين في هذه الأمور ولا سيّما ان المواطنية أرض يعيش عليها كل الناس وان الاكليريكي يمكن ان يتمتع بحصافة لا يملكها السياسيون الذين الأخلاق ليست اختصاصهم وان الأخلاق كثيرا ما ألهمت انسانا ذكيا من عامة الناس.

                      الى هذا ايضا وايضا ما يسميه المسيحيون الرعاية يؤخذ من رعاتهم كل وقتهم. وهم عن طريقها ينفذون الى الخطاب السياسي الوطني اذا اضطروا ان يخوضوه. ولكن ان ينتقد هذا المنحى او ذاك، هذه الوزارة او تلك حتى بلا انفعال فهذا يعني ان الذين يدخلون هذا الحقل محّصوا كل الملفات. وهذا لا يتوفّر لعدم الاختصاص او هذا سياسة مبتورة. بربكم ارعوا النفوس الموكلة اليكم رعاية دؤوبة والباقي شورى بينكم وبين المواطنين الفهماء. اوكلتم خلاص النفوس بالوسائل المعروفة في الكنيسة. قد تنزل عليكم رؤى او التماعات ذكاء. انا لست انكر ذلك. ولكن هذا هامشي في عملكم. واذا كان هذا كذلك يسودكم العدل ولا يسودكم التحير او التنقّل بين موقف وموقف. القضية قضية معرفة ما في ذلك ريب ولكنها ايضا قضية روحية. طوعوا كل شيء لكلمة الله التي هي دائما هادئة. ثم طوعوا كل شيء للصبر الذي يمكن ان يقترن بالشجاعة والحماسة. واذا هدأت النفس لكم ان تختاروا عباراتكم بالتأني والرأفة بجميع الناس، اذ ذاك، ينزل عليكم الهدى الإلهي.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت ٢٦ نيسان ٢٠٠٨

يلفتني في الفصح العظيم ان المسيح وحده قام من بين الأموات وانه تاليا كان يحمل الحياة في ذاته. يجيء فقط أزليا من الله بلا واسطة امرأة وتاريخيا من امرأة بلا وساطة أب. ونحن على هزالتنا نجيء بكثافة منه ان فهمنا سر الحفاظ على وصاياه اي نجيء من النور الذي كانه ويبدد عتماتنا ان استقبلناه بحب وما ذلك من الدنيا. المسيحيون معظمهم من الدنيا ان لم يفهموا ذلك كانوا في اورشليم ولا يكترثون لأورشليم. صاروا الى رومية وقتلتهم رومية. والخيار الذي تركهم لهم ربهم ان يشهدوا له. ان يموتوا وان يحيوا شيء لا يهمّهم. كيف يجعلون هذا هاجسهم الوحيد. والآلام قسطهم لأنها شرط قيامتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. لا يطلبون ان تظهر عظمتهم الدنيوية بل ان يشع نورهم الداخلي.

          ان كان غيرهم يطلب مجدًا فليعترفوا له بالمجد ان ظنه اساسا لوجوده. لن يسقط مجدهم هم لأنه من نوع آخر. قد يريد الآخر سلاما على طريقته. هم يريدون ايضا سلاما مع الحرية لهم وللآخرين. اي شكل سياسي تتخذ الحرية لست اعلم. فلنبدأ بالدعوة اليها وفق القوانين الدستورية بدءًا من افلاطون حتى الفارابي اي تكون الحكمة واحترام الآخرين كما هم على أساس العدالة. والعدالة ليس صعبًا تحديدها حاملها هو المواطن. والمسيحي مواطن بمعنى ان هذه صفته في المجتمع والآخر مواطن اذا أراد. وهكذا تقول الدول او معظمها صادقة ام غير صادقة. ولكن ان تقول ان الآخر مثلك وانك مثله يعني ان ليس لواحد منكما صفة اخرى في الوطن.

          والوطن لا يعني فقط ارضا اخترت حدودها ولكنه يعني اولا الناس الذين هم عليها وتعني انكم تديرون وحدكم شؤونها اذا استطعتم. ولكن هناك وراء الحدود القريب او البعيد الذي يطبع توجيهك وأفهم انك تؤثر الجارالقريب او الجار البعيد حسب تركيبتك السيكولوجية وتركيبات اخرى.

#                   #

#

          افهم ان الدول تحب التمدد حسب منافعها وليس عندها معيار الآخر. هذا لك ان تأخذه بعين الاعتبار بلا استسلام. والبلد الصغير مثل بلدنا معرّض منذ القديم الى تأثير أشور ومصر القديمة وكنا نحاول ان نتملّص من وطأة الغريب ما استطعنا ولكن كان لنا شوق ألا نقع في أحضان هذا وذاك وكل حضن يختلف عن الآخر دفء.

