Category

2002

2002, مقالات, نشرة رعيتي

في روح مجالس الرعية/ الأحد 28 تموز 2002 / العدد 30

كان لي خال استلم منذ ستين سنة وحده كل أوقاف مدينة طرابلس فرفع مواردها عشرة أضعاف في بضع سنين. وكان يبني كثيرا. سألته غير مرة: ماذا ينفعك مال الوقف؟ قال لنبني. فقلت له وبعد البناء ماذا تفعل به. قال لنبني.

طبعا فيما كان خالي يضيف عقارا على عقار كان الفقراء يتضورون جوعا وكان إحساسي أن بعضا من العائلات كانت تقبض بضع ليرات في الشهر لإسكاتها ولم تكن خطة لرفع شأنها الحياتي. وكانوا يعتقدون آنذاك انه محكوم على الناس أن يبقوا فقراء أو أغنياء. ولا يزال شعوري أن بعضا من متولّي أمورنا الوقفية يهربون من الفقراء بالحجر. لذلك سُررت سرورا عظيما لما اتخذ مجلس الرعية في منصورية المتن قرارا مسلكيًا سجله في محضر إحدى جلساته: البشر قبل الحجر، وقرارًا آخر يجعل الفقراء الهاجس الأول.

المال يعطي شعورا بالقوة والحجر بالثبات. هذا هو الإنسان العتيق فينا، الإنسان المشتهي هذه الدنيا. ولكن الذي يشعر بأن الفقراء همه الأول هذا يعرف انه يثبت في ملكوت الله. إن عبارة «نحافظ على الوقف» عبارة على الأقل ناقصة لأن السؤال لماذا تريد أن تحافظ؟ لم أسمع أحدا قال لي مرة: أنا أحافظ على الوقف ليدر عليّ مالا حتى أبدده على المساكين. هذه هي كلمة المزامير: «بدَّدَ، أعطى المساكين، فيدوم بره إلى الأبد». نحن لسنا وراء تثبيت أقدامنا في الأرض، ولكن وراء تثبيت عقولنا وقلوبنا في السماء.

المطرانية رازحة تحت عبء إحسانها. والإخوة الذين يطلبون إحسانا بسبب من مرض أو التأخر عن دفع الإيجار لمسكنهم أو أقساط أولادهم يأتونني من رعايا تملك مالا في المصارف. لماذا نكثر هذه الودائع؟ لماذا يتصرف بعض في الإمساك بالأموال وكأنهم يبخلون بأموالهم الخاصة؟ هناك تسلط على المحتاجين واضح أو إهمال لهم إذا كنا لا ننهرهم أو نتضجر منهم؟

هذا ليس كل المصيبة. المصيبة الكبرى هو أن نريد المسؤولية المالية إلى العائلات، والقانون يسندها إلى الأتقياء الموهوبين روح الخدمة والملمّين بأساليبها، وقد تكون عائلتك خالية من هؤلاء الموهوبين أو تكون روح الخدمة ضعيفة فيها. أنت تريد إذًا لعائلتك السلطة، ولا تجد ميدانا للسلطة إلا في الكنيسة. أو قد لا يكون في أهل بيتك مَن عنده روح الشورى أو قدرة على المناقشة الهادئة. وإذا كنت حقا محبا لله وتؤثر مجد المسيح في قريتك، فلا تتمسك بعائلتك في هذا المجال، وأَقلِع عن فكرة التمثيل العائلي، لأن كنيسة يسوع الفقير وإنكاره للمجد يخدمها فقط الودعاء العارفون بالأصول.

ولعل الخطأ الأفتك في العائلية أن تظن أن الكنيسة مؤلفة من عائلات في حين أنها مؤلفة من أفراد. مرات عديدة شعرت بالذل لما كان يقال لي: أنت لست فقط كاهنا (أو مطرانا) ولكنك واحد من العيلة. هؤلاء ما كانوا يرون أن شرف الكهنوت الذي أنا حامله أهم من انتمائي إلى عيلتهم.

إذا لم نتحرر من كابوس العيلة، نحن لسنا للمسيح. «مَن أَحبَّ أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني». نحن لم نولد من لحم ودم ولا من شهوة رجل وامرأة، نحن وُلدنا من الله، وليس بيننا من شراكة إلا لكوننا صرنا أبناء الله.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 21 تموز 2002 العدد 29

الأحد 21 تموز 2002                   العدد 29

وجد علماء الآثار في تل حوم – وهي غالبا كفرناحوم – مجمعا يهوديا يعود الى القرن الثاني، قام – على ما يظن – على المجمع الذي بناه قائد المئة الذي يتحدث عنه إنجيل اليوم. كان ضابطا رومانيا يأمر مئة جندي. هذا الجيش كان قوى أمن داخلي.

         وعلى كون الرجل وثنيا، آمن بأن يسوع كان قادرا على صنع العجائب. جاء ليطلب شفاء “فتاه” التي تعني الخادم والابن معا. لوقا الذي اورد الحادثة يقول ان هذا الفتى عبد الضابط. اهتمامه به خارج عن المألوف لأن العبد كان شيئا من الأشياء ولم يكن له في الشريعة الرومانية مكانة انسان له حقوق. قائد المئة اعتبره انسانا كأنه مواطن حر.

