Category

2002

2002, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله/ الأحد 20 تشرين الأول 2002 / العدد 42

«أنتم هيكل الله الحي». هنا الكلام على ان الجماعة هي بعضها مع بعض هيكل الله. والمكان الذي نصلي فيه سُمّي كنيسة لأن كنيسة الله أي الجماعة تجتمع فيه. البشر أولا، والحجر يقدَّس بالمؤمنين الذين فيه لكونهم يشتركون بالذبيحة. هؤلاء يحييهم الله الحي بكلمته وبجسد المسيح.

استشهد بولس بكلام من سفر اللاويين ومن سفر حزقيال بتصرف قليل وجعل الكلام هكذا: «سأسكن فيهم وأَسيرُ بينهم وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا». يبني على هذا ويقول ان وعد الله هذا لشعبه انه سيسكن فيهم ويسير بينهم انما يتحقق الآن في الشعب الذي جدده المسيح بدمه. ومع ان الرب وعد بني إسرائيل انه سيسكن فيهم، ما سمّاهم مرة هيكله. كلمة هيكل في العهد القديم كانت تطلق على هيكل سليمان. يزول هذا الهيكل بعد ان صار ابن الله بشرا. وبحلول الروح القدس تصبح الكنيسة هيكل الله.

ما يلفت في كلام الرسول ان الله ساكن فينا بالروح القدس، وهذا ما سيوضحه بولس بقوله اننا –نحن بناء الله- ننمو «هيكلا مقدسا في الرب… مسكنا لله في الروح» (أفسس 2: 21). هيكل الله في كماله يتحقق في الملكوت: «هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم» (رؤيا 21: 3). وفي الرؤية الأخيرة عندما شاهد يوحنا الحبيب أورشليم المقدسة النازلة من السماء قال: «ولم أرَ فيها هيكلا لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها» (رؤيا 21: 22). نحن الآن لسنا هيكلا ولن نصير هيكلا كاملا الا لأن الله ومسيحه يجعلاننا كذلك. لن نصير هيكلا الا إذا توحدنا بالثالوث المقدس.

فإذا كنا كذلك اليوم بالنعمة وعلى رجاء اكتمالها فينا، يطلب الرسول ان نعتزل الخطيئة وألا نمسّ نجسا. هذا هو شرط ان يكون لنا أبا ونكون له بنين وبنات غير مولودين من رغبة بشرية فينا بل مولودون من الروح القدس. ولذلك يحرضنا الرسول الإلهي ان «نطهر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح ونكمل القداسة بخوف الله».

في مواضع عديدة، يسمي بولس النجاسات التي يتندس بها الخاطئ. وقد عرفتها الوصايا القديمة والعظة على الجبل. وقد تناولها الآباء النساك واحدة واحدة وبيّنوا أضرارها، ويكفي الإنسان ان يفحص قلبه ليرى فيه أصول الخطايا، وهذه الأصول نسميها الأهواء وكشف لنا آباؤنا السبل إلى مكافحتها حتى نتزين بالفضائل المضادة لها ويتمكن كل منا بعد الجهاد ان يصير هيكلا لله ويذوق به الفرح والهدوء. وقد سمينا الآباء الذين قاموا بجهاد عظيم مستميت «هدوئيين» أي أهل الصفاء، الذين لا تعكر نفوسهم معصية. فالحرب الروحية ليس فيها استرخاء ومزاح. أنها جهاد حتى الدم. وليس لنا ان نترك أنفسنا بلا رقابة وبلا يقظة لحسابنا ان المسيح أحلّنا بموته في بر مقيم. المسيح لا يخلصك بلا تعاونك معه. لذلك دعانا إلى حمل الصليب كل منا بمفرده. الخلاص عمل شاق مصحوب بفرح الانتصار على الخطيئة. في صلوات الصوم نقول: «ارحمني أنا الواقع»، وفي كل خدمة نردد: «يا رب ارحم». أجل نحن أمام مشهد قيامة المسيح. ولكن هذه القيامة يجب ان تتحقق فينا، فإن لم نطهر أنفسنا كل يوم تصير القيامة شيئا لاغيا.