          والوطن الصغير جذاب بما فيه من خدمات يستغلها الغريب ومن متع تعاش فيه. يقضمه دائما هذا وذاك ولو حافظوا على ارضه لأن هذه لا تتزعزع وربما حافظوا على علمه ضمن مشروع القضم الذي يريدونه. هذه كلها وصايات تتفاوت حدتها وقد تجتمع الوصايات علينا في اتفاقات بينها يوم يظهر تقارب الوصايات بلد تتقاسمه الشهوات وتتآكله وعندنا من هو شغوف بها اذ ينتفخ بها او تكثر بها ثروته او يستكبر على اهل بلده وتنشأ داخليا مودات تختلف في صدقها وتتفاوت المودات  حتى النحر. وعندئذ  لا يبقى التذمّر وحده من الأجنبي استكبارا والاستكبار الداخلي فيه نحر مميت على شيء من الدوام وينفرط البلد داخليا والأجنبي اذا ساءت احواله تخف وطأته عليك فاللبناني اقرب اليك من الوافد لأنك تستطيع ان تتدبر أمره اذا حاول ان يرفع عن عاتقك النير الموضوع عليه ليأمن مواطنه فيسعى الى رؤية ان مكونات بلده ضرورية لبقائه.

          واذا منّ الله علينا ببركاته لنا ان نبلغ إرادة التواصل بيننا وان نحيي هذه الإرادة بالحب والحب ينشأ وتربيه بالبنية التي تراها نافعة لبلدك حتى اذا ما استقامت مؤسساته وأجمعت على زواج لا ينفعك بينك وبين إخوتك تندفع الى رفع السطوة من عنقك وتحاول الاستقلال ما أمكن لأنه محاولة دائمة والسياسة كلها فن المحاولة وكل بلد هشّ كما الدنيا هشة الى ان يرث الله الدنيا وما عليها. مع ذلك العزلة قتّالة ومستحيلة. ولكن إرادة الحرية بأهمية المشاركة الوطنية في كل شيء حتى تعيش كل مكونات البلد بلا سيطرة الواحدة على الأخرى لتتحقق المواطنة الصادقة.

          البلد الذي يغذّي شهوات المكونات ليس ببلد. هذا شريعة الغاب قوامه. لذلك لا بد من دستور يُراعى وقوانين تُطبّق والحكم للكل مجتمعين ومتحابين. قلت متحابين لأن القانون وحده بلا قلب جاف وتشتد فيه التدابير القسرية وتعود اذ ذاك فيه الاستفزازات ويعود الى انقساماته الداخلية فيتزعزع من الداخل. وهذا يعني تربية على التوحد الوطني الذي ينفي حارة النصارى بمعناها السياسي وحارة المسلمين بمعناها السياسي ويتنافى فيه التحزّب لهذا الأجنبي وذاك.

          وثمرة كل ذلك ان نكون وطنا واحدًا يدبّر شؤونه بالمعطيات التي بُني عليها تاريخيًا دون أن تتآكله المعطيات الداخلية، هذا إذا أدرك ان التطلّع هو تطلّع الى المستقبلات أكثر من التسمّر على الخصوصيات لهذا التكوين او ذاك. اما كيف يكون الجمع بين الماضي والآتي فهذا عمل الكبار في الأخلاق لأن لبنان أخلاق في السياسة كما هو أخلاق عند الأفراد.

          هذا هو فصح لبنان. هي تسمية رمزية لأقول ان الآلام الحاضرة قد تكون مرحلة على ما يرجو الجميع حتى نستيقظ من الموت الحال فينا اليوم لنصبح وطنًا ممكن العيش فيه ومرجو العيش فيه لأن الموت ليس للأوطان. واذا سمح لي استعارة لفظة الفصح لنا جميعا فاللبنانيون كلهم فصحيون لأنهم أبناء القيامة. الله نرجو ان يوصلنا الى هذا الفصح الجماعي حتى لا نفقد القيامة. والى حد كبير ستكون القيامة بنعمة إلهية عملنا المشترك بعد ان توافقنا على أن لبنان وطننا جميعا. واذا كانت مشيئة الله ان نبقى سوف تهدأ العواصف فينا ومن حولنا لكوننا نستحق الحياة. غير ان إرادة الحياة تأتي من المحبة والنسك الذي تقتنيه اي من طهارة الأفراد والجماعة. ليمسح الله كل دمعة من عيوننا ونحيا حياة واحدة لا ذل فيه ولا رق لإيماننا ان أحدا لا يستحبّ العبودية بعد ان أمسى بعد ظلمات رهيبة عاشقًا للفصح.

Continue reading