         كيف عرف قائد المئة ان ليسوع قوة الشفاء؟ الرواية التي يرويها لوقا تقول ان الرجل بعث بشيوخ اليهود الى السيد ليأتي ويشفي ذلك العبد. كان اذًا مطلعا على موقف بعض اليهود الايجابي من المعلم. لا ندري اذا كان يشاطرهم ايمانهم بالإله الواحد. ولكنه كان يؤمن بأن هذا المعلم الجليلي الجديد كان على علاقة مع الله تمكّنه من الشفاء.

         قال السيد للضباط: انا آتي وأشفيه. الرجل لم يكن يطلب انتقال يسوع الى البيت، فقال: “لست مستحقا ان تدخل تحت سقف بيتي”. ظاهر الكلام ان الرجل يعرف خطيئته فتواضع وأقرّ بها ضمنا. ولكن كان يعلم ان اليهود لا يدخلون عادة بيوت الوثنيين. فقال: لا داعي ان تأتي. يكفيك ان تقول كلمة فيبرأ فتاي. ثم أخذ من حياته المهنية صورة العلاقة بين الضابط والعسكري وان الاول يأمر فيطاع. وهكذا يستطيع يسوع ان يأمر من بعيد.

         عند ذاك تعجب يسوع من رجل ايمانه اقوى من ايمان بني اسرائيل حتى قال: “سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب. واما بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمة البرانية”. هنا أشار السيد الى انه تأتي ساعة حيث الغرباء عن الموعد وعن الكلام الإلهي يؤمنون بيسوع ويصبحون هم ابناء الملكوت ويُطرح اليهود خارجا.

         هذا ما سيصبح تعليم بولس القائل ان الإنسان يُبرَّر بالإيمان وليس بأعمال الناموس. فليس لليهودي ان يفتخر بأنه من ابناء ابراهيم فإن “الله قادر ان يجعل من هذه الحجارة اولادا لإبراهيم”.

         هذا الوثني علّمنا ان نثق بيسوع ثقة كاملة، ان نؤمن ليس فقط انه غالب للمرض ولكنه غالب للخطيئة. فالخاطئ هو المفلوج الحقيقي. والثقة تزيدنا حبا للمسيح، والحب الذي يجمعنا بيسوع قائم على ايماننا بأنه كامل القدرة وانه يرفع عنا كل تعب وكل حزن وكل وجع، ويجعلنا له اصدقاء بعد ان استعبدتنا الخطيئة.

         ونتربى على المحبة اذا عرفنا بصلواتنا وقراءتنا للكتاب الإلهي ما صنعه المسيح لنا. ديانتنا تقوم كلها على هذا الشعور المتبادل بيننا وبين الرب والذي وصل الى ذروته على الصليب وفي القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 14 تموز 2002/ العدد 27

القراءة الإنجيلية اليوم جزء من العظة على الجبل كما وردت عند متى. ويستهلها بقول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم”. لا شك ان هذا النور مصدره المسيح نفسه كما ان نور القمر يأتي من الشمس. وقد قال الرب: “انا هو نور العالم” (يوحنا 8: 12 و 9: 5). وفي العهد القديم سمي الله نورا وكذلك التوراة.

         النور له وظيفة وهي ان يشع. لذلك يوضع على المنارة اي على مكان مرتفع في اية قاعة من البيت. وظيفة النور الذي يضيء في قلوب التلاميذ وعقولهم ان يحمل بسلوكهم وأقوالهم النور الى الناس. هذا شيء يحصل تلقائيا لأن الرسل لكونهم حاملي الكلمة في حالة تواصل مع الناس. بهذا الاحتكاك يرى الناس اعمال الرسل (ومن بعدهم المسيحيين) ولكن الغاية ليست تمجيد الرسول كاهنا كان ام علمانيا ولكن ان يمجدوا الآب. حامل الإنجيل لا يدعو الى شخصه احدا. يدعو السامعين الى المسيح.

         ثم ينتقل الى موضوع آخر بقوله: “لا تظنوا اني جئت لأحلّ الناموس والأنبياء. اني لم آتِ لأحل لكن لأتم”. ظاهر هذا الكلام يعني ان يسوع يقبل كل ما أتت به ديانة العهد القديم. ومن الواضح ان السيد يؤمن بأن هذا الكتاب موحى به من الله وانه تاليا لا يلغي حرفا واحدا فيه. الكل يذكر بعد هذا المقطع قول يسوع: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل… واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم”. يسوع لا ينقض ولكن يعمق. يريد مكافحة الخطيئة من شروشها. كذلك ما يتعلق بالزنى. الرب يريد ان يضربه من اصوله فيبين ان الشهوة منبع الخطيئة.

         لقد قيلت اشياء كثيرة في الإنجيل عن السبت وكيف مانع الفريسيون الرب من ان يشفي في السبوت. هو ما قال: وصية السبت غلط. قال لا تنطبق في حالات الشفاء، فأنا لا أنقض السبت، ولكني اخفف الصرامة التي اوجدها العلماء فمنعوا حتى الشفاء. بعد هذا، في الكنيسة، سقط السبت من ذاته.

         عندما امتدت الكنيسة الى الأمم الوثنية ظهر هذا السؤال: هل يتهود هؤلاء اولاً ثم يُعمدون؟ مجمع الرسل في اورشليم قرر ان الناموس لا يُفرض على المسيحيين الجدد وظهر فهم روحي لنواميس العهد القديم. فالختان لم يعد ملزما اذ حلت المعمودية محله. والذبائح الدموية أُبطلت بدم المسيح. ما قيل ان هذه كانت خطأ في ايام الوحي بها. قيل تجاوزناها الى ما هو روحي.