ان الخلاص الذي نلناه بيسوع لن يكتمل فينا الا في اليوم الأخير. فرحك هو بالمسيح الذي يحل فيك. المسيح اليوم وفي قلبك هو معك لتحيا بكلمته وتنقذها بالطاعة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

أرملة ناين/ الأحد 6 تشرين الاول 2002 / العدد 40

ناين بلدة صغيرة نظن انها كانت واقعة على بعد بضعة كيلومترات من الناصرة. جنازة اي واقع الموت يقابلها واقع الحياة الجديدة التي هي يسوع. الحياة تقابل الموت، تدمره. الميت شاب، وفي الشرق يتفجعون كثيرا اذا غاب شاب، ولاسيما اذا كان وحيدا. يتحسرون على امه الأرملة التي صارت وحدها كليا.

         لا يقول الكتاب ان السيد حزن على فقدان هذا الشاب بل يقول انه تحنن على أمه. وإنجيل لوقا تلعب فيه المرأة دورا كبيرا. انه انجيل مريمي بامتياز وانجيل المحسنات الى يسوع وحركته. والنساء في حاجة الى رقة خاصة من المعلم في مجتمع ذكوري. يا ليت رجالنا اتخذوا من السيد حنانه وكانوا جميعا اقل غلظة مع نسائهم.

         عند هذا المشهد دنا الرب ولمس النعش. الله هو الذي يبادر الى شفائك والى الغفران والتذكير والتوعية. يسوع هو دائما في حالة الدنو اليك ولاسيما اذا كنت في مأزق او وقعت او نسيته لأنه هو الراعي الذي  يسعى وراء الخروف الضال في جبال هذا الوجود ووعورة طرقه.

         “لمس النعش”. يدنو يسوع حتى يوحد نفسه بك. هذا ما فرضه التجسد. فبعد ان أقام في جسدنا اخذ يقترب ويقترب حتى لا يدعنا في هذا الوهم الوثني ان الآلهة تسكن أعالي الجبال او الوهم اليهودي انه يظهر بالرعد وبالحروب. المسيح هو معنا في حالة ملامسة.

         يقول للشاب لك اقول قم فاستوى الميت. هنا اراد الإنجيلي ان يوضح ان ليسوع قوة الله وانه يحكم الموت مباشرة كما يحكم الحياة. عند هذا استوى الميت (جلس) وبدأ يتكلم. امر يسوع نافذ للفور.

         ثمرة الأعجوبة كانت ان شهد الشعب للمسيح. “لقد قام فينا نبي عظيم”. هذا ما كان يمكن ان يصلوا اليه. لم يكن باستطاعتهم قبل قيامة المسيح ان يقولوا فيه شيئا آخر. فالإيمان بالسيد كان ايمانا متدرجا كان يكفيهم في هذه الحقبة ان يعتبروا المسيح نبيا عظيما وقد شاء التدبير الإلهي ان ينتقل بالناس آنذاك من بشرية يسوع المنظورة الى ألوهيته. ولعل الطريقة التربوية في الكنيسة وعند القارئين للإنجيل ان تصعد بالمؤمنين مما يقرأنوها من خطب الرب وعجائبه الى رؤيته إلها.

         اذا أنت أسلمت ليسوع في حال الضيق وبعد تعب روحي وبعد ان عرفته “نورا من نور” وإلها حقا من إله حق فاعرف انه قريب منك حتى الالتصاق وانه يكفيك لمسة من روحه حتى تقوم وتنتعش. واعرف انك عزيز كالوحيد وان السيد لا يهملك كما يهملك البشر. المسيح يتعذب ان لم تعد لأنه يريد خلاصك، وخلاصك بالعودة اليه.

         لاحظوا ان الذين شاهدوا ابن الأرملة يقوم مجدوا الله. نحن اذا اخذنا منه نعمة علينا ان نشكر اولا لنعيد كل عطاء الى ينبوعه، وهذا الشكر نفسه يكتمل بالتسبيح الذي هو الدعاء الأكبر اذ نكون، اذ ذاك، كالملائكة محيطين بالعرش الإلهي. صلاة الطلب وصلاة الشكر إشارتان على اننا لا نزال في هذا العالم. صلاة التمجيد او التسبيح تدل اننا انتقلنا الى وجه الآب.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحريات/ الأحد 29 أيلول 2002 / العدد 39

هي تعني اولا الحرية الدينية بمعناها الشامل (التعليم، العبادات، نشر الكتب، الإعلام الديني) كما تعني الحرية النقابية وحرية التظاهر وتأليف الأحزاب وما الى ذلك. هل لله كلام في هذا؟  ليس من حديث مباشر حتى عن الحرية الدينية في الكتاب المقدس. بالعكس هناك كلام عن الاضطهاد والصبر عليه. ولكن في الرسالة الى اهل رومية حديث عن ان الحاكم انما أقيم من اجل الصلاح وفي سفر الرؤيا نيرون ورقمه 666 يسمى الوحش. هناك اذًا رفض للظلم دون ان تطلق دعوة لإزاحة الظالم عن طريق التمرد.

         ولكن التاريخ المسيحي منذ القديم يتحدث عن احتجاج المسيحيين على الاضطهاد عن طريق رسائل مرفوعة الى الملوك. وبعد هذا نجد، بين الفترة والفترة، من وبخ الملوك. ولما اخذت الديموقراطيات تظهر، بخاصة، مع الثورة الفرنسية انتقل الحكم من الملوك الى الشعب بواسطة نواب ينتخبهم وحكومة تنبثق عن النواب ويمارس عليها المجلس الرقابة. نحن لا نقول ان الله يأمر بالديموقراطية. هذا غير مكتوب ولكن هذا هو التعبير الطبيعي عن الحريات التي تحترم كرامة الإنسان وتعطيه حق التعبير عن فكره والتزامه. فصارت الانسانية مقتنعة مع تطور الأزمنة ان الحرية اقرب الى الفكر الإلهي من القمع، ذلك ان احدا لا يحتكر المعرفة فتتواجه الأفكار في البرلمان والندوات السياسية والأحزاب والصحف. وبسبب من التنوع يتناقش الناس على رجاء الوصول الى الأحسن.

         هذا لا يعني ان الأكثرية على حق. ولكن الأكثرية يمكن في المناقشة وفي تغيير النواب ان تصبح أقلية. وهكذا تحتك الأفكار والمواقف وبسبب هذا التشاور البرلماني يجوز ان يمر الحل الأصلح في ظرف معين.

         ضد هذا الاستبداد من اية جهة أتى. اجل في الديموقراطية او في نظام مستبد يمكن ظهور المصالح الشخصية والهدر والرشوة وما الى ذلك. كل نظام يمكن إفساده ويمكن قمع بعض الناس في الديموقراطيات بطرق غير ديموقراطية. ولكن في ظلها لك حظ في إصلاحها وذلك ضمن انظمتها في حين انك ان هدمتها لتأتي بنظام مستبد تضيق فسحة الحركات المطلبية والتغيير ويكثر الظلم.

         فقضية الحريات مرتبطة الى حد كبير بالأشخاص. هناك حكام يحبون الشورى وحكام لا يحبون الشورى. وهناك تأثيرات من الخارج تبطل فعليا الديموقراطية التي عندك.

         ليس اذًا ما يضمن حسن سير الديموقراطية نحو الحريات. في الأخير الحاكم الصالح ليس هذا او ذاك ممن يأتي بهم النظام. ان الحاكم الصالح من أتى من اخلاقه. فلا يضمن حريتك الا من آمن انه في حاجة اليك لكي يكتمل بك. فالاعتراف بالحريات هو الاعتراف بأنك لا تعاقَب اذا اخطأت ولكنك تخسر الجولة في عالم السياسة.

         من احس بجمالات الحرية في ممارسة دينه او حياته الاجتماعية وأحس انه ينمو ويبدع لا يمكن ان يقبل بالظلم. طبعا هناك شرط اساسي الا نقتل واحدا من قوى الأمن ولا حاكما مستبدا. لك فقط الوسائل السلمية، التجمع، القوى الضاغطة، الكتابة. ان تقبل الظلم – ايا كان – افضل من الاعتداء على اي مسؤول كبير او صغير.

         اجل هذه الحريات ليست تلك التي قال عنها يسوع: “تعرفون الحق والحق يحرركم”. ولكن الظرف الطبيعي الذي يؤهلك للنمو الروحي هو السلام. الحريات كما تعاش في البلدان الراقية هبة من الله، هذا اذا كانت صادقة وتمتع بها الناس كلهم واذا أريدت للشعوب جميعا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحاكم/ الأحد 22 أيلول 2002 / العدد 38

كثيرا ما استغل الملوك المسيحيون وعبيدهم الاكليريكيون كلام بولس الرسول عن السلطة السياسة ليجعلوا الناس في العبودية “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان الا من الله” (رومية 13: 1). كلام مشروط بقول بولس عن السلطان: “لأنه خادم الله للصلاح”. وبقوله الآخر: “اذ (اي الحاكم) خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر”. ولكن ما موقفا ان لم يكن الحاكم “خادم الله للصلاح؟”. الكنيسة في الوقت الذي كتبت فيه هذه الرسالة لم تكن تحت الاضطهاد. ولكن عندما اضطهدها نيرون وبعد ان سماه يوحنا في سفر الرؤيا بترميز الأرقام 666 قال عنه انه الوحش. هناك اذًا فحص إلهي للحاكم. فهم صالحون او أشرار. واذا استقينا رأينا فيهم من الحقيقة وهي اسم من اسماء الله نحكم نحن عليهم.

         فعلى سبيل المثال اذا كان الحاكم حاقدا او محابيا او مفرقا بين الناس والفئات والمجموعات المختلفة يكون مؤذيا للبلد ويجب ان يهتز حكمه لأنه ينبغي ان يخضع للبلد ولا يخضع البلد له. كيف نهزه تلك مسألة اخرى، ولكن القول الفصل اننا لا نستعمل العنف لأن سلوكنا تجاه الظالمين سلوك رحمة ولكنه ليس سلوك صمت.

         وهذا ما يسمى الحرية. الإنجيل لا يتكلم عن الحرية السياسية اذ لا يتضمن تعليما عن الديموقراطية. هذه انشأها الفكر السياسي. ولكنها جاءت من قيم مسيحية ضاعت في الثورات. والحرية ضرورة من اجل تقويم الاعوجاج. فبعد ان رفضت البشرية نظام الملكية المدعية ان سلطتها من الله كان لا بد ان تجد سلوكا يصحح الاوضاع ويقوّم الاعوجاج. وهذا السلوك هو تلك الحرية التي تمهد كتلة نظمية مبدئيا تستلم الحكم ابتغاء الإصلاح. الحرية لا تفهم الا في ظل الحرية.

         اما القمع فناتج عن الخوف وعن ارادة العناد والاستمرار في القهر. وبالقهر يظلم الحاكم نفسه ويلطخها ويخرب البلد بيديه اي يزيد اسباب اليأس ويحطم آمال الأجيال الطالعة.

         الحاكم يطبق سياسة الله، والله مع الفقراء ومع الأحرار، لأن الفقر الرهيب يعرض صاحبه للخطيئة. لذلك لا يخضع الحاكم لمزاجه ويحاكم ضميره اولاً لكي يكون حاضنا للرعية الوطنية كلها.

         من هنا اننا مع رفضنا الكامل للعنف نوصي باستعمال كل الأساليب الأخرى للضغط على الحكام كالكتابة الصحفية والاعتصمات والإضرابات والتظاهرات لأن هذه وضعها من شأنها ان تردعه.

         وحكم الله يسري على كل السلطات في الدولة بما في ذلك السلطة القضائية. ليس من شيء لا يُمَس. ليس من خطيئة ولا من خطأ ان يُتَّهم القاضي بالرشوة او بالخضوع للسلطة السياسية. هذا ظاهر كثيرا في كل بلدان العالم. فعندما تقول السلطة السياسية لا تمسوا القضاء، الأفضل ان تقول هذا لنفسها. الحاكم الوحيد في الكون هو الله، وصورته فينا ليس الحاكم السياسي ولكن ضميرنا اذا استطعنا ان نعبر عنه بحرية.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

العولمة/ الأحد 15 أيلول 2002 / العدد 37

نبحث في العولمة بسبب من نتائجها الثقافية والروحية اذا نجحت. وهي آتية لا محال تفعيلا للاقتصاد الليبرالي الجديد والسوق العالمية التي تعني تبادل السلع بين الدول جميعا. وما يرافقها انتشار اللغة الانكليزية الرهيب بحيث يظن بعضهم انها قد تطغى على اللغات الأخرى فيزول تراثها. الكثيرون لا يعتقدون ان هذا الطغيان اللغوي ممكن، فالشعوب متمسكة بلغاتها ولو استعملت الانكليزية للتجارة.

ما يخيف حقا هو ان تستبد الدول العظمى بالدول الصغرى اقتصاديا فتستغل مواردها ولا تفيدها كثيرا. ما كانت تحلم به الدول النامية، اي التبادل المتكافئ، لن يكون. فهناك تصميم على ان العالم الأول اي العالم الصناعي يحتكر الصناعات الأساسية والتكنولوجيا العليا. في ظل استعمار متجدد بطرق اخرى قد تُساء معاملة الكبار للمسلمين والعرب، وهذا من شأنه أن يؤذينا نحن مسيحيي الشرق في علاقاتنا مع المسلمين الذين لا يزالون يظنون ان الغرب مسيحي. ونحن نريد ان نبقى شهودًا للمسيح في الحضارة العربية كما كنا دائمًا وأعطيناها الكثير كما أعطتنا الكثير.

نحن ليس بمقدورنا لا من حيث نحن عرب ولا من حيث نحن مسيحيون أن نقاوم ظاهرة العولمة حتى تعطيلها. ولكنا نستطيع أن نحمي أنفسنا روحيًا من ويلاتها. وهذا لا يتوفر الا بنهضة روحية كبيرة تجعلنا نحيا من المسيح في كنيسته وذلك بالتقارب مع الكنائس المسيحية الأخرى التي لا بد ان تذوق هي نهضة فيها. طبعًا ليس من السهل أن تحيا في بلد مقهور وتظهر مقهوريته ليس فقط في اختلال الأمن ولكن في الفقر. ان هذا التردّي الاقتصادي سوف يدفعنا الى الإيمان بالمشاركة الكبيرة بالأموال بين المؤمنين.

قد تأخذنا «موضة» العولمة وترجمتها على كل صعيد في الفن، في التربية. ولا بد أن تبني الكنائس بعض وسائل الإعلام الحديث، وقد دخلت ذلك الحقل منذ الآن.

نحن لا نخشى اي تطور في الحضارة. لقد خشي المسيحيون ظهور العلم الحديث وظنوا انه يناقض الكتاب. تصالحوا الآن مع العلوم. نحن لسنا أعداء التكنولوجيا. نتبنّاها حيث ليست ضد الأخلاق. ولكن لنا موقف من استبداد الشعوب بالشعوب. ونحن ننصر الضعيف. هل يمكن أن تهتدي الدول العظمى الى انها لن تثبت اذا بقيت مستبدة بالصغار؟ هذا ما نرجوه.

لا يجوز أن يظل الصغير مصلوبًا ويموت جوعًا كما هو حاصل في عدة بلدان؟ هناك ملايين من الناس ليس عندهم ماء الشفة نظيفًا. هذا اذا لم نتكلم على أمراض تفتك خصوصًا بشعوب الدول النامية. غير ان مواجهة كل ذلك غير ممكنة الا باستنفار كل قوانا الروحية وتمكننا من تلك المحبة للضعاف وهي التي تدفعنا الى كفاح ثقافي وسياسي في سبيل بشرية واحدة تضيق فيها المسافة بين الغني والفقير، بين أهل هذا الدين وأهل ذاك، هذا اللون او ذاك. يسوع هو مخلّص الانسان والحضارة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الشراهة/ الأحد 8 أيلول 2002/ العدد 36

«لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت» تلك هي الشراهة كما حددها بولس. نحن نفرط في الطعام والشراب خشية الموت. وهذه الخشية عبودية.

أجل هناك تغذية بسبب ما تطلبه الطبيعة، ولكن طلب اللذة المفرطة ليس من الطبيعة التي ورثناها من الله. النهم مطاردة للألم. والمسيحي يقبل الألم طوعا لأنه يقبل الصليب، وفي الصليب تأتي القيامة.

ليس في الجسد مشكلة. انها النفس المشتهية التي تسخّر الجسد لذاتها. هي تتخيل انها تجانبه أو تؤخره باللذة الآنية تعويضا منها عن مواجهته معضلاتها بصدق وشجاعة. فإذا لم نستدخل الله أعماقنا لا بد لنا من «تسليات» الطعام، كمًّا ونوعًا، يجعلنا نتيه عن الأصيل فنجعل ما كان وسيلة للعيش غاية لهذا العيش. ولعل الأخطر من الطعام الخمر التي قال عنها الرسول: «لا تشربوا الخمر التي فيها الدعارة». الشرب المعقول مقبول، ولكن الكلمة الإلهية صريحة: «السكّيرون لا يرثون ملكوت الله». ذلك انك لا ترثه وعقلك ضائع.

إلى هذا يقول العلماء وتقول الخبرة ان الخمر مأخوذةً بإفراط تقود إلى الزنا. بل يصبح البطن عبادة. ذلك انه إله بديل. الخطيئة تستقطب صاحبها وتحوّله عن الشكر. كم من عائلة تصلي قبل الطعام وبعده؟ ولهذا يقول الكتاب: «فإذا أكلتم أو شربتم أو مهما فعلتم، فافعلوا كل شيء لمجد الله». بولس الرسول الذي قال هذا يريد ان يحوّلنا عن كون الطعام مركزا لنا ليجعل الله مركزا. فإذا دعوناه قبل تناول الطعام وبعده نكون كمن يقدّم هذا الطعام قربانا. الطعام يجب ان يصير مائدة محبة لله وللإخوة.

عند ذاك لا يبقى الإنسان مغتذيا من الطعام فقط. يصير متغذيا من ربه. لذلك عندنا دعاء خاص عند الغداء ودعاء عند العشاء.

لا ننسينّ ان إحدى التجارب التي تَعرَّض لها السيد في البرّية هي تجربة الأكل. والسيد ردّها بقوله لإبليس: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان». أجل، لا بد من الخبز، ولكن الأهم منه خبز الكلمة وجسد الرب ودمه.

آباؤنا كانوا لا يتناولون الدسم ولا يعددون الأطباق، ولاحظوا -كما العلماء- ان حجم المعدة والأمعاء يتقلص في حال عدم الإفراط، واكتشفوا الصوم طريقا إلى محاربة الخيالات الدنسة.

ويظهر الشره بالولائم إذا أكثرنا منها. الآباء القديسون كانوا يستضيفون الغرباء ولكن ببساطة وقلة إنفاق. أما نحن فالضيافة عندنا مدعاة إلى حب الظهور والتخمة. كل هذا التسابق في المآدب باطل وضار.

وقد لفتنا آباؤنا ان من لم يَسُدْ جسدَه على هذا الصعيد لا يستطيع ان يرقى إلى الفضائل. اضرب النهم أولاً أي جنون البطن واللسان، واذكر ان «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك». فكرة الموت إنْ لازمتنا تُحررنا من عبودية البطن الذي سيأكله الدود.

إلى هذا فالولائم الفخمة ظرف لنهرب من البساطة ونهرب من الفكر ومن مواجهة الوجدان. والشراهة تبعدنا عن الفقراء الذين هم سادتنا في الكنيسة كما يقول القديس يوحنا الرحيم. أنت مدعو إلى التقشف لتعطي الفقير طعامه في حين انه يبقى لك من الموائد الفخمة ما ترميه وكأنك تنسى ان الناس جياع. والجائعون في حاجة إلى ان يحيوا وفي حاجة إلى محبتك.

فإذا أمسكت تمتد إليهم، وهكذا تدرك ان الله أبوك وأبوهم. هذا هو سر المشاركة الذي يدعوك المسيح إليه.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

حب الظهور/الأحد 25 آب 2002/ العدد 34

في بركات مريم وصمتها وتواضعها نحن صغار جدا إن أحببنا الظهور. الله لا يُظهر محبيه في هذه الدنيا ولكن في القلوب التي تستطيبهم. من الناس من يفتخر بغناه ويعرضه على الناس لكي يسكروا به. ومنهم من يظهر جماله لكي يؤخذوا به. ومنهم من يعرض ذكاءه لكي يسحرهم. فئة تعتبر ان ثروتها شيء، وفئة أخرى ان حُسْنها (أي جسدها) شيء، والفئة الثالثة ان التماعها شيء.

هذه كلها ليست القلب المفعم بالحضور الإلهي. قد يرى القوم بِرّك، ولكن بِرّك ليس لك. لذلك لا تفتخر به. الله وحده يكشف فضائلك ليتمجد هو فيك. الإنسان الصالح ليس مالكا لصلاحه. انه فيه وديعة، والمودع هو الله.

هذه الفئات الثلاث التي تعتز بما تملك (مالا أو جاها أو حُسْنا أو ثقافة) في العمق لا تؤمن بالرب. «أعطوا مجدا لله». الكتاب، إذ يقول هذا، يحذرنا من المجد الباطل. عندما يستعمل الكتاب هذه العبارة فكأنه يقول ان هذا ليس بمجد. هذا لا يباد فيك الا إذا عرفت مجد المصلوب. لما قال السيد: «مجِّدْني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم» أراد مجد الصليب. كذلك: «الآن تَمجَّد ابن الإنسان (أي على الخشبة) وتَمجَّد الله فيه». ما همَّه ان تظهر قدرة الآب بموت ابنه أي بالمحبة المبذولة من أجل العالم. فإن أنت قبلت آلامك وصبرت استمساكا بيسوع يكون بهاؤه قد نزل عليك. «كل بشر عشب وكل جماله كزهر البرية. العشب ييبس وزهره يذوي… وأما كلمة إلهنا فتبقى إلى الأبد» (إشعياء 40: 6-8).

فإذا كان البشر عشبا فكل ما لهذه البشرة التي فينا (المال والذكاء وسواهما) هو أيضا عشب. يجب إذًا ان نتوارى حتى يعبر بنا جمال الله. وهذا غير ممكن الا إذا اعتبرنا نفسنا لا شيء. هكذا ندخل السر المريمي. العذراء قالت عن ربها: «انه نظر إلى تواضع أَمَته» فرفعها الله إليه وجعلها «أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا بغير قياس من السيرافيم». لما كانت على الأرض توارت كثيرا ولم ينظر إليها أحد. فلما رفعها الله إليه بتنا ننظر إليها «واقفة على القمر وملتحفة بالشمس».

أجل لا تستطيع ان تُخفي مالك، ولكن لا تعتدّ به ولا تغرِ به أحدا، واهرب من البذخ لأن البذخ يظهرك. أما الحسناء فليس لها ان تتبرج بما يثير الناس، ولتدرك ان القبيحة قد تكون أكثر بهاء في عيني الله. ومن كان وافر العقل فليجعله في خدمة الآخرين ولا يظهر معارفه الا عند الضرورة، عندما تقتضي الخدمة ذلك. يمكن ان تدرك التواضع إذا أحسست ان كل ما في يديك ليس منك وليس لك. كذلك إذا أدركت ان ثقافتك بعضها منك ولكنها ليست لك وانك فقط معْبر. فقد يحلو للناس ما يرونه فيك، ولكن إذا كنت مختفيا وراء جمالاتك تعرف انهم بسببها يمجدون الله فتفرح.

إذا عرفت نفسك موهوبا اشكر الله. هذا مباح ولكن لا تجعل أحدا يشكرك. يحق لهم فقط ان يشكروا لله ما أعطاك. لا يكونون قد وقفوا عندك. فإنك إن استوقفت أحدا لينظر إليك تكون قد حبسته فيك أو في ما تملك، ولكن إن تواضعت تكون قد وجّهته إلى الآب الذي منه «كل عطية صالحة وكل موهبة كاملة»، وتكون قد التقيته في الله. وهذا اللقاء هو كنيسة أهل السماء الذين لا يزالون على الأرض أحياء.

جاهد جهادا مستميتا حتى تشدّ الناس إلى وجه المسيح ليرتسم على وجوههم نوره. أنت هدفك ان يستضيء البشر بضياء الرب. أنت لست بديل الله. يمكنك ان تصير وجهه إذا أخفيت وجهك. أنت تدمر إيمانهم بربهم إذا لفتّهم إليك لأن الإيمان ان يسكنوا في الله. لهم الحق ان يرتاحوا إليك ان كنت آتيا من فوق. إذ ذاك هذه الدنيا تصير سماء.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

كورنثوس/ الأحد 18 آب 2002 / العدد 33

انشأ بولس هذه الجماعة وكتب اليها هذه الرسالة غالبا سنة 65 اي بعد موت المخلص بقليل. وأخبره عمال او عبيد