Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2010, جريدة النهار, مقالات

الى أعضاء المجالس البلدية / السبت 15 أيار 2010

هذه الكلمات ليست توجيهًا وانتم الأعلمون، ولكنها لجوء مني الى ما عندكم من حكمة ومعرفة وحب لهذا البلد. أرجو أن تكونوا محطّ رجائنا في بلد مكسور ولا يبدو فيه منقذ كبير او كتلة منقذين ولئن كنت قد قرأت «انتم مخلّصون على الرجاء». سأغوص اذًا على الرجاء وأخاطبكم علّكم تسمعون.

أراكم في مناصبكم اي قائمين على مسؤولياتكم. أراكم من خارج الدائرة السياسة ولو كان كل لبناني مسيّسا بمقدار. غير أن المراكز التي تشغلون لا تتطلب اندراجا في هذا الحزب او ذاك لأنكم إن أخلصتم للمدينة او للقرية التي أتت بكم تحتاجون أولاً الى ان تحبوها والمحبة روح الإدارة او أصلها. ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الماء لأن كل إنسان يشرب عند عطشه، ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الإضاءة لأن احدا منكم لا يستطيع أن يعمل في الظلام. ولن تختلفوا في مجال الطرقات اذ لا يريد احد أن تنكسر سيارته، هذا اذا كان الطريق بلديا.

هذه أمور تتعلق بالحياة اليومية اي بالحياة الحقيقية ولا تحتمل الجدل السياسي. ربما دخلت المنفعة الخاصة أحيانا ورسم الطريق باتجاه لا بآخر. هنا لكم أن تتحصّنوا بالتقنية وبمصلحة الضيعة، ربما بهذا السلوك الحسن تربّون المتسيّسين على الطريقة اللبنانية اي المتحزّبين. هنا أخشى على البعض -دون اتّهام- لأني لم أقرأ اللوائح ولأني من حيّ صغير من إحدى مدن لبنان، قلت أخشى أن يحسّ العضو البلدي بضرورة ردّ الجميل لمن أتى به على قاعدة سياسية. انت لست راجعا الى حزب ولو كنت عضوًا فيه اذا جلست على كرسي العضوية باستقامة وليس في ظهرك التواء. انت خادم لا للفئة التي انتخبتك ولكن لمجموعة المدينة او القرية اذ لمّا قبلت انتخابك قبلت التزامك ايضًا. والأولون في مجالس الشعوب هم الأسرع في خدمتها.

مررت بالكورة الاثنين الماضي ثم عرّجت عل المتن وكان في يدي كتاب والقراءة عادة لي اذا كنت راكبا. فرميت كتابي الى يساري على المقعد اذ رأيت غابات جميلة ارتاح اليها نظري ودخل إليّ بعض الفرح. وفيما أنا أنظر الى الخضراء رأيت منازل جميلة مختلفة الألوان من الخارج وعلى سطوحها آجرّ وكان يغلب عليها في مطلع شبابي طابع الفقر. هذا كله ما قامت به الدولة. قام به الناس. قلّما ينبثق الجمال من الحكام إلا اذا أرادوه سمة لمنازلهم الخاصة. ولكني أعرف غير قرية في اوربا تأمر السلطات المواطنين فيها بالجمال. وسررت كثيرا لما لحظت ان شيئا من هذا يُطبّق الآن في لبنان.
# #
#
عودًا الى الشجر، فيما كنت أُقلّب احد أسفار العهد القديم قرأت أن الملك الأشوري الذي كان يحكمنا أخذ يقطع أرز لبنان. العداوة للشجرة اذًا قديمة. ثم قرأت عند الذين أرّخوا لطرابلس قبل ألف عام أنها مؤلفة من مدينة برّية ومدينة بحرية تفصلهما بساتين البرتقال. وعشنا جميعا هذا المنظر الى أن غزت بنايات الإسمنت هذه البساتين فصرتَ تتنزه على الطرق الثلاث اليوم التي تفصل المدينتين ولا تشم رائحة زهر البرتقال، اي حصل اعتداء على كيانك البيولوجي وربما على كيانك الشعري إن كنت شاعرا.

قرأت بسرور خبر تأليف جمعية تعنى بالتشجير. هذه اذًا جمعية تُذكّرنا بإنسانيتنا السليمة المشتهاة. وفهمت على قلة معرفتي بالتكنولوجيا أن الطوافات منها ما يقوم بهذا العمل بسرعة الى وسائل أخرى يعرفها أهل الاختصاص. اذا قررتم ايها السادة الأعضاء ألاّ تعطوا رخصة بناء الا اذا أمرتم بزرع عدد من الأشجار تحدّدونه وفق مساحة المبنى، تكونون قد مهّدتم عودة الجمال الى منطقتكم وتحسين الطقس وتكوين مياه جوفية وتصنيع الخشب والورق وما الى ذلك من غنى.

والمجلس البلدي لا يضطره شيء الى الانقسام اذ في المبدأ ينبغي ازدهار المنطقة الموكلة اليه، والازدهار معروفة مواضيعة ومعروفة مقاييسه. وهذه الرعاية يريدها المواطنون لكونهم يَنمون صحيا وأَمنا وفرحا بمكافحة التلوّث وتأمين النظافة. يحسّون بهذه النشاطات إحساسا شخصيا وعائليا ويُدركون أن الضرائب البلدية موظّفة لخيرهم المباشر في حين أن ليس عندهم الاندفاع نفسه لشؤون الدولة لأن الأقاليم الأخرى بعيدة وقد تهملها الدولة في حين أنهم يظنون -عن خطأ أحيانا- أن المجلس البلدي منهم وإليهم ويسهر أعضاؤه على عائلاتهم وأصدقائهم وتاليا يسهرون على مصالح الجميع.

لست أظن أني مبالغ في الغنائية او حالم بلا حدود. طبعا هذا يتطلّب أن تطالب وأن تتابع من تعرفهم في المجلس البلدي وأن تؤلّف حركات مطلبية على صعيد الضيعة او المدينة لا تأخذ طابعا سياسيا. البلدية حكم مصغّر ولكنه حكم فعّال إن توافرت المعرفة والحكمة والصدق.

والحاجات تُظهر نفسها. كنت اقترحت على رئيس إحدى البلديات في قرية جميلة مشروع تجميل يتضمّن تحسينا للبيوت الناقصة معالم الجمال لأنني كنت مقتنعا أن هذا العمل الهيّن نسبيا كان من شأنه أن يزيل الحزن عن قلوب الناس من هذا القبيل. هذا لأؤكّد فقط أن الناس مقتنعون بالجمال لأنهم مقتنعون بالفرح.

عودة ثانية الى الشجر بعد أن سألني أحد الأصدقاء: لو كنت ما زلت مدنيا وتمنّيت المشاركة في إدارة البلد أية وزارة كنت طلبت؟ أجبته توّا وزارة الزراعة. منذ فترة قريبة فرحت بشهوتي هذه القديمة بعد أن رأيت النخيل يتصاعد هنا وثمّة وهذه هي شجرتي المفضّلة. ألا يرى المجلس البلدي أنه يكفيه تحرّك خيال او قلب نحو النخلة حتى يزرعها طالما زعم واحد أن غابات النخيل تدفع ناسا الى مشاعر قد تصير فيهم ينابيع إبداع.

أهمية المجلس البلدي أنك تجد فيه مجموعة بشر تُلهمهم المحبة والحكمة والمعرفة وأنهم قادرون ألاّ يُدخلوا الخصومة اليهم لأنهم اختاروا حُبّ مطرح صغيرا كان أَم كبيرا على نزواتهم. المجلس البلدي، اذا أُتي به بتزكية او منافسة، بعد انعقاده مكانُ تسابقٍ في الحسنى ولقاء تقارُب بين أناس يتوقون الى الصلاح لتوقهم الى الحُسن والنظافة وقيام مشاريع والى الإيمان بأن الجنّات ممكن حدوثها في الأرض وأن زهو الجنّات ممكن أن يدفع الناس الى زهو القلوب.

فلنبدأ من هذه النقطة بلا منازعات فردية لعل كل بلدية تقتدي بالأخرى ولعل الدولة تتربّى على أن تتوق الحسن او الأحسن. هذا البلد في حاجة الى عقلية مجلسٍ بلديّ كما وصفناه هنا لتسكت السياسة الكيديّة وتبرز سياسة المدينة الفاضلة كما سمّاها أفلاطون وأُغسطينوس والفارابي ويصبح لبنان بعد ذلك مدينة الله.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

العائلية / السبت 8 أيار 2010

لست متأملا بحقّ في المجالس البلدية التي تألقت والمستقبل كفيل بفحصها ولكن قيل في وسائل الإعلام ان الروح العائلية طغت عليها. هذا التقاطع بين الأحزاب والتكتّل العائليّ جدير بأن يُدرس بتدقيق لنعرف مضمون العقل اللبناني في الشأن العام. ماذا يحرّك هذا العقل. هل نحن لا زلنا قبائل اي هل العائلات تخشى بعضها بعضا؟ هل تطغى عليها العاطفة لتصبح قليلة التأثر بهذه التركيبة الوضعية، الموضوعية التي تسمّى الأحزاب. هذا إذا أقررنا أن شيئا من الأحزاب ليس فكريا كثيرا وأن الانفعال في اختيار الحزب ضاغط على الكثيرين.

نحن في حاجة الى درس الإنسان اللبناني أنثروبولوجيّا اي في إناسته. أظن أنه يمكن أن ننطلق بعامة من أن الطبائع اللبنانية في كل المناطق والطوائف واحدة او متقاربة. مع ذلك هذا يحتاج الى تمحيص سوسيولوجي دقيق لنعرف كيف نعالج شعبنا، كيف نأتي به من خصوصيته الى الفكر العام.

لفتني فيما كنت أُصغي الى المعلومات عن هذه اللائحة او تلك الإكثار من استعمال كلمة بيئة ففرحت بادئ بدء اذ قلت في نفسي إن المرشحين تهمّهم البيئة وهي نسبيا مفردة جديدة عندنا اذا خرج المواطن من زاروبه الى السعة. تحرر من منزله او سوقه ليذهب الى الضيعة كلها التي فيها عائلته وعائلات أخرى.