         يبقى قول المعلم: “اما الذي يعمل ويعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات”. هنا يكشف يسوع ان التعليم لا يكفيك وحده لتصير انت نورا للعالم. ينبغي ان تعمل العمل الصالح الذي بينت المسيحية انه نابع من المحبة. فاذا كان التعليم يشير الى ايمان صاحبه فالعمل يدل على ان هذا الإيمان حي ويحيي صاحبه وسامعيه. المسيحية هي إيمان ومحبة لا ينفصلان. هي كلمة نتممها في واقع حياتنا.

         والنور يشع كثيرا ان تعاونا في الكنيسة على تعليم الإيمان وعلى تنفيذه، مشتركين، بالعمل الصالح. وهكذا سلك آباؤنا القديسون الذين نعيد لهم اليوم. كانوا لاهوتيين وابرارا معا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

جميع القديسين/ الأحد 30 حزيران 2002 / العدد 26

لا يفوت احدًا ان الكنيسة وضعت هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لتوحي ان الروح الإلهي الذي حل على الكنيسة انما هو الذي ينشئ القديسين. الكمال الروحي الذي ابتغاه كبار المجاهدين هو عطية الله، والطاعة البشرية هي تفعيل العطاء الإلهي. تعليم كنيستنا ان الخلاص الذي يكسبه الإنسان انما هو بمشاركة النعمة والحرية التي تتقبل النعمة.

         “الله يشاء الكل ان يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا”. تاليا هو يهب النعمة كل انسان، يهبها بلا مقدار، والإنسان يطيع او يتمرد او يهمل. فالسؤال: لماذا هذا في الجحيم وذاك في الملكوت جوابه ان ذاك اختار الهلاك وهذا اختار الخلاص اذ ليس احد محروما من النعمة الإلهية “المخلِّصة لجميع الناس” ان هم شاؤوا.

         الأمر الثاني اننا نعيّد في هذا اليوم للقديسين مجتمعين فإننا طوّبنـا بعضا منهم، الذين عرفنا عظمتهم الروحيـة. رأينا قاماتهم النورانيـة ولم يعطِنا الله ان نرى القداسة في كل الذين كانت فيهم. لهذا نجمعهم جميعا في يوم واحد فنؤكد تعلقنـا بالذين عرفنـاهم والذين لم نعرفهم. يعيّرنا بعض من خارج كنيستنا انها لا تعلن اليـوم قديسين معاصرين. الجـواب اننا طوّبنـا منذ بضع سنوات القديس يوسف الدمشقي ولكن لم تكن لدينا وسائل إعلامية كافية خاصة بنا للتعريف به. والكنائس الارثوذكسية الأخرى (يونانية، روسية ورومانية وسواها) أعلنت باستمرار قديسين من العصر. وفي المجمع المقدس ملف لم يبتّ. هذا أمر يتطلب تمحيصا كبيرا لئلا نستعجل الأمور.

         ومهما يكن من أمر فليس التطويب هو الأهم ولكن أن نكون قديسين فعلا. ربما كان علينا أن نتوب جدا وأن يسطع البرّ في أوساطنا ولا مفر، إذ ذاك، من الاعلان القانوني عن قديسين جدد.

         الأمر الثالث الذي لا بد من تأكيده في العصر الحديث هو ان القداسة ليست محصورة في نمط من العيش. فالمتزوج قادر عليها كغير المتزوج. والمرأة كالرجل. والطبيب والنجار والمحامي والتاجر والنائب والوزير والفلاح كلهم قادرون عليها ومطلوبة منهم جميعا بالقوة نفسها. الذي يمسك عن المشروب كالذي يشرب. ومن يأكل بلا نهم كمن يأكل قليلا.

         لذلك مردود هذا الكلام: “شو انا خوري؟”. هذا يقوله من تنبهه على سوء سلوكه. ان القداسة ليس من شريحة اجتماعية واحدة اقرب الى الطهارة الكبيرة من شريحة اخرى.

         كثيرون يعيشون على هذه الفكرة ان الخطيئة محتومة او ان المساومة بين الخير والشر لا بد منها. الصحيح انك تقدر على كل مهنة وتبقى بارا. ليس من مهنة تحمل الدنس بحد نفسها. في الغنى والفقر اذا جعلنا المسيح يشرف عليهما، في اي موقف سياسي شريف يمكن ان تكون في قلب النقاوة.

         ولكن هذا لا يتحقق الا اذا اردت الكمال الروحي واعتقدت انه ممكن في هذا العالم. اما اذا ارتضيت بالحد الأدنى من “الآدمية” اي الا تخطئ في المحسوس فلن تبلغ القداسة يوما. ان تريد كل البر، كل الطهر وان تسعى اليهما بجد كبير وقناعة تامة فهذا يجعلك مشروع قديس.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة/ الأحد 23 حزيران 2002 / العدد 25

آية اساسية في رسالة اليوم عن الرسل المجتمعين في العلية ان “ظهرت لهم ألسنة متقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم” لتوحي ان كل مؤمن معمّد يحل عليه الروح الإلهي وهو يأتي، بخاصة، في سر الميرون. النعمة الإلهية الواحدة يتقبلها المسيحي فتصبح فاعلة بمقدار تلبيته وطاعات.

         وآية اساسية في انجيل اليوم: “لم يكن الروح القدس بعد لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجِّد”. هذه لا يمكن ان تعني انه لم يكن روح قدس قبل موت المسيح وقيامته فإن الروح هو الأقنوم الثالث الأزلي ولكنها تعني انه لم يكن قد أُعطي التلاميذ. ففي خطبة الوداع قال لهم السيد: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم الى الأبد، روح الحق”. والمراد بذلك ان الروح ينزل على التلاميذ من بعد صعود الرب الى السماوات، فإن بعثه مرتبط بتمجيد الطبيعة الإنسانية في المسيح.

         ما هي وظيفته؟ الجواب في هذا: “واما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 14: 26). بأي معنى يعلمنا كل شيء وقد علمنا يسوع كل شيء؟ الشق الثاني من الآية: يذكّركم بكل ما قلته لكم توضح هذا. الروح يعطينا نعمة لكي ندخل كلمات يسوع الى القلب فنحيا بها. ان نجعل كلام يسوع المطلق الى عامة الناس ميراثا شخصيا لنا او طعاما نغتذي به عندما نجوع اليه، تلك هي وظيفة الروح. فالكلمة المكتوبة قد تبقى وحدها في الكتاب او تصير الى الذاكرة فنرددها كما نردد كل علم. اما ان تصير من القلب او القلب كله فهذا عمل الروح اذا استدعيناه. ولهذا نستهل كل خدمة إلهية وكل صلاة فردية بقولنا: “ايها الملك السماوي المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان هلم واسكن فينا” لقناعتنا ان الروح القدس هو الذي يملأنا من نعمته اولاً لنتمكن من الدعاء. نحن وحدنا ليس لنا ان نجترئ ونخاطب الآب بدالة. انه هو الذي يهبنا الدالة.

         ماذا يعطي هذا وذاك؟ حسب تعليم بولس هو يهبنا المواهب. فهذا موهوب بالتكلم جهارا باسم الله وهذا ما نسميه نبوءة، وذاك له موهبة اخرى او كما نقول في خدمة العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… روح حكمة، روح فهم، مطهّر للهفوات، مقسّم للمواهب”. اذًا عطايا مختلفة للأفراد، تتكامل بالعيش الجماعي في الكنيسة. غير ان ما يجمع المؤمنين ذوي المواهب المختلفة هو القداسة. الروح هو المكلَّف بإنزال قداسة الثالوث كله على المؤمنين ولولاه لا نتوب ولا نسمو. هذا في ما يتعلق بالأفراد.

         اما في ما يتعلق بالكنيسة كلها فهي لم تكتمل الا بالعنصرة. منها كان الانطلاق بالإنجيل الى العالم. العنصرة كانت معمودية الكنيسة جمعاء. ثم الروح ينشئ سر المعمودية الذي يناله المؤمن. والروح هو الذي يقدس القرابين ويتمم بقية الأسرار وكل الأعمال التقديسية.

         بكلام آخر يأخذ هذا الخلاص الذي أتمه السيد دفعة واحدة ويجعلك تتناوله. بعبارة اخرى هو مفوض التوزيع للكنيسة مجتمعة وللمؤمنين افرادًا.

         أفي الأسرار الإلهية ام في التقديس الفردي نعطى ثمر الروح او إشعاع الثالوث المقدس وهو قوى غير مخلوقة. المؤمن تنسكب فيه “أنهار ماء حي” تفيض من الينبوع الإلهي. الروح القدس من حيث هو اقنوم لا ينقسم ولا نأخذ منه اجزاء. انت تأخذ ما يبثه فيك وما يبثه هو من الآب والابن ومنه. وهكذا تنحدر العنصرة على الكنيسة في كل قداس وتتجدد فيك لترفعك بالقداسة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 16 حزيران 2002 / العدد 24

في رسالة اليوم استدعى بولس قسوس الكنيسة اي الكهنة الذين من أفسس. وقال لهم ان الروح القدس أقامهم “اساقفة” اي مراقبين لكنيسة الله. فيما بعد صارت كلمة اساقفة تدل على رؤساء الكهنة حصرا. وهم مع الكهنة رعاة اي يلدون المسيحيين بالكلمة والأسرار والخدمة والعناية بكل واحد كما يرعى الأب اولاده.

         في العهد الذي تلا فترة الرسل ظهر من بين هؤلاء اساقفة وكهنة ورهبان بارزون سميناهم آباء الكنيسة لأن هؤلاء وَلَدونا في المسيح اي نقلوا الينا تعليمه في إطار ثقافة العصر الذي كانوا فيه يعيشون لأنه لا بد لك ان تترجم الإنجيل بلغة الناس، حسب مفاهيم الناس. وكان معظم هؤلاء مفسرين للكتاب المقدس. من أبرزهم يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي وهؤلاء ندعوهم باللغة العربية الثلاثة الأقمار اي الذين التمعوا في سماء الكنيسة. كان هذا في القرن الرابع واوائل الخامس.

         غير انهم لم يكونوا وحيدين فقد ظهر غريغوريوس اسقف نيصص وهو أخو باسيليوس ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وغريغوريوس بالاماس وسواهم.

         لم ينحصروا في التفسير ولكنهم ألقوا مواعظ ووضعوا كتبا في اللاهوت. وهي رسائل في مواضيع الخلق والخلاص والأسرار الكنسية كما وضعوا كتبا في الأخلاق وفي النسك. وكلهم كتبوا في الحياة الروحية اي في مكافحة الرذائل واكتساب الفضائل.

         وقد تفاعلوا مع الحياة الكنسية كلها. فكثير مما ألفوه دخل الى العبادة فاستقينا منهم ووضعنا اناشيدنا. غير ان اهم ما فيهم انهم جمعوا التعليم الى القداسة ولذلك سميناهم الآباء القديسين.

         بعضهم اشترك في المجامع المسكونية مثل اثناسيوس الذي كان روح المجمع النيقاوي (325) ووُضع فيه دستور الإيمان. فكانت المجامع تأتي من تعاليمهم كما ان تعاليمهم كانت المجامع تتخذها وتحولها الى عقائد اي كلمات هي لخلاصنا. فالثالوث القدوس الذي اوضحه المجمع الاول والمجمع الثاني (381) كتب فيه آباؤنا كثيرا. فعلى سبيل المثال وضع غريغوريوس اللاهوتي خمس مواعظ عن الثالوث مستقاة من هذين المجمعين. وقد اوضحوا مثلا الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح، وصاغ هذا التعليم المجمع الرابع (451).

         انهم استلموا كلام الرب فحافظوا على ما جاءهم في الأناجيل. فالإنجيل ممدود الى كتبهم بأسلوبهم والتعابير التي تلائم العصر وتردّ على الهرطقات. وتقيدوا بما أتى من الرسل بلا اجترار للكلمات ولكن بتفسيرها وتوضيحها.

         هم كتبوا في لغات زمانهم اي اليونانية واللاتينية والسريانية حسب البلدان التي كانوا يعيشون فيها. وآباؤنا الارثوذكسيون العرب الذين كتبوا في الإيمان المسيحي كانوا يستندون اليهم ويترجمون فكرهم لمنفعة العرب المسيحيين وغير المسيحيين.

         اهمية الآباء انهم يغذوننا بالفكر الحي المحيي بما يوافق التقليد الذي تسلموه ويكون هذا لنا سورا حتى لا نقفز خارج الإيمان المستقيم.

         بعض الذين كتبوه ترجم الى العربية قديما ولكن الكثير بقي مخطوطا. غير اننا في العصر الحديث نقلنا الكثير من هذا التراث وأسهم في هذا ابناء كنيستنا وابناء الكنائس الأخرى.

         اجل نحن غير مقيدين بكل حرف مما وضعه الآباء ولكنا مقيدون بما أجمعوا عليه، بالخطوط العريضة التي رسموها. ويأتي كل عصر مبدعا ومجددا ولكن بلا انحراف اذا استند على هذا الذي ورثناه. فالكنيسة متواصلة اجيالها وهي لا تردد الكلام ترداد ببغاء ولكنها تستلهمه وتخاطب الناس بلغة العصر بلا خيانة.

         نحن لم نولد اليوم. نحن مولودون من قديم وبهذا القديم نصبح ناسا جددا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الأعمى/ الأحد 9 حزيران 2002 / العدد 23

في انجيل اليوم اعمى منذ مولده رآه يسوع فسأله تلاميذه قائلين: “يا رب من اخطأ أهذا ام ابواه حتى ولد اعمى؟”. أُخذت هذه الآية عند المؤمنين بالتقمص ان هذا المريض كانت روحه موجودة في جسد آخر أخطأ فيه فعاقبه الله بالعمى لما صار الى جسد آخر. جوابنا عن هذا ان بعض علماء الديانة اليهودية كانوا يقولون انه في بعض الحالات قد يخطئ الإنسان وهو في بطن أمه. اضف الى هذا ان الفكر اليوناني عند افلاطون وغيره القائل بالتقمص لم يصل الى المعتقد اليهودي. واذا افترضنا ان فكرة التقمص وصلت الى التلاميذ ودانوا بها يكون هذا فكرهم هم وليس فكر المعلم. اما جوابه هو: “لا هذا اخطأ ولا أبواه” فمن باب انه يرد على تلاميذه مثلما وضعوا السؤال اي بالعبارات نفسها، ولا يتضمن هذا ان السيد يمكن تأويل جوابه على انه يتضمن عنده اعتقادا بالتقمص.

         هذا التعليم يستحيل التوفيق بينه وبين تعليم يسوع عن القيامة. “الذين عملوا الصالحات يقومون الى قيامة حياة والذين عملوا السيئات الى قيامة دينونة”. وليس من إشارة الى ان الذين عملوا السيئات تذهب نفوسهم الى اجساد اخرى. هم انفسهم يقومون.

         ان الأعجوبة المحكية مطولا لا تقتصر غايتها على سرد المعجزة. فالمعجزات السبع عند يوحنا غايتها التعليم. احدى الأفكار الرئيسية ان الفريسيين هم العميان الحقيقيون الذين رفضوا الإقرار بشيء ثابت لمجرد رفضهم ان يقوم المسيح بأعجوبة يوم السبت وهذا يوم لا عمل فيه. كذلك يقول يوحنا ان اليهود ايضا لم يصدقوا. النص اذًا يضعنا امام مأساة الذين لا يؤمنون مع ان حصول الشيء واضح. فكأن الإنجيلي يقول ان الأعجوبة بحد نفسها لا تجلب الايمان ولكن الإيمان نفسه هو الذي يهيئك لاعتبار الخارقة التي حدثت انها من الله.

         والمؤسف ان الناس يركضون وراء العجائب. يريدون الأشياء الغرائبية. بعضهم يدنو من الله وبعضهم لا يدنو. والقليلون يتوبون ولا معنى إطلاقا لمعجزة لا تزيدك ايمانا.

         ان صميم هذا الفصل الإنجيلي هو اولا ما ورد في الآية الخامسة: “ما دمتُ في العالم فأنا نور العالم”. كذلك الآية 93 الواردة بعد الفصل المتلو في الكنيسة اليوم: “لدينونة أتيت انا الى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون”. والمراد طبعا ان يسوع يقسم البشر الى قسمين: اولا) الذين يدّعون البصر ولكنهم عميان اذ لم يؤمنوا بالمخلص. وثانيا) الذين كانوا عميانا واعترفوا بذلك حتى اذا انكشف لهم نور المسيح آمنوا به.

         وقد نعود نحن الذين آمنا به الى العمى ان قبلنا أفكارا ضد المسيح او اتبعنا من ادعى التبشير باسمه وخرج عن الكنيسة، كذلك نكون عميانا بسبب الخطيئة وهي زيغان البصر وزيغان المعرفة.

         هذا الإنجيل يؤكد تأكيدا خاصا على النور الذي اعلنه المسيح بقيامته. كل هذه الفترة الفصحية كانت نورا لنفوسنا وأكدنا فيها بصورة رائعة ايماننا الفصحي. أنشدنا ألوف المرات للقيامة حتى لا تأتي الغشاوة الى ابصارنا فنبقى في ضياء المسيح الذي نلناه بالمعمودية وحافظنا عليه بالعمل الصالح وبالدراسة.

         المؤسف ان درس الكلمة الإلهية في اوساطنا ضعيف، وان بعضا منا تستهويهم البدع المضلة لكونها تفتح لهم الكتب المقدسة. ان النفوس عطشى الى هذه الكلمة. فلماذا لا تتجند كل رعايانا لتعلمها ونقي بها انفسنا من الخطر؟ المسيح يحتاج الينا لنتكلم عنه بصورة وافية وعميقة. الفصح لن يدوم الا اذا دامت فينا الكلمة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الثقة/ الأحد 2 حزيران 2002 / العدد 22

لنقل إن النزعة الفردية هي ان تعيش لنفسك ولا تنظر إلى الجماعة التي تنتمي إليها متعاونا وإياها. الكلام الشعبي هذا يفكر صاحبه بمصلحته فقط. ماذا أجني من فلان أو فلان فأقترب إليه أو أصوّت له. اما كيف أقوّيه وأنتبه إليه لأنه في حاجة، كيف أشجعه وأبرزه لأن الناس محتاجون إليه، فهذا أمر نادر جدا في أوساطنا.

وعندما لا أخرج من حدود عائلتي الكبرى أو عشيرتي لأرى الخير في كل مكان هذا نسمّيه عصبية عائلية، ولكنه في حقيقته نزعة فردية، إذ أتقوى أنا بالصالحين والفاهمين وان لا شيء يحوجني ان أظهر أنا إذا كان غيري أفضل مني. فقد أختفي في الظل، وراحتي فيه من ضميري ومن حبي للآخرين كبيرة. المهم ليس أن يقولوا عني حسنا ولكن أن يقول الله عني حسنا.

أجل لا يعيش الإنسان بلا انضمام إلى احد، بلا صداقة. والصداقة، تحديدا، خروج من الأنا المنغلقة على الذات إلى أنا جماعية. كياني في الصَّديق، وبإرشاده وحنانه يقوى كما يقوى هو بي. أنت تخرج من ذاتك أيضا بالفهم، وتتكون بذلك جماعةُ العارفين.

وليكن جميلا من استطاع ان يكون جميلا. ذلك ان الرب يحب جمالاتنا وهي تنعش الآخرين. وليتكلم بيننا من يعرف الكلمة ليفيد الناس. ما نفع كلامي إن كان كلامي تافها. «أنتم نور العالم». الخطيئة ان نطفئ النور.

لعلّ مردّ هذا الانكماش الخوف من الآخرين. الرومان قالوا قديما: «الإنسان ذئب للإنسان». الموقف الحقوقي ان الإنسان بريء إلى ان يثبت العكس. والموقف الإنجيلي أن نحب بعضنا بعضا ولا نبحث عما إذا كان الآخر يستحق حبنا. أنت تحب بلا شرط في الآخر ولا فيك ولا تنتظر ان يكافئك على شيء. ولكن قد يساعدك على المحبة ان تثق بالآخر منذ البدء.

إذا أتاك إنسان ثق به أولا. بعد المعاملة تعرف إذا استحق منك هذه الثقة. إذا تكلم إنسان صدّقْه منذ البدء لأنه خير لك ان يغشَّك من أن تظلمه بالشك. فإذا رآك تشك به وهو طاهر يصيبه إحباط وربما حزن حزنا شديدا. إذا كنت ذا خبرة طويلة أمكنك معرفة من يقترب إليك في لحظات. ولكنّا لا نملك جميعا هذه الخبرة. وبالثقة تستثير الثقةَ وتنعش نفس الآخر. إلقَ الآخر بحب وتعاون حتى يخيب ظنك به. أنت تحتاج روحيا إلى الآخر كما قد يحتاج إليك روحيا أو ماديا. كم من نفس تنقذ بالثقة. تذكّر قول يوحنا الحبيب: «المحبة تَطرح الخوفَ إلى خارج». كثير من هزالتنا يأتي من الخوف الذي لا يجعل فيك قوة.

كيف تريد بلا ثقة ان نبني الكنيسة، ان نصبح جماعة للمسيح؟ ما الرباط بين أفراد الجماعة ان لم يكن اطمئنان الإنسان إلى الإنسان؟ أنا ما دعوتك إلى إقفال عقلك وعدم التحليل. ليكن عقلك مستنيرا، دقيقا، فاحصا، وفي آن معا استقبل الآخرين في قلبك فهذا قد يفتح قلبك.

أنت لا تعيش بلا دفء. بلا قربى أنت تجفّ. قرباك من أبيك وأمك وإخوتك وأخواتك مفروضة عليك. وقد يكون أنسباؤك سيئين. اجعل لنفسك أصدقاء يكونوا عائلة قلبك.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 19 أيار 2002 / العدد 20

لقد ذقنا الفصح ذوقا طيبا. أتكلم هنا على الذين كانوا في الكنائس. خطفتهم القيامة بقدر ما استوعبوا الإنشاد والتلاوات. الله وحده يعرف من كان به مأخوذا ومن وصل إلى العمق. مع ذلك سُرَّ الله بمن أتى في الموسم ولم يأت قبله وهو لا يأتي بعده وكأن فرحنا بالعيد ينقضي مع العيد.

         الحزن يضغط عليك إذا علمت أن الـ 300 أو 400 شخص الذين حضروا في بعض الرعايا لا يؤلفون الثِمن أو العِشر من مجموعة الرعية. ولا شك أننا لا نغطي كل المناطق في المتن الساحلي بنوع خاص. وليس في مقدورنا أن نبني عددا من الكنائس كبيرا. مع ذلك لا بد من أن يقدم كل المؤمنين إلى جسد الرب ودمه. وهذا يفترض عددا اكبر من الكهنة مدربين روحيا ولاهوتيا. ويتأكلني الخوف من أن الكثيرين من أبنائنا غير مخدومين ولا نستطيع خدمتهم بسبب نقص الكهنة والضعف المادي الذي نحن عليه.

         ربما كان علينا أن نتجاوز الحدود الموضوعة ونقيم العبادة في البيوت. ربما كان علينا أن نرسم كهنة من الذين ينصرفون إلى عمل لهم في المجتمع لنواجه موضوع الرواتب. كل هذا يتطلب منا درسا مستفيضا.

         إن أمنيتي أن الذين أتوا إلى أسبوع الآلام والعيد يستمرون كل احد لخلاص نفوسهم أولا ولتمكيننا من تعزيز الكهنة وإشادة الكنائس. إن ضيق المساحة القائمة عليها كنائسنا (هكذا استطعنا أن نشتريها) يجعلنا نستوعب القليل من المؤمنين لو شاء الكل أن يجيء. نعاني تقصيرا ليس مرده إلى كسلنا فمعظم الكهنة عندنا نشيط وغيور. إن بعضا من تقصيرنا سببه أن الكرم قليل. وفي تتبعي للأمور أرى أن عندنا شبانا حاضرين للخدمة الكهنوتية لو تأمنت معيشتهم.

         هل يظهر بيننا من يََعْي هذه المصاعب ويتآزر لسدّ هذه الثغرة بإيجاد حساب مصرفي مخصص للكهنة الحاليين والكهنة الجدد وسِلك من المتخصصين بالبشارة وجمع الأطفال وتثقيفهم. أنا انتظر ردود فعلكم. غير أن رجائي الملح ألا يعرقل احد أعمال الكهنة بسبب وجاهة يريد أن يمارسها عليهم أو بسبب استئثار بعض النافذين بشؤون الكنيسة وتسلطهم على الكاهن. هذا موجود وأنا أعاني منه معاناة شديدة. ليس أن كل الكهنة غاية في الكمال. ولكن المتَسَلطين من العلمانيين ليسوا قليلين. وهذا يعطل عمل الكاهن الغيور الذي يريد أن يغيّر الأوضاع ولا يُسمح له بذلك. يجب أن يفهم الكل أن الكهنة عندي مطيعون للرئاسة الروحية وان القلة القليلة منهم تعمل حسب مزاجها لأنهم يتلقون توجيهاتي ويعملون بها. ولكن هناك ناسا قامت وجاهَتهم على الكنيسة ويتصرفون كبطاركة على الكهنة. هذه مشكلة كبرى لا تحَلّ إلا بازدياد المحبة وازدياد الفهم.

         ويجب أن يفهم النافذون أن ليس لهم منفردين أن يعملوا ما يريدون. لهم أن يدركوا أن عليهم أن يتصرفوا بتواضع ولين وان الأوقاف ليست ملكهم ولا ملك عيالهم وان المكانة الأولى عند المسيح هي للفقراء وان أمر الرعية تشترك فيه كل العائلات وكلها متساوية بالكرامة والأكرم عند الله من كان تقيا.

         ليس من عائلة واحدة في الرعية انتدبها الله لترعى شؤون العباد. ومن شاء أن يسود الناس فيسودهم عن طريق السياسة لا عن طريق العبادة. كم من مرة قلت لكم أن الأوقاف ليست لأحد ولو كانت موقوفة من أجدادكم وآبائكم. هي ملك للجماعة كلّها وبالدرجة الأولى يتولاها المصلّون. ينبغي فصل السياسة القروية عن رعاية الذين هم للمسيح. هناك -للأسف- جيوب لم نقتحمها بعد لبسط نفوذ المسيح. إن الإقطاع المحلي عدوّنا في الكنيسة. فليبق إقطاعيا من شاء ولكن ليس على حساب الرب.

         وليُفهم مرة نهائية أن من طبيعة مجالس الرعية أن تتغير ليفسح في مجال الخدمة لمن استطاع الخدمة. إن توَلّي الأوقاف يفترض أن هناك من يذهب ويسلّم ما كان عنده من مسؤوليات وان ثمة مجموعات جديدة نأتي بها. ليس في إدارة شؤوننا استمرار لأحد أو وراثة لأحد.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

توما/ الأحد 12 أيار 2002 / العدد 19

تقف العقلية الشعبية عند توما شاكا. ولكن حقيقة توما الكاملة انه آمن من بعد شك. والحقيقة الأعمق انه الشاهد الأقوى على ان الذي ظهر له وللتلاميذ المرة الثانية هو نفسه الذي صلبوه.اذ كان من الممكن لولا توما ان يقال ان هذا الذي تراءى لهم عشية الفصح كان شبحا. ولكن بعد ان قال يسوع لتوما “هاتِ اصبعك الى ههنا وعاين يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي” لم يبق مجال للشك ان هذا الذي ظهر بعد اسبوع هو نفسه الذي مات على الصليب اذ لا يزال يحمل آثار الصلب.

         ان ايمان توما ظهر في قوله للمعلم “ربي وإلهي”. وحتى ندحض كلام شهود يهوه ان يسوع “رب وإله” بمعنى “السيد” نقول ان ما ورد في الأصل اليوناني جاء مع أداة التعريف “أل”. فربي وإلهي ليسا نكرة. انهما معرّفان بمعنى انت هو الرب لي والإله لي. هذا اقوى اعتراف بألوهية السيد الكاملة التي تجعله مساويا لله الآب.

         ان يسوع تنازل لشك توما وكشف له علامات الموت. لم يقل له انك على خطأ لكونك طلبت ان ترى ولكنه قال انا لن اظهر على هذه الطريقة لكل الأجيال الآتية. انا صاعد الى أبي. هؤلاء لن يروا فطوبى لهم.

         غير ان المسيحيين بعد العصر الرسولي لن اتركهم بلا علامة. علامتهم ستكون الكلمة التي يبشر بها تلاميذي. والكلمة نور وحياة. وهي تنتقل اليهم بالروح القدس وبعجائب الرسل التي ستدوَّن ودونت في كتاب اعمال الرسل. ومن بعد الرسل سيقوم بعض القديسين بعجائب. والأهم منها الشهداء الذين ستقتلهم الامبراطورية الرومانية خلال ثلاثة قرون ويقتلهم ناس آخرون في بلدان كثيرة وفي كل زمان. ولن يخلو زمان لا يستشهد فيه المؤمنون به. ان صمود الشهداء وشجاعتهم هما القوة الكبيرة التي تأتي بمؤمنين جدد.

         وأبلغ كلمة تصل الى الناس هي قداسة القديسين. فمن رأى صبرهم وطهارتهم ولطفهم سيتساءل: كيف صار هؤلاء كذلك؟ من هو الذي وراء فضائلهم؟ كيف استغنوا عن كل شيء في الدنيا ليتعلقوا بالمسيح؟ أليس ان فرحهم به فاق كل لذة كان يمكنهم ان يجنوها؟

         كل هذا نوع مـن الـرؤية. سيشاهد الوثنيـون في كل جيل ان الذي يحدث مع أتقى المسيحيين وأنبلهم هو “تغيير يمين العلي”. سيفهمـون ان هؤلاء الطيبين هم زرع المسيح. فلولا كلمته وحبه حتى الموت لما كانوا كذلك.

         نحن ما بقينا الفي سنة ننتشر ونتسع بمجرد اننا توالدنا وصار اولادنا مسيحيين بالوراثة. فهناك من تركنا وهناك من انضم الينا بالغا وفهيما. وهناك من كانت أفعاله سيئة وكان فكره ضالا وهؤلاء جاؤوا الينا بالتوبة بعد ان سمعونا وبعد ان شاهدونا نتصرف تصرف ناس إلهامهم من فوق.

         اجل هناك من خان وتركنا ولكن هناك من احتمل عذابات لا تطاق في بلدان اضطهدتنا وهناك من احتمل قهرا وتضييقا في بلدان لم تضطهدنا مباشرة. ومع ذلك بقينا وسنبقى لأننا ذقنا طعم القيامة وذقنا جمال العيش مع يسوع وحلاوة الخصال الطيبة التي وحده سكبها علينا.

         ان فعل قيامته متواصل. “طوبى للذين لم يروني وآمنوا” تدل على اولئك الذين صاروا عظاما روحيا لكون القيامة انتقلت اليهم حبا وتجديدا.

         قد يشك هذا او ذاك في فترة من حياته ويطلب علامات للتيقن. ولكن اذا رأى مسيحيا عظيما يدرك ان احدا جعله هكذا عظيما وان هذا الذي يغير النفوس بحلاوته هو يسوع المبارك.

Continue reading