في سعي اللبناني الى البلدية او غيرها يخاف من أن يكون حبيس وحدته ويريد أن يلتصق بمن يخرجه من هذه المحبسة، وانت إن كنت حضاريا تخرج بالفكر او تخرج بالمحبة اي انك تتجاوز الأنا لأنك تحيا من الـ «نحن». أظن أن ابن بلدنا ضعيفة عنده روح المعيّة المرتكزة على أحاسيس مشتركة او مشاعر توحّد. أظن أنه يؤثر اللصوق بأهل بيته، بأعمامه او أخواله او أصهرته. يحب اللصوق ليجد نفسه. هو لا يعرف أن له ذاتا قائمة بنفسها، قادرة على لقاء من يختار حسب ذهنه وثقافته. هو وريث دم او حليف مصاهرة، قريب من أهل الحيّ بسبب الضيافة او المجاورة. ظاهره هذا الالتصاق الكبير الذي ينشئ عندنا ظاهرة السهرة التي لا تعرفها شعوب كثيرة. في اوربا واميركا تدعى الى العشاء فتجلس بعده ببضع دقائق تهذيبا. عندنا لا تدعى الى عشاء ولكن الى جلوس طويل قبله وبعده لتذوب في الآخرين، لتنسى نفسك، لتضيع في الوقت اذ لست قادرا أن تقضيه وحدك. أن تبقى وحدك في غرفتك تقرأ كتبا ليس ظاهرة لبناني. هذا البلد لا يقرأ ولا يأتي من كتب. يرث ثرثرة الأصحاب ولذلك تتفشّى فيه النميمة.
# #
#
من يقرأ ليس عنده وقت أن يقصّ قصص الآخرين. من يخاطب عندنا أصدقاءه بغير السياسة يرى نفسه يلعب. اما القراءة فهي رواية التاريخ او رواية الله اي انبساط الوجود بين شخصين او اكثر. نحن نلعب بالكلام كما نلعب بالنرد والنرد هروب اذ لا تُواجه الآخر ولكن الحجر يواجه الحجر اي انه بديل عنك وحجر مُلاعبك بديل عنه.

اللبناني كائن خائف ويظن أنه يبدد خوفه بكسب مال يضمنه والمال لا يضمن لأنه معرّض للأزمات او الربح والخسارة. المال ينتمي الى الطارئ وليس للطارئ وجود حق. ومن خاف ليس له ثابت اي ليس معه إله. فالله لا يحضر الا اذا دعوته ثم قبلته ثم أحببته فبات عشيرك وبتّ عشيره. بلا رب انت في فراغ لأن ربك وحده هو الملء.

عودًا الى الانتخابات ظننت نفسك مقيمًا في العائلة وتحسب أنك تحميها من المجهول لأنها راسخة. ربما كان هذا صحيحا جزئيا ولكنها لا تحميك من كل شيء. هي من العالم المهزوز، من العالم الذي يموت. وفي الانتخابات تريدها أن تبقى.

في شعورك العميق هي تبقى إزاء غيرها ولكن كل العائلات تموت او تبقى الى حين. أفهم أننا نطلب الدفء. فالدنيا باردة ولاسيما إن عرفت أن قلوب الآخرين قد لا تكون الى قلبك. ولكن كيف تستلم الدفء؟ على الصعيد الشخصي هو المحافظة على القربى. ولكن في الشأن السياسي ماذا تعني القربى، ما هي القربى؟ هل كل الذين ذكروا البيئة الأسبوع الماضي كان عندهم تأمّل في الشجر والماء والطرقات وبناء المنازل ومكافحة التلوث أَم أنها كلمة استعملوها ليوحوا أن لهم فكرا كاملا في هذه المجالات؟ واذا كان لك فكر او بعض فكر هل حدّثت أباك وأمك وإخوتك وأخواتك والأعمام والأخوال والأصهرة في هذه الموضوعات واتفقتم على توحيد الآراء، ثم رأيتم أن المتحدثين الآخرين عن البيئة لهم آراء أخرى فتنافستم، واذا اتفقتم علام اتفقتم لتؤكدوا لائحة موحّدة وتهربوا من انتخابات مخيفة. وهل تباحثتم في مشروع او اعتقدتم أنكم عند اجتماعكم في المجلس البلدي يهبط عليكم الوحي. هل شعرتم بأن هروبكم من الفرقة يجعلكم مفكرين؟ هل اخترتم من هذه الفروع العائلية المختلفة الأذكى والأطهر وانتدبتموهم لتحلّوا عن نفوسكم عار الخوف؟

هل ذقتم اشتداد الحزازات الكامنة أم كنتم سابقا مقتنعين أن في عائلاتكم كرامة ليس الآخرون عليها؟ كم من مرة سمعتكم تقولون لنا كرامة لأننا أصيلون؟ هل الآخرون أولاد زنا حتى لا تكون عندهم كرامة؟

العائلية لا تقوم الا على الضدّية، على نبذ تعلنونه لأنكم وحدكم في الوجود. العائلية تحديدا مذهب إلغاء لأنها اعتكاف او انكفاء اي انها موت بطيء غير معلن عنه او غير معترف به او جاء الاعتراف به نكرانا للسياسة التي هي إقرار بمجموعات مختلفة لا يُداخلها الدم. العائلة في المعترك السياسي أسطورة مجد اي مجد هذا العالم الذي كان الفريسيون عليه وخاطبهم يسوع الناصري بقوله: «إنكم لا تستطيعون أن تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدًا بعضكم من بعض». حضرت مرة في روما حفلة تنصيب لكاردينال كان من أصدقائي. ومدير الحفلة الطقسية في الكثلكة شماس وهي أدنى رتبة في المصفّ الإكليريكي، وعندما انتهت الحفلة قال الشماس للكاردينال باللاتينية: «هكذا يمضي مجدُ العالم» حتى لا يستكبر هذا الذي نصّبوه. والمعنى أن المنصب لا يمجّد صاحبه.

هكذا العائلة عندنا لا تمجّد أحدًا. واذا كانت عائلتك متعددة الخصال الحميدة منها وغير الحميدة تكون نصيرا لخليط من الفضائل والرذائل. وحلفاؤك هم أيضًا على هذا التنوّع الرهيب. كيف تريد الرذائل أن تُنتج جمالا وحقّا اذا اجتمعتم في اي مجلس من حياتنا اليوميّة؟ الحلف في الضيعة او المدينة لا يُنتجه الدم يا صاحبي. يُنتجه الإخلاص الوطني الذي يلتقي بالمعرفة. في السياسة ايضا «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». كذلك لا يستوي الذي يحبّون والذين لا يحبّون.

انا لست أقول ان الأحزاب بالضرورة طاهرة ولكن ميزتها أنها لا تعتمد الدم أساسًا وحده. فيها أحيانا ما ليس من الفكر. طهّرها انت بما في قلبك من نقاوة وبما في عقلك من رجاحة وبما نزل عليك من الكتب. اختر مما لم ترثه من أبيك مما تعتبره من عالم القيم وحتى أُبسّط الكلمة مما نزل عليك من الأخلاق ليكون لك ضيعة او بلدة او مدينة قائمة على البهاء الإلهي، هذا الذي نرجو أن يُكلّلنا معا اذا التقينا لخدمة لبنان.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الديانة الشعبية / السبت أول أيار 2010

الدين يحتاج صاحبه ليحقّقه على أصوله الى معرفة حقيقيّة لجوهره ومصادره والى توازن نفسيّ كبير ورجاحة عقل. ولقّلة هذه العناصر ينحرف الكثيرون وينخدع الناس باولئك يُبدون حماسة كبيرة من أجل الله وتقوى ملتهبة ويكون هذا اذا راقبتهم جيدا من بشريّتهم لا من الله. يحتاج المرء الى عافية روحيّة نامية ليميّز بين ما يهمسه في قلبه اللحم والدم وما يوحيه الله مما قاله هو قديما ولا يقول غيره لأن لله كلمة واحدة عبر الأجيال اذ لا يتناقض فيه شيء.

هناك مشكلة مرتبطة بالتركيبة الدينيّة نفسها وهي أن الدين ليس مجرّد كلمة. إنه كلمة ذات تجسيدات او تعابير وأداء وتاريخ ورواية ولغات ما يجعلك تخلط بسهولة بين كيان الدين وأثوابه فتميل أحيانا الى الثوب أكثر منك إلى الإيمان الذي استعاره و«الإنسان بالإيمان يحيا» ولو اضطرّ بسبب صلاة الجماعة وعيشها وتنظيم الطائفة الى تجسيدات تكون سليمة أحيانا او غير سليمة احيانا. هناك طفيليات تنمو على شجرة الدين، هناك تراكمات لفظيّة ومحسوسات نافعة حينا وغير نافعة أحيانا ما يقرب الدين من الخيال البشريّ ما لم يجعل الإنسان ربه في الحقيقة سيّدا عليه. وبلا حكم ظالم على النيات يبدو لي أحيانا أن المسؤولين الروحيين يتهاونون مع الضعفاء الذين يغذّيهم خيالهم او يدفعهم الهوى الى تصوّرات لم تذكر عنها المصادر شيئا وجعلها الناس تراثا وما هي بتراث.

كيف تقرأ؟ هذا سؤال طرحه العهد الجديد، أي كيف تفهم ما جاء في الكتب المقدّسة. هذا سؤال يستتبع سؤالا عن الحرية. هناك نص ولكنك انت قارئه. في خضوعك للمراجع التأسيسيّة انت مرتبط بالنص ولكن على أساسٍ موضوعٍ في منهجيّة الفهم. من هنا الضرورة لوجود علماء وفي المسيحيّة وجود قديسين قريبين الى استلهام الله ولكن بالتأسيس على ما كُتب.

المسيحية على مستوى الفهم لا تعطي المكانة الأولى للعلماء ولكنها لا تحصر المعرفة بالأبرار. هناك لقاء وجدانيّ في الجماعة بين العقل الفاحص اذا استنار بالإيمان ومبرّات الفاحصين. بهذا المعنى ليست المسيحية دينَ كتاب فقط ولا هي الآن وهنا ذلك المجتمع المقدّس الذي لا ينعقد الا بعد القيامة في اليوم الأخير حيث نفهم كل شيء.
# #
#
العقبة الكبرى دون الفهم الحقيقي هي محسوسية المقدّس او ما يُعتبر كذلك. عند ظهور السيد للجماعة الرسولية في اليوم الثامن للقيامة كانت مشكلة توما مع المحسوس حتى تنازل اليه الرب القائم من بين الأموات فأراه جنبه المطعون وآثار المسامير وقال له: «طوبى لمن آمنوا ولم يَرَوا». أفهم جواب يسوع أنه يؤْثر الكلمة المقولة على المحسوس وطلب المحسوس الذي تتجاوزه بالإيمان الذي عرّفه الرسول بقوله: «واما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا تُرى» (عبرانيين 11: 1). كل آبائنا اعتقدوا أن ما كتبوه جاء من الإيمان الذي حفظه الكتاب المقدس وانتقل فهمه اليهم عن طريق التراث. وعندما يصمت الكتاب كليا عن شيء وفي غياب كل لفتة في التراث يكون أيّ تأكيد من طبيعة دينية اجتهادا حتى حدود المغامرة الاعتقادية ولا يكون معتقدا.

من هنا قوّة حريتي إزاء ما تؤكّده عندما لا أراه راسخا في القول القديم ولا أقدر أن استخرجه من العبارات، وعليك انت أن تحترم حريتي. في المسيحية هذه الطراوة والانفتاح يجعلانني أَسكت عندما لا أجد شيئا في ما تقلّدته من الأقدمين اذا كان فكرا او أسكت عندما تروى لي حادثة لست مضطرا على تصديقها. كما لست مرغما على تسمية كل خارقة أُعجوبة وذلك لتمسّكي بغير المرئيّ على حساب المرئيّ.

يتحدّثون مثلا عن رسائل من السماء بالسمع او بالفكر لست أعلم. لماذا هي رسائل متشابهة بالمضمون او باللفظ. انا لا أنكر حقيقة هذا المكتوب، وليس مطلوبا مني شهادة فيه، ولكن الكنيسة تتحفّظ في أكثر الأحيان وانا أتحفّظ معها. ويعجبني صمت الكنيسة الكاثوليكية عن معجزات تُنسب الى هذا وذاك من الذين يُلتَمس تطويبهم؟

القاعدة عندنا أن تصدّق عجائب المسيح (وهنا عندك حرية تفسيرها) لأنها مدوّنة في كتابٍ مضمون إلهيا. ولكن إن دعاك جارك أن تذهب الى حيث يقول إن العذراء تظهر، فاستعمل حكمتك وأنت لست بكافر إن لم تتحرّك.

أنا لست أُنكر حدوث معجزات بعد العهد الجديد ولكني أقول إن المعجزة اذا حدثت هي أساسا لمن شفته اي رسالة إلهية اليه. كتاب السنكسار (اي سِيَر القديسين) فيه على هذا الصعيد روايات لك ألاّ تقبلها لأن السنكسار كتاب تقويّ شعبيّ وليست له سلطة إلهية دامغة في كل مواضعه. من هنا أن كنيستنا تحرص على أن تنعت بعض القديسين فقط بالعجائبيين. وقد قدّست كنيستُنا في الماضي وفي الحاضر أُناسا بسبب طهارة حياتهم او عمق تعليمهم مع معرفتها أنهم لم يأتوا بعجائب.

ما يهمّني قوله أننا نؤمن بالتعليم المستقيم الرأي وبما يوافقه ونؤثر غير المرئيّ وغير المحسوس على المحسوس. هناك دستور إيمان وتراث يفسّره، ويختلف علماء اللاهوت في ما هو خارج عن هذا الإطار. مثال ذلك الحديث عن تحرّك النفس في اليوم الثالث واليوم التاسع واليوم الأربعين لا يُلزمني بشيء. أقيم المواسم وأصلّي في هذه الأيام مع تحفّظي على هذه التأويلات وقد جاءت في عدة كتب مطبوعة باللغات الأرثوذكسية، والتأويل ليس من الإيمان ولا يسوغ لأحد أن يقهر عقول الآخرين لكونه هو اعتنق هذه التفاسير.

الدين ليس موسوعة كُتِب فيها كل شيء. «فالحرف يقتل والروح يُحيي» (2كورنثوس 3: 6). عندما تظهر في الكنيسة حركات تكفيريّة نكون قد اقتربنا من الاستبداد. إن كان «في بيت أبي منازل كثيرة» (يوحنا 14: 2)، ففي مجرى هذا المنطق في الفكر المسيحي الذي لم تحدّده المجامع المقدّسة ايضًا منازل كثيرة. وفي ما يقال انه حادث بعد العهد الجديد عندك حجج وعندي حجج وقد دعانا السيد الى «حرية مجد أبناء الله»، والإرغام على تصديق ما يسمّى حادثا هو من باب خنق هذه الحرية. الروح القدس يضمن فكر القديسين لأنه ينقل اليهم فكر المسيح. وأما المحسوس بشريا عندك فقد لا يدخل في محسوسي أنا. حسبي أن أنقاد الى الكلمة التي نطق بها الروح.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مجد لبنان / السبت 24 نيسان 2010

في أي إطار روحي نضع الوطن؟ هو ليس ارضًا ينزل عليها مجد الله ولا يدخل في نطاق المقدس وما موعود به الى الذي يسكنه كائنا ما كان منشأه. هو إمكانية تحولها الى قدرة بولاء انت تقرره. له علاقة بالتاريخ تقرأه حسب ايديولوجيا لك. فمنّا من قال مثلا عن لبنان انه سكن الوجود منذ ستة آلاف سنة ومنها من جعلها أقل من ذلك بقليل. وحكاية الزمان تجعلك اقرب الى الاستكبار او ادنى الى التواضع وهي تحدد قربك او بعدك من مواطنين لا يحسون زمانا انت تحسه.الوطن في الأخير وليد تصورات وأحاسيس وانفعالات. أقول هذا من حيث الرؤية التي تختلف بين ذاكرة وذاكرة اي انك، في الواقع، تنشئ الوطن لا من الماضي ولكن من الحاضر وهو ايضًا متصوّر. الوطن يأتي من موقف لا من موقع. انه التزام اي انك تريد الوطن او لا تريده او تريده بمقدار. ومن هنا أقول انه صنيعتك وصنيع من يرى رؤيتك او يحس بخيارك وكل خيار ذاتي.

لسنا اذًا مع مقولة الموروث او الدائم وأقلهه مقولة الأبدي. ان كل ما يقرب الوطن من المطلق تقربه من الرب الأزلي وحده وتقيمه في ما لا يناقَش. دائما كانت تصدمني هذه العبارة: «انا اؤمن بالله وبلبنان». هذا العطف في ذاته كفر. ان مقولة الإيمان لا تغطي بقعة أرض فتعريف الإيمان كما ورد في العهد الجديد هو هذا: «الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه» (عبرانيين 11: 1). بربكم كفوا عن وضع لبنان في نطاق الإيمان. لبنان من هذه الأرض فقط. ومن خلط الله وبلدنا وقع في الشرك.

#   #

#

ما كان ليس في الاعتقاد يقع في مجال المحبة. تأخذ البلد الى قلبك كما هو بلا اسطورة ولا حياكات زمان اذ لا قداسة للزمان. ربما شعر كلّ منا بضرورة انتمائه الى أبيه. انا شخصيًا لست حساسا لهذا الشعور. لست حساسا للجذور.

أبدأ الآن. كلّ هذه السجالات القومية (فينيقي او عربي او سوري) سجالات تتضمّن ان الذين تعاطوها انما اختاروا زمانا لهم وجاؤوا الى انفسهم من الأرحام التي استهوتهم والإنسان السوي من انقطع عن رحم امّه ليثبت حريته في هذه الدنيا. الإنسان توّاق ان يضع في ذاكرته هوية اي ان يعرف عن نفسه بالـ «هو». انا ليس عندي هوية الا كوني حبيب الله. انا أنوجد بمحبوبيتي. عندما تعرف الكنيسة نفسها انها شعب الله لا تقول انها مجموعة شعوب قائمة اجتماعيا وسياسيا وبعد قيامها اختارت الله. ان عبارة «شعب الله» في اللاهوت المسيحي تعني فقط ان الله -لا الأرض- مكونها وهي تصير بنعمته وانعطافه عليها وقبل ذلك لم تكن. هذا هو المعنى نفسه الذي نجده في القرآن اذ قال: «كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر» (آل عمران، 110). اي اذا امرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر تصبحون خير امة. تتكون الأمة- بمعناها الديني- بشرط هو عمل الخير واجتناب المعصية.

في المفهومين الإنجيلي والقرآني ليس من هوية دنيوية او دهرية لأن الله وحده معطي الهوية. في الشأن الوطني لسنا اذًا في عالم المطلقات لأن الهوية مطلقة. نحن فقط في عالم العمل والتطبيق في المحبة. وضعتنا ظروف الحروب والاتفاقات الدولية وخبرة طويلة او قصيرة على بقعة من الأرض لها طقسها ومدنها وقراها وكتلها البشرية التي تعيش فعليا معا بكثير من الأمور المشتركة من مأكل وشراب ومنازل وهذه الشرائح منتصبة معا في الوجود اذ الوصية تقول: «لا تقتل». ولأن القتل حرام تفتش قلوبنا وعقولنا بما فيها من معرفة على وسائل السلام والنمو الدائم لأن كليهما تستبعدان القتل والإفقار والجهل وهذا كله يتطلب توقا من الحسن الى الأحسن فنصير بطريقة او اخرى امة إلهية.

#   #

#

نحن لن نختار التاريخ منذ آدم ولا نصطنع لأنفسنا امجادا ما لم نتق الى مجد الإنسان في ازدهار دائم. نحن يهمّنا الزمن الآتي والوطن جغرافية نرتضيها الآن لنطمئن الى السلام والحرية ولنا ابتغاء ديمومتنا ان ننفذ سياسة لا تحرمنا مبرر وجودنا على الأرض أعني السلام والحرية.

هنا يبدأ الجهد والدرس فنتكاثر ونعلم اولادنا ونعبد طرقنا وننقي مياهنا ونشجر جبالنا ونزرع سهولنا ونقيم بحيرات لنا من اجل تأمين زرعنا وفرح نفوسنا بالجمال. واذا لم يرد لبنان كل ذلك ولم يأتِ بدولة تفهم هذا يكون ضاحكا على نفسه. وما عدا ذلك سوق عكاظ.

وهذا يعني ان نسكن التفاصيل لأننا ان لم نفعل يسكنها الشيطان… وبدء البدايات للسيطرة على التفاصيل نزاهة الروح والفكر والمعاملة والكياسة والشجاعة معا في معاملتنا الشعوب. والطاهرون يفرضون أنفسهم مهما تعثرت أقدامهم في سيرهم الى الحقيقة والحب.

أعرف في كل شيء صعوبة التنفيذ. اعرف ان هذا يتطلّب وقتا غير يسير ولكن ما من خير ظهر في هذه المعمورة الا ان كان فيها خيّرون. لذلك بات لبنان مشروع قداسة وهي تملي شروط التنفيذ في كل مجال وهي تنير العقل اليه. واما ان تبقى هنا وهناك مجموعات لصوص او فاسدين وقلّة من الأطهار فالبلد لن يقوم.

قلما عقلنا ان القداسة تنشيء العمل وتنشىء السياسة وجعلناها حكرا على المتأملين بها. القداسة ام الإبداع في كل خير من الوجود. اجل نريد لبنان هيكلا وللهياكل امدادات. تسمو انت الهي القلب والقلب يطلق الأيدي الى العمل في الحداثة ووسائلها. اذا اهتدينا الى النقاوة فالمؤسسات ثمار والقوانين ثمار. يجب ان نعرف من اين نبدأ والى اين نريد ان نصير. انت تحصن النفس وبها يتحصّن البلد. والنفس اذا كبرت يكبر الوطن بها. هكذا يهبط المجد على هذه البقعة الصغيرة والجميلة التي تسمّى لبنان. واذ ذاك، يرث الأعلمون ونساك الفكر والنزهاء مجد لبنان.

Continue reading
2010, جريدة النهار

الحرية الدينيّة / السبت 17 نيسان 2010

سرّ الحرية أن الله خلق الإنسان تختلف حركته عن آلية الحيوان وأدائه إذ شاء إبداعه على صورته، وصورة الله عند بعض من آبائنا حريته، وبهذا لم يأتِ الجنس البشريّ في ما فيه إرادة من طبائع الحيوان. الغرائزية المطلقة ليست من عالم الإنسان. هناك تحريك لها او ضبط لها او إشراف عليها. اذا قبلنا أن الإنسان فصيلة قائمة بنفسها تمتاز أولاً بحرية الاختيار، نجرؤ على القول إن هذا يستتبع اختيار الإنسان لدينه اي لقبوله او تركه، ويستتبع احترامنا لهذا الاختيار قبولا او تركا، وهذا ما نسمّيه الحرية الدينية التي تتضمّن التبشير او الدعوة.

حرية البقاء على دين والدك او رفضه ناتج عن حبك للحقيقة، ولا حق لإنسان أن يرغمك على رؤيته هو للحقيقة. لا يستطيع مخلوق عاقل أن يقول للناس أنا إفكّر عنكم. لم يعطِ الله احدًا تفويضًا في أن يتحكّم بضمائر الناس أي أن يدخل عقله عقولهم وكأن خيارهم ليس من عقولهم.

أنا أفهم أن يرى حاكم من حكام هذه الدنيا أن دينه صحيح، ولكني لست أفهم أن يُلزم الناس به اذ يكون، عند ذاك، مقتحمًا لعقولهم أي لاغيا قرار اعتناقهم لدين آخر. «لا إكراه في الدين» أقبلها قولا أبديا، نهائيا لا يُلغيه اعتبار آخر، قولا سباقا لكل قولة تشبهه في الكلام التشريعيّ الحديث من هيئة الأمم المتحدة صدر أَم من فلاسفة الأنوار وما تبعهم من ثورات.

الفلسفة السياسيّة التي انبثقت عن هذه الثورات او بثقتها هي التي أتتنا فعليا بالحرية الدينية حسبما يعلّمون اليوم مع أن أول من شرّع الحريّة الدينيّة هو الامبراطور قسطنطين الكبير، وهو بعد اهتدائه الى المسيحية لم يبطل حرية الوثنيات المتفشّية في الامبراطورية الرومانية، غير أن الموقف الذي أدافع عنه هنا ليس مؤسسا على الفلسفة السياسيّة.

# #
#

قد تكون الحرية الدينيّة ظهرت في العصر الحديث يدافع بها الإنجيليون (البروتستانت) عن كيانهم في الدول الكاثوليكية وتلقّفها الفلاسفة وواضعو الدساتير في الدول المتحضّرة. ليس دفاعي عن الدساتير. إنه طاعة لله. ربما استعرت صورا من الفكر المسيحيّ لأنقل تعبيريا قرآنيا: «لا إكراه في الدين». الفكر المسيحي في هذا الصدد قائم على الوحدة الكاملة بين ما تؤمن به بالقلب وما تعترف به باللسان ولا يشرف أحد على قلبك ولا يسود عليه لأن الله وحده مالكه، واذا لم يكن من ثنائية بين القلب واللسان، واعتقدت من عمق كيانك أن الله ينطق في قلبك، لا تستطيع أن تُلغي قلبك ليقول لسانك كاذبا ما يقوله القويّ الذي يمنع عنك الصلة بين الباطن والظاهر.

انت لا تستطيع أن تُصمت الألسنة اذا قالت لك انا معبرة فقط عمّا نقلته اليّ القلوب. وانت لا تقدر أن تُخضع القلوب لقلبك اذ ليس عندك دليل حاسم على أن كلمة الله في قلبك وليست في قلب آخر. فلأن القلوب يبصرها ربك ولا تبصرها عليك أن تقبل قرارها.

هذا يحتّم التعدّد الدينيّ. هناك تاليا مواقف في الدين مغلوطة الله وحده يصحّحها والدعوة تصحّحها او تؤذيها، ولكن الغلط مع القناعة أفضل من الإكراه لأن الغلط بشريّ والإكراه ليس إنسانيا.

أين الحكم من كل هذا؟ جوابي أن المجال الديني لا يدخل في الحكم الذي هو بطبيعته قسريّ، والقسرية هي الاستبداد. ليس للحكم حكم على القلوب. له أن يتدخّل اذا آذى دين من الأديان بسبب من تسيّسه الأمن او الاستقرار او كان كان سببا للاصطدام بين أتباع الأديان. وسيلة الحكم ليست الاصطفاف في دين ولكن حفظ الأمن. يكون قد بقي، اذ ذاك، في مجال السياسة.

الدولة لا تستطيع أن تكون دينيّة. الدين هو الأشخاص او في الأشخاص، والدولة متفرّجة عليهم. أنا لست أناقش الأديان التي تقول إنها تبتّ ايضًا أمور الدنيا. هذا من باب الرأي ورأي هذا وذاك آخر. قد يتناقش علماء الأديان. هذا لهم، وليس في هذا ضرر إن عصمنا القلم واللسان عن الشتم والتقبيح. هناك أسلوب أكاديمي في النقاش وهذا يوسّع المعارف، ويعطي إطلالات من لاهوت على لاهوت، ويمكّن من الحوار، والحوار يجعلك تقتبس ما شئت من القول الآخر كما يجعلك أن تردّه بتهذيب.

الحوار فيه نقاش، ولكنه ليس بالضرورة سجالا حادّا، ولا هو بالضرورة منافٍ للسلام. أعرف أن ليس بين الأديان انصهار، ولكن المجتمعات لا يُطلب منها أن تكون منصهرة على كل صعيد. يوحّدها الماء والخبز والكهرباء والطبابة ووسائل العيش كلها، وهذه في العقل العصريّ مقبولة معاييرها ومتّفق على الكثير منها. اذا كانت هذه مؤمّنة، يكفي الدولة هذا التأمين، وتصلّي على طريقتك وآخر على طريقته. وقد يأتي يوم يرى فيه الإنسان أن طريقته لا تذهله كما كانت تذهله في الماضي. هذا أمره مع ربه أي هذا تحرّك ضميره، وانت لا تقدر أن تعطّل ضمير آخر فإنك إن أرغمته فكأنك تقول إن ضميرك وحده هو حق، وتكون بذا قد ألغيت الآخر وصرت مستبدّا، وهذا يعرّضك الى استعمال العنف.

عليك أن تختار بين العنف والحرية الكاملة. بحيث إذا اخترت العنف لا تُسكت فقط الألسنة والأقلام ولكنك تمنع القلوب من أن تُحسّ كما شاء لها ربّها أن تُحسّ. الله يسمح (ولا يأمر) أن تُحسّ خطأ لتكتمل كرامة الإنسان.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

تاريخ واحد للفصح؟ / السبت 10 نيسان 2010

منذ سنوات عديدة أسمع مسيحيين من كنائس مختلفة يتمنّون اتّفاقا على تاريخ واحد للعيد ويضيفون الى هذا أن هذا التفاهم يوحِّد. خشيتي أن يكون الكثيرون مقتنعين أن ليس بيننا خلاف غير هذا. والأخطر من هذا أن الكثيرين يذهبون الى أن العقائد التي تُفرّقنا صناعة اللاهوتيين وأن الأساقفة أو بعضهم مهدّدون بخسارة ما تسمّيه العامة مراكزهم مع أن الكنائس مقتنعة أن الكنيسة في حال توحّدها لن تطلب الى أسقف أن يستقيل والأساقفة قلّة في العالم عزيزة.

من هنا إحساسي أن الإلحاح على وحدة التاريخ عند بعضٍ تُخفي موقفًا من العقائد خافضا لأهميتها وهي تفوق موضوع العيد الذي هو على مستوى أدنى من مستوى العقيدة ما في ذلك ريب.

وحدة الوجدانات المسيحية تبدو لي مقاربة لمشكلة الوحدة المسيحية من أضيق زاوية او من زاوية مَن يجهل أن هناك سلّة من الخلافات الأفضل التصدّي لها معا.

الخلاف على يوم الفصح كان معروفًا في القرن الثاني لمّا كانت الكنيسة واحدة. في آسيا الصغرى كانوا يقيمونه في 14 نيسان وفي الاسكندرية وروما يوم أحدٍ فحاولوا ضمن الوحدة أن يُثبّتوا تاريخا واحدا فأتى هذا يوم أحدٍ. رأوا أن التوحيد أفضل ولكن اختلاف اليومين ما شكّل بينهم خلافا.

ماذا أفادت وحدة التاريخ للعيد بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الإنجيلية وبقيت الخلافات على أشدها خلال أربعة قرون ونيّف. عندما اختار الأرمن الأرثوذكس في العشرينات من القرن الماضي التاريخ الغربي هل اندمجوا بالغرب على صعيد العقيدة؟ طبعا لا. وصعوبة انتقائهم لتاريخ واحد معنا تأتي من وحدتهم الكاملة مع كنيسة أرمينيا في الوطن الأمّ. أرمن لبنان والمشرق العربي لن يتبنّوا يوما دون التشاور مع كنيستهم الأمّ، ولذلك لن يشمل توحيد التاريخ في لبنان الإخوة الأرمن.

# #

#

الفصح له قاعدة وضعها المجمع النيقاويّ (المسكونيّ) المنعقد السنة الـ 325 والقاضي بأن نبدأ حساب العيد من الاعتدال الربيعي الواقع في 21 من آذار، ثم ننتظر البدر اللاحق له، والأحد بعد البدر يكون العيد، وثبّت الاجتماع المسكونيّ المنعقد في حلب السنة الـ 1997 هذا المبدأ القديم.

بعد إصلاح البابا غريغوريوس الثالث عشر للتقويم اليوليانيّ في السنة الـ 1582، ذلك الإصلاح الذي لم تقبله الكنيسة الأرثوذكسية، صار الـ 21 من آذار اليوليانيّ (الأرثوذكسيّ تطبيقًا) غير الـ 21 من آذار الغريغوريّ الذي تبعته الدول. وتاليا صار الكاثوليك يتبعون آذارهم وينتظرون البدر ليعيّنوا العيد بعد «بدرهم»، وصار الـ 21 من آذار الأرثوذكسي يقع في هذا القرن 14 يوما بعد ذاك وينتظرون هم «بدرهم» ثم الأحد الذي يليه وهو فصحهم.

فحسب حركة القمر يكون لنا تاريخان للعيد او تاريخ واحد بحيث اذا اقترب البدر من 21 آذار الغريغوري يكون على الأرثوذكسيين أن ينتظروا البدر الآخر ليجعلوا عيدهم في الأحد الذي يليه، ويتباعد هكذا الفصح الأرثوذكسي. وأما إذا تباعد القمر عن الاعتدال الربيعي الغريغوري يكون العيد في يوم واحد. المشكلة تكمن اذًا في أن الكثلكة تبنّت التقويم الغريغوري، والأرثوذكسية لا تزال على التقويم اليولياني الذي تركته روما في عهد البابا غريغوريوس الثالث عشر.

يبدو لي أننا اذا تمسّكنا بقاعدة المجمع المسكوني الأول أي الاعتدال الربيعي ثم البدر الذي يليه لا بد للأرثوذكس أن يتخلّوا عن التقويم اليولياني. هذا يتطلّب تفاهم كل الكنائس الأرثوذكسية في مجمع عام لها او تبادل الرسائل بين رؤسائها، وهذا يبدو عسيرا في الوقت الحاضر لأن القرار الأرثوذكسي وإن صدر قانونيا عن رؤساء الكنائس الا أن هؤلاء يراعون شعور شعوبهم، وفي اطّلاعي على مشاعرها لا يبدو لي أنها متحمسة للتغيير. انها مؤلّفة من رعايا وأبرشيات أدنى هي الى التمسّك بتراثها وتُحسّ أن تاريخ العيد هو جزء من تراثها. البطاركة ورؤساء الأساقفة عندنا ليسوا أسيادا على شعوبهم بصورة مطلقة بسبب من نظامها الذي ينسق بين الإكليروس والعوام.

ذلك أن الكنائس الأرثوذكسية في واقعها التاريخيّ منصهرة في الواقع مع إثنيات، وفي البلقان إثنيات كاثوليكية مثل كرواتيا جرت دماء بينها وبين الإثنيات الأرثوذكسية. هذه هي تركيبة أُمم مختلفة لا يبدو أنها مهيأة لتغيير تحسّ به أحيانا أنه مخالف للعقيدة. انت تتعامل مع شعوب ولا تتعامل فقط مع كنائس. انا لا أتوقّع اذًا انقلابًا سريعا في الشعوب الأرثوذكسية.

يبقى أن التغيير اذا تعذّر في الوقت الحاضر ممكن على الأصعدة الإقليمية.

# #

#

هذا ما رآه البابا بولس السادس في الستينات من القرن العشرين أثناء انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني فسمح للأقليّات الكاثوليكية في البلدان التي أكثرها أرثوذكسي أن تتبع الفصح الأرثوذكسيّ، وعلى هذا سار المسيحيون الكاثوليك في مصر والأردن وفلسطين المحتلّة. ودرس هذا الأمر موارنة لبنان وأوشكوا أن يعيّدوا مع الأرثوذكسيين في اجتماع عقدوه في قبرص. وأذكر أن بطريركيّتهم أعلنت انها ستطلق استفتاء لدى الشعب الماروني حول هذا الموضوع، ولكن يبدو أن هذا الاستفتاء لم تقم به هذه البطريركية او قامت به ولا نعلم نتيجته.

ثم قالت الأدبيات الصادرة عن بعض من علماء الكنيسة المارونية أن الموارنة في لبنان ليسوا بأقلية وأن سماح البابا بولس السادس لا ينطبق عليهم. لم تُجادل البطريركية الأرثوذكسية هذا الموقف. ولكن الكلام الذي سُمع من أفواه أرثوذكسية مختلفة أن لبنان ليس وحدة كنسية ولكن الوحدة هي المدى الأنطاكيّ، أي عليك أن تعتبر أن الكنائس قائمة كل منها في الحيّز الأنطاكي القائم في سوريا ولبنان معا. واذا اتّخذنا هذه القاعدة تنطبق أمنية البابا بولس السادس بأن يعيّد كاثوليك المنطقة السورية-اللبنانية وفق النظام الأرثوذكسي.

إقليميا حتى الآن نحن في مأزق. على الصعيد العالمي غير معقول أن الأرثوذكس المحليين (في سوريا ولبنان) ينفصلون في تعييدهم عن الروس واليونانيين على مختلف بلدانهم والبلغار والصرب وغيرهم ليختاروا يوما لبنانيا للعيد. دعاة توحيد تاريخ العيد في مناطقنا كثيرون. الأرثوذكسيون يقولون-في تصوري- لكاثوليك الشرق: الأُخوّة بيننا تقضي عليكم أن تعيدوا معنا ما دام أُعطي لكم السماح، ويضيفون افهمونا يا أحباء إذا قلنا إننا لا نستطيع أن ننفصل لهذه القضية عن إخواننا في العالم الأرثوذكسي. وانتم لا تتراجعون عن شيء اذ صدر الأمر من مرجعيّتكم الأولى. ليست ماهيّة أحد في الكنيسة مرتبطة بتاريخ عيد، والتوحّد في تاريخ واحد يعتبره الشعب المسيحي كله تعبير محبة أخوية. فلنعش هذه المحبة على الصعيد الإقليمي ان لم نستطع عيشها الآن على المستوى العالمي.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

يا عشقي المصلوب / الجمعة 2 نيسان 2010

يا يسوع، «يا عشقي المصلوب». انت معلّق على خطايانا قبل أن رفعوك على خشبة. قتلتك خطايانا فيما كنا نلهو بها. نُبصرك الآن «لا منظر لك ولا جمال فنشتهيك» مُدمّى، مطعونا ولكن غير مكسور، موضع محبّة الله. تدين معاصينا بجسدك ولا تديننا لأن قلبك لا يحتمل أن يموت فيه انسان. نحن مشرّدون يا سيّد. لقد مددت ذراعيك كي تضمّنا فتُعيدنا الى أبيك إنسانية واحدة مطهّرة كي لا يلفظ حكمه فينا يوم الدينونة. انت تقول له: ما لهم وللموت. اغفر الزلات للكاذبين والسارقين والقتلة لأنك تحبّهم كما تحب الطاهرين. جميعهم أبناؤك وجميعهم إخوة لي. انت كلّهم تحضنهم بالرحمة وما من واحد يَخلُص الا بهذه الرحمة. انت أوحيت للتلميذ الحبيب: «الله محبة». هذا فهم أن المحبة هي انت ومن أحبّ تكون انت ساكنه. ومن كفر تكون ايضا ساكنه. تطلب اليه فقط أن يؤمن بغفرانك وإيمانه. هذا يُرجعه اليك. تغفر له لأنك تشتاقه في كل حين.

انك تشتاق اليه لكونه وليد محبّتك التي لا تريد أن يطرد منها احد. فإذا نسيها ماذا يبقى له في الذاكرة؟ كبارنا قالوا إنك أوجدتنا كي لا يبقى حبك أسير كيانك. يا أبتاه، انت إله يمتدّ، يضمّ وبعثت بي كي يعرف الإنسان ذلك فيحيا ويعرف انه نسيب الله. انا بتّ عشيره حتى موتي فلا يعرف كما كان الأوائل انك فوق وانه تحت. ليس من مدى بينك وبينه. كان يعرف القدامى انهم مقرّبون. لما عرفوني انا باتوا يعلمون أن نعمتك جعلتهم افضل من ذلك. عرفوا انهم بك لصيقون. وهذا اقتضى جرحي. لقد أمرت بجرحي حتى يُحبّوك فيُشفوا. واذا شُفوا غنّوك واستلموا الفرح. والفرح هو السماء.

انت ما أصعدت احدا اليك الا لمّا أنزلتني اليهم. انهم سيصعدون معي بعد قليل ليتمّ فرحهم فينا فينكشف لهم ملكوتك. قلت لهم انه فيهم ثم ترجمت لهم ذلك بموتي.

يا يسوع خذني الى هذا الحب الذي تُكفر به ذنوبي كل يوم. لا تجعلني أرى غير وجهك لأن كل وجه آخر يلهي. احصرني في محبتك حتى لا تدغدغني أهوائي فيرى الناس نورك مرتسما على وجهي، ولكن عرّفه أن هذا النور ليس منه ولكنه مسكوب عليه بحنانك. انت اختلطت بنا لنذوقك والعلاقة بيننا وبينك بعد أن أتممت العشاء الأخير انك أعطيتنا ذاتك بشكل خبز وكأس حتى نجوع اليك دائما ونعطش اليك اي حتى تزول المسافة التي كانت بيننا وبين أبيك.

#   #

#

واذا دخلت الينا بهذه الصورة لا نظل حاسبين اننا اخوة باللحم والدم اللذين نحن بهما فبتنا اخوة بروحك نحن لا نأخذك الينا فقط. انت تخطفنا اليك. انت تظهر ان هذا الذي نتناوله على مائدة الخلاص هو اياك الجالس عن يمين الآب.

نحن نرى هذا بأن ذراعيك الممدودتين على الخشبة تضمّاننا اليك والى أبيك بقوة روحك. نعود الى ذراعيك حتى لا نتشتّت في دنيانا وقد أصبحت انت دنيانا حتى لا نتلهّى بسواها فنضجر ونموت.

لقد قلت مرة: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». نعرف أن هذا شاقّ على قوانا ولكنا نؤمن انك تحمل شقاءنا فنتعزى بكل كلمة خرجت من فمك. وكذلك قلت: «انتم أنقياء بسبب من الكلام الذي كلّمتكم به». أن نسمع فقط الى ما قلته ولا نستمع الى سواه هذا يجعلنا خلائق جديدة. من بعد هذا ننبسط في ملكوتك. سُد علينا يا يسوع لنطمئن الى أن سلامك فينا. هذا سلام تعطيه انت من جراحك فتشفى بها جراحنا فلا نرقد رقدة الموت.

الحياة الجديدة التي دعوتنا بها صارت فينا وتصير اذا حفظنا وصاياك. إن هربنا من وصاياك نسعى الى سراب فعدم. لا ترمنا يا رب في العدم الذي ليس فيه كلامك. انتشِلنا دائما من هوى السقطات التي تحوّلنا عن رؤية صليبك فتميل نفوسنا الى كلام الخديعة. والخديعة هي «شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الوجود». هذه كلها ميتات نعرفها تعطّل فاعلية صليبك فينا.

نريدك يا سيد، لا تُخزنا ولا تجرّبنا بذوق المعاصي. انت جعلت القديسين لا يردونها. ونحن نسلك كأن القداسة عبء او كأنها مستحيلة. حوّلنا الى ما تشتهيه لنا انت حتى لا يكون لنا مشيئة غير مشيئتك فنتّحد بك في الصميم. قوّم أفكارنا لكي لا نخطئ فكرك، نق نياتنا لنتقبّل بفرح ما تنويه لنا، وهكذا نصبح عشراءك حقا. لاصقنا في ضعفاتنا نفسها نلصق بك فنستمدّ قوّتك ولا نخشى الموت.

يا سيدي أبعد عنا كل شبح يأتي إلينا من مملكة الموت وأهلنا اذا ما اقترب أن يلقانا الآب بقوة قيامتك. لا تطرحنا من امام وجهك في ساعتنا الأخيرة حتى لا تُداهمنا الظلمات. أوضح لنا أن فراقنا هذه الأرض إنما باب احتضانك. روّضنا على ذلك كل حين فإذا ما عرفنا اقتراب هذا الفراق نُدرك أننا لسنا مقصيّين عن وجهك. وجهك يا رب، وجهك عزاؤنا في عالم التعب. لا تسمح بأن نيأس من إمكان دنوّنا اليك لأن هذا يكون الموت.

#   #

#

ادعُ كل من مات في ساعة موته اليك لأنه إن لم يسمع صوتك يبقى أصمّ. اكشف له وجهك لكي يقبل حضن أبيك. كل الذين يموتون يدخلون برحمته. هذا قاله كبارنا الذين تروّضوا في الجهاد. أمك لا تطيق أن يُقيم أحد في النار. وقد قلت انت عند نزاعك للتلميذ الحبيب إنها أمه ففهمنا أنك تريدها أمّا لكل تلميذ حبيب. هي لا ترضى بموت أحد الى الأبد. فاذا خلصوا جميعا يرتدون ثوب مريميّتهم. هذا هو عرس قانا الجليل، سيدي.

هذا العرس كان صورة عرسك مع الإنسانية البارّة بالدم. هذا إياه سيكون العرس الأبديّ اذا جمعت أحباءك من كل أصقاع الدنيا فتنتهي آلامهم ويطربوا بك. الذين خطفتهم اليك سيتبعونك فوق حيث تسير.

كل ما عندنا هنا من صلاحك تهجئة لهذا اليوم الأخير. القيامة التي حقّقتها من بدء آلامك وذقنا منها قيامات بحنوّك سنراها قيامة أخيرة لنا ايضا اي جمعًا للإنسانية المصطفاة الى حبك. بعد هذا نعزف مع الملائكة على قيثارات الظفر، وكل لحظة من السماويات تكون فينا ترتيلة جديدة.

وهذا كله سيكون في السماء صدى لبعد ما نقوله بعد يومين هنا: المسيح قام.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

دخول السيد الى أورشليم / السبت 27 آذار 2010

هذا هو دخول السيد الأخير الى أورشليم «قاتلة الأنبياء والمرسَلين اليها»، والذي نقيم ذكراه غدًا. يسوع عالم بمكيدة اليهود، وهذا ذُكر غير مرة في الأناجيل. في ايماننا ان المعلّم تطوّع لموته وان كان قتيلا سياسيا. أما قال قيافا: «ان يموت رجل واحد فدى الشعب خير لكم» (يوحنا 18: 14). هذا الدخول الى أورشليم، الذي بدا ظافرا وموضع ترحاب من الأمة وأطفالها، كان طريقا الى الموت. «ألا أشرب كأس الآلام التي جعلها لي الآب»؟ (يوحنا 18: 11).

يسوع الناصري على وداعته كان صداميا بامتياز. ومن درس الإنجيل جيدا يفهم ان هذا الصدام لا بدّ من ان ينتهي بكارثة. كيف انسان فقير أعزل لا يحميه أحد يقاوم رؤساء الكهنة والعلماء وحزب الفريسيين النافذ بكل هدأة فيه وشراسة عند الأعداء الذين أظهروا قدرتهم في تحدّي الوالي حتى أجبروه على قتل يسوع!

يدخل المدينة المقدسة عالما انه يقدّم نفسه ذبيحة، ولكن عالما ايضًا انه يطلق بهذا الانصلاب المحبة في العالم ونموذجا لشهداء الله المسحوقين في كل الأرض، الفصيحة دماؤهم ابدًا.

دم الناصري قال لنا: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد». للمرة الأولى فهمت البشرية ان الله ليس إله جيوش ولو كانت جيوش الشعوب التي تحسب انها خصيصة الله. عند الناصري دمه كان فقط لغة محبته للعالم. اقتضت المحبة ان ينزل ابن الله نفسه الى العالم ليقول للناس ان طبيعة إلهه تضطره إلى ان يبلغهم بالدم انه يحبّهم.

ما ضاع وقت يسوع بين يوم الشعانين (عيده غدًا) ويوم ذبحه. لا مجال هنا لذكر كل ما صنع في هذه الفترة القصيرة، ولكنها مليئة بإطلالات له بليغة من اهمها انه «طرد جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل. فقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام»، هؤلاء الذين يجعلون الهيكل مغارة لصوص. اللص ليس عنده مقدس. يأخذ مقاما له في الكنيسة او في الدولة. هل نطرد نحن اللصوص من كل مقاماتهم؟ هل نحن حريصون على قدسية الدنيا في كل مجالاتها ام استرخينا لاعتقادنا ان لا مجال لمكافحة الفساد؟
# #
#

إطلالة فريدة اخرى هي غسله أقدام تلاميذه في العشاء الأخير. هنا يضعنا يوحنا في السياق الفكري لهذا العمل: «وكان يسوع يعرف ان الآب جعل في يديه كلّ شيء وانه جاء من عند الله والى الله يعود. فقام من العشاء وخلع ثوبه وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صبّ ماءً في مغسلة وبدأ يغسل أرجل التلاميذ». ثم فسّر لهم ذلك: «واذا كنت انا السيد والمعلم غسلت أرجلكم، فيجب عليكم انتم ايضا ان يغسل بعضكم أرجل بعض». معنى ذلك على الدوام ان كل كبير منا لا يكتمل كبره الا اذا احسّ بنفسه انه على مستوى اقدام البشر جميعا، لأن الكل بلا استثناء افضل منه، واذا لم يشعر بذلك ليس خصيص المسيح. ذلك لأننا وجدنا لنخدم كل انسان حولنا خدمة كاملة حتى منتهى الحب. هذا وحده ينجينا من كبريائنا.

لعل أفصح إطلالة ليسوع الباقية في الكنيسة الى الأبد والمتخذة معناها من موته وقيامته إطلالة العشاء السرّيّ التي يرويها لوقا هكذا: «وأخذ خبزا وشكر وكسره وناولهم، وقال: هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم، اعملوا هذا لذكري». وكذلك الكأس ايضًا بعد العشاء، فقال: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم». هذا صار، عند المسيحيين، القداس. لقد أراد يسوع ان يعقل فاعليّة موته وقيامته بهذه الصورة. ومعنى كلامه الذي لا يحتمل معنى آخر انكم اذا أتممتم هذه الرتبة في اجتماعكم يوم الأحد تصيرونني وأصيركم. هذا يفهمه من يستطيع القول: «انا من أهوى ومن أهوى انا».

ما يبرر هذه القراءة ان الجسد في الحضارة العبرية يدلّ على الشخصيّة ذاتها. ان تأكلوا جسدي يعني ان تأكلوني انا، ان تستدخلوني ذواتكم فلا يبقى من مسافة بيني وبينكم. لا مجال هنا للرمزية او الاستعارة ولدلالة للجسد ليست دلالته العبرية. انتم في القداس الإلهي تأخذونني كليا.

واذا قال دمي، فالدم عندهم هو الحياة. المعنى ان حياتي كلها تصبح حياتكم وحياتكم حياتي. هذه تبدو مائدة على الأرض الا انه هو القائل: «وانا أعطيكم ملكوتا كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي».

إطلالة المسيح بالقرابين المقدسة هذه لا يستنفذ معناها الا في خطبة الوداع التي تبدأ من الإصحاح (او الفصل) 14، الآية 31 عند يوحنا حتى نهاية الإصحاح السابع عشر، وهي تتحدث مليًّا عن علاقة يسوع بالآب والروح القدس كما تتحدث عن علاقته بالمؤمنين به. اظن اني لا اتجنّى على العهد الجديد ان قلت ان خطبة الوداع ذروته، ولو كان هو كله فيها. هنا تقرأ قوله: «انا هو الطريق والحق والحياة». هنا تفهم طبيعة المسيح: «من رآني رأى الآب»، ولا معنى تاليا للجدل حول الطبيعة والطبيعتين. هذا السجال عرفناه اليوم انه جدل لفظي فقط، اذ ما من مسيحي لا يؤمن ان من رأى المسيح فهو يرى الآب، اي ليس من مسيحيّ لا يؤمن ان مسيحه إله تام وإنسان تام.

الى هذا كلام صعب على السلوك: «اذا كنتم تحبوني عملتم بوصاياي». ويتردد هذا الكلام بصيغة او بأخرى. كل معنى القرابين المقدسة في قوله: «اثبتوا فيّ وانا فيكم». هذا يتضمّن ردا على كل من حسب ان المسيحية روحانية فقط ولا تتعلق بهذه الأرض. سؤالي: هل الأرض تتعلق بالأرض ام أن الأرض تأتي بها السماء؟ ما السلوك سوى إسقاط السماء على الأرض؟ ان لم تصل الى اعتماد خطبة الوداع تكون انت المسيحي مقيما طقوسا وبانيا أبنية كنائس ويكون كهنتك لابسين لباسا خاصا، وببساطة تكون على ديانة شكلية لا علاقة لها بالأنوار الساطعة من الله والحب النازل عليك من قلب المسيح. اذا غدوت ساعيا الى المسيحية في دسمها، فهذا هو الدسم.

# #
#

كل آلام المسيح، التي لن أتكلّم عليها اليوم، مرتبطة بهذه الخطبة. ما حدث للسيّد متصل بما قاله. وما قاله يكشف معنى الأحداث التي شاءها لنفسه. كل حنان خطبة الوداع سيظهر في عذابه وصبره وانخطافه الدائم الى الآب قبل انخطافه الأخير وفي انخطافه.
هنا افهم ما قاله بولس لإحدى الكنائس: «لست أعرف بينكم الا المسيح واياه مصلوبا» (1كورنثوس 2: 2). حدث الصلب ان لم تجعله معنى فيك يبقى ضعيفًا. كل شيء عندنا معنى الا وهو انكشاف الله في الإنسان المسمّى يسوع الناصري. به تظهر الألوهة غير نظرية، قائمة فينا على تعاليمها وضامنة لفصحيتنا.

الفصح هو هذا العبور الدائم من عثراتنا الى وجه الله، ذلك العبور الذي كان محققه في التاريخ المسيح في جسده وفي كلامه. قيامته هي التعبير الفصيح عن انه قام حيا من بين الأموات لكي لا يبقى للموت فاعلية في الوجود البشري، لكي نصبح نورا والكون من بعدنا نورا.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مكانة المرأة / السبت 20 آذار 2010

سريعا سأتناول دور المرأة في الحياة العامة لأقول توّا إنها مؤهّلة لرئاسة الجمهورية ومقاعد الوزارات والمجلس النيابي ووظائف الفئة الأولى لسبب هو غاية في البساطة وهو اكتشاف العلماء أنها معطاة ذكاء كاملا ليس أدنى من ذكاء الرجل. والقول إنها كائن «اللطف» بامتياز لغو. قوّتها تذهب بها في غير بلدٍ اليوم الى انها تُعيّن وزيرة دفاع اي انها مطّلعة على المدفع والدبابة والطائرة الحربية ولو كان مديرها العام هو التقنيّ.

الى هذا -وبعد اعتقاد الناس في أيام شبابي- أن الشابة مؤهلة للموسيقى والرسم والخياطة والتطريز صارت في الجامعات أقدر من الفتى في الرياضيات وأحيانا تفوقه في الأدب.

لست أودّ أن أبحث في كل مؤهلاتها. هنا يعوزني الاطّلاع. ولكن في معظم العلوم هي قادرة في الحياة العامة، في الإدارة والمال على أن تضطلع بكل المسؤوليات. ولذلك وجب -على هذا الصعيد- ألا نتكلّم على دور المرأة ولكن على دور الإنسان المثقف كائنا ما كان جنسه.

ليس عندي فكرة واضحة عن الكوتا النسائية في انتخاب كل المجالس اذ المرأة في لبنان -على حدّ معرفتي- دون الرجل علما، فقد لا يكون تكافؤ في مستوى النقاش. لذلك أفهم أن يؤخذ المستوى العلمي بعين الاعتبار مع أن هذا ضد الديموقراطية. فإذا تبيّن لنا أن المستوى واحد بين الجنسين على وجه التقريب فلترتفع الكوتا النسائية كثيرا. ذلك أن النسوة حتى الآن في لبنان مزينات بشيء من عفّة اللسان والحشمة مما يجعل المجالس المنتخبة أرقى في أخلاق الكلام وربما أرقى في الرقّة والتواضع.

وربما كانت هذه المجالس أمكنة لتصحيح أوهام الرجال عن النساء. فهنّ عند الكثيرين منهم على شيء من الدونيّة وهن أضعف. واذا اكتشف الرجل المعرفة عند زميلته وبات أعظم تقديرا لها يقوى احترامه لزوجته والقريبات منه.

يجب أن نتحرر من تصوّر المرأة ممرضة او معلّمة وما الى ذلك لممارسة ما طلبه بولس في كلامه عن الخضوع المتبادل بين الناس (أفسس 5: 21).

# #
#
إن شيئا من رؤية الرجل الى المرأة على أنها كائن اللذة لا بد أن يصحّح إن رأى أنها كاملة العطاء وكاملة القدرة في نطاق خارج عن الجنس. اذا رآها موهوبة في كل الحقول او معظمها، يرى كل إنسانيتها ولا يبقى مهووسا بالجنس عند عودته الى بيته. قال لي مرة الأب ديمتري ستانيلوايه الرومانيّ، وكان من أعظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين، عندما كنت أتمشى في شوارع بوخارست، وكان كاهنا متزوجا، قال إن الزواج يخفف من وطأة الجنس اذ يجعله يتكامل ووجود سقف واحد وأولاد وعمل. أبني على فكرته هذه لأقول إن المشاركة في الحياة العامة تقوّي التوازن في الحياة العائلية فلا يُنفق عليها كليا فيسيطر ولكنهما ينفقان معا على أهل البيت. ما من شك أن من أعطاك من ماله اذا ضعف روحيا يستكبر فيطغى.

والحياة ليست كلها في الزوجية ولكنها اولاً في ذاتية الرجل وذاتية المرأة. في شبابي منذ خمسين او ستين سنة كانت الفتاة يلقّنها ذووها منذ طفولتها بأن ذروة حياتها عرسها، فكانت تغنج وتتبرّج «تبرّج الجاهلية الأولى» كما يقول القرآن وتحيا للسحر الذي كانت تغذّيه في مسلكها. التبرّج نعرفه من قبل العصور التاريخية. وما كانت صياغة المصريين القدامى أقلّ جمالا من صياغة اليوم. ولكن أن يكون التزيّن طاغيا على المرأة فهذا يجعل اهتمامها بالفكر والعمل ضعيفا. واجب علينا للجنسين أن نجعل كل طاقاتهما متكاملة ليأتي توازن الطاقات أعظم صحة وفي النهاية أكثر خلابة.

أنا ما دعوت الى التساوي فالتكامل هو الصحيح لأنه ثابت عند العلماء اليوم أن هناك سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية نسائية ولكنهما لا يتهذّبان إلا إذا سعى كل منهما الى تنمية ذاته. فإذا كان للمرأة ملكات عقلية كاملة فإنها ترغب أن تنمو بها بالاستقلال عن الزواج. الزواج فقط وجه من وجوه النموّ عند المرأة. انها لا تعطي الإنسانية بنين وبنات فقط. هي تعطي قدراتها الكاملة لترى نفسها ليس في المرآة كل صباح ولكن لترى نفسها حيّة ومحيية بالفكر والعمل.

# #
#

أُدرك أن الأمومة باب من أبواب القداسة لأنها تنشئ المحبة والإخلاص ما ذهب ببولس الرسول أن يقول : «إن المرأة ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقّل» (1تيموثاوس 2: 15). ولكنها تتقدس ايضا بذاتها، والبتول تتقدس ولا تعرف الأمومة. والبتول الحقيقيّة تمارس أمومة أعظم اذا ولدت لربّها بنات بالروح. قد لا تكون الأم محبة بشكل جارف. قد تكون متسلطة وقاسية. عظمة المرأة ليست بالإنجاب وحده ولكن بنوعية الأولاد اذا تربّوا اي اذا ذهب بهم ذووهم الى الرب. الأمومة ليست شيئا سكونيا ولا هي آلية. هي تعظم بعد الإنجاب بالتقوى. الانسان -أيّا كان جنسه- محبة أولاً ثم فكر وعمل.

أما مسألة التوفيق بين تربية الأولاد وعمل الأم خارج البيت فمسألة حقيقيّة ليس لها جواب أحادي. أمومة أَم عمل خارج المنزل؟ على المرأة أن تُبدع الحل لهذه القضيّة. الحياة كلها جهد. هناك نساء موهوبات للعمل بشكل مذهل، شكل يحتوي تقوى وإبداعا معا.

الى هذا أخذ الرجال ربما قليلا عندنا ولكن كثيرا في الخارج يزداد اهتمامهم بأولادهم. هذا يقتضي منهم قناعة أنهم ليسوا فقط آباء عند اتصالهم بزوجاتهم ولكن عند تواصلهم واولادهم كل يوم بحيث لا تُلقى مسؤولية التربية على الأم وحدها وبحيث يكون حضور الرجال في المنزل يستغرق من الرجل وقتا لا يقضيه في الملهى وندوات الرجال فقط. هناك ضرورة ملازمة الرجل بيته ينظّمها مع زوجته حتى لا يحرم المجتمع قدراتها والتماعها.

المرأة ليست فقط للرجل وليس هو فقط لها. هذا وجه من وجوه الوجود الإنساني. الحضور في الجماعة البشرية لإغنائها هو الوجود. من يفهم هذا يكون حاملا في ذاته وخدمته الله. الله عند الآخرين مسؤولية كل مخلوق عاقل حتى تأتي الجماعة البشرية كيانا مشتركا مؤلها.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الروم الأرثوذكس / السبت 13 آذار 2010

كنيستهم ذات أصول رسولية بمعنى أنه لم ينقضِ زمن من يوم العنصرة لم تكن فيه وبمعنى أنه لم ينشئها إنسان. في المصطلح الكنسيّ القديم يقال عن الإيمان أنه أرثوذكسي وهي كلمة يونانية تعني المستقيم الرأي او المستقيم تمجيده. ذلك أن استقامة الفكر مكشوفة في العبادات. اذًا لا يقال في الأصل كنيسة أرثوذكسية. يقال فقط كنيسة جامعة (كاثوليكي في اللغة اليونانية). وقد قيل عن كنيسة الروم الأرثوذكس في العصور المتأخرة أرثوذكسية كاثوليكية. إنهما في الحقيقة لفظتان مترادفتان. اذًا أن نجعل الأرثوذكسية مقابلة للكاثوليكية غير مستند الى شيء لغويا.

العرب المسلمون سَمّوا كنيسة الروم الحالية ملكانية او ملكية لاعتبارهم آنذاك أنها على مذهب ملوك الروم. هذا لم يكن صحيحًا دائما إذ اختلفنا مع أباطرة بيزنطية في فترة قصيرة على عهد هرقل الذي كان من أنصار المشيئة الواحدة، وبعد هرقل اختلفنا مع الأباطرة الذين قاموا بحرب الأيقونات التي انتهت السنة 843.

يبقى أن التسمية العربية الغالبة كانت صحيحة لأن الروم الذين ذكرهم القرآن كانوا الرومان الشرقيين اي الإمبراطورية البيزنطيّة وهي تسمية غربية لرومان الشرق الذين اعتبروا أنفسهم من إمبراطورية روما التي في حسّهم لا تنقسم. فلفظة روم لم تعنِ يوما اليونانيين. هذا خطأ وقع فيه الأوربيون لما ترجموا عبارة روم أرثوذكس بـ grec orthodoxe  بالفرنسية او ما يشبهها بالإنكليزية. نحن لسنا بقايا عسكر الاسكندر اليونانيين القلائل الذين سكنوا هذه السواحل. لقد أثبت بندلي الجوزي صاحب القاموس الروسي العربي أننا عند مجيء رسل المسيح الى بلاد الشام او الهلال الخصيب كنا آراميين. عبارة روم أرثوذكس لا تعني اذًا أن لنا نسبًا يونانيًا.

اللغة الطقوسية شيء آخر. كانت يونانية في المدن وهذا نتيجة احتلال الاسكندر، وسريانية في الريف. وهذا لا علاقة له بالمذاهب. كل المسيحيين كانوا على اليونانية او السريانية حسب المناطق، وتَعرّب لساننا تدريجيا، وكتبنا العربية منذ القرن التاسع الميلادي، وكنّا فصحاء فيها في القرن الحادي عشر لما كنّا نُجادل المسلمين في بلاط الخليفة العباسيّ في بغداد وما كانت لغتهم أجمل. وبقيت السريانية بجانب العربية في الطقوس، وكان يستعمل الكاهن هذه اللغة او تلك حسبما يعرف رعيته، أي ان الطقس المعروف بالبيزنطيّ كان يؤدّى فترة طويلة من الزمن باللغة السريانية، وكان الإنجيل يُقرأ فيها في كنائسنا حتى القرن السادس عشر.
# #
#
فالقول إن هذه الكنيسة كانت عربية من حيث العرق او الدم او اللغة ليس صحيحا. أما أنها في زمن الثورة العربية في الحرب العالمية الاولى كانت تحسّ بعروبتها فهذا صحيح. نحن في سوريا ولبنان والَينا الأمير فيصل. معنى ذلك أننا رفضنا الاستعمار الفرنسيّ وما نتج عنه من تقسيم الامبراطورية العثمانية.

كنت مرة أحاول مع غسان تويني أن أصف الأرثوذكس سياسيا فقلت له
nous sommes d’empire. هذه عبارة ليس تعريبها سهلا، فأوضحتُ لغسان أننا أحسسنا في بدء المسيحية أننا قائمون في الامبراطورية الرومانية التي هي ذاتها البيزنطيّة. وسلكنا بعد الفتح الإسلامي على أننا ننتمي الى دار الإسلام في حكمها وليس في دينها. وهذا ما أوضحناه للأمويين لما أدرنا شؤونهم المالية وبنينا لهم أسطولا في ميناء طرابلس وهم احترموا عقيدتنا وشعائرنا.

غير أننا لم نحسّ أننا ننتمي الى الإمارات الصليبيّة التي اضطهدَتْنا حتى الذبح. في العهود الإسلامية كلها لم يطبّق نظام أهل الذمّة في كل الأزمنة. وغير صحيح تاريخيا أن عقليّتنا كانت عقلية ذمّية في حين أن غيرنا لم يكن على هذه العقليّة. كل رعايا السلطان العثمانيّ المسيحيون كانوا يدفعون الجزية لما كانت الجزية، ولكنها ألغيت قانونيا في السلطنة في منتصف القرن التاسع عشر لما أخذت السلطنة تسنّ تشريعات مدنية. بتواضع أقول إني أرجو ألاّ يتسابق المسيحيون في رفض الذمّية. أصحابها تركوها منذ قرن ونصف.

الأرثوذكسيون لا يخلطون بين انتمائهم الدينيّ وولائهم الوطنيّ. في حوادث الـ 1958 حيث كان التشرذم مسيطرا على البلد، كان الأرثوذكسيون واحدًا مع الحكم اللبناني ضد ما اعتُبر تدخلا إقليميا. في الحرب الأهلية الأخيرة لم يكن لهم ميليشيا وما باركت كنيستهم ولا لعنت احدًا من أبنائها اذا ما تحزّب لفريق او لآخر. يمكن القول حتى اليوم إن الشعب الأرثوذكسي بجملته لبناني في لبنان وان ليس فيه اي تأزم على هذا الصعيد. أضف الى هذا أن كنيسته منذ صيف 1975 كانت تتخذ مواقف صريحة ضد إسرائيل واردة كلها في سجلّ مجمع المطارنة الذي يرئسه البطريرك، وهذا في حرية كاملة. وهذا الموقف لم يكن مرتبطا بحبّنا للأماكن المقدسة ولكن كان تقديسًا منّا لحقوق الشعب الفلسطيني. نحن ما تكلّمنا مرّة عن مسيحيّي فلسطين ولكن عن كل الفلسطينيين.

في السياسة الداخلية ليس للأرثوذكسيين موقف واحد لأنهم لا يرضون في عمقهم أنهم طائفة من الطوائف. يعرفون أنفسهم كنيسة. لذلك من المستحيل كيانيا أن يمشوا وراء زعامات أرثوذكسية. لم يكن لهم يوما زعيم ليس لأنهم منقسمون ولكن لكونهم يحترمون الخيار السياسيّ لكل مؤمن بينهم باعتبار أن هذا الخيار لا يمسّ الحياة الأبدية.

يقال اليوم انهم يأخذون يعون أنفسهم مغبونين في ما يتعلّق بوظائف الدولة. هذا الأمر أبانته جريدة اللواء من فترة قصيرة بالأسماء والوظائف المختلفة وكان على المقال مسحة من الروح العلمية الكبيرة. منذ عشرين سنة او اكثر كنت أتحدث مع وزير أرثوذكسي في هذا الأمر قال لي لا نستطيع أن نتخذ خطوة قبل القيام بإحصاء.

ربما أتى توزيع الوظائف بناء على قاعدة عدم طائفية الوظيفة. ولكن يحقّ للمرء أن يتساءل لماذا فرّت الوظائف العليا في الفئة الأولى من أكفياء الروم الأرثوذكس وكانوا فيها ليشبعوا من الفتات؟ أظن أننا في هذا البلد تكافأنا الآن في الفهم، ولكن قبل إلغاء الطائفية السياسية (وقال لنا الأعظمون ان هذا قد يأخذ عقدين او ثلاثة) نحن في حكم الطائفية السياسية وفي حكم الاستقامة ايضا والتقدير. هناك أقلوّية معنوية. لا تُجْبروا عليها الطائفة الرابعة في البلد، التي ولو تواضعت في تقدير نفسها ليست دون سواها غيرة على البلد ولا دون أحد على مستوى الشهادات. الولايات العثمانية في بلاد الشام كانت تعرف موهبة الروم الأرثوذكس على مستوى الإدارة والمال.

أنا لست أطلب شيئا الآن ولم نتشاور على مستوى القيادة الروحية، ولكني أرجو أن تقدم الدولة على منفعة ذاتها باستخدامها الصالحين. كان عليّ بن أبي طالب يقول: الفهم، الفهم. أرجو أن يكون لنا دولة قائمة على الفهم.


Continue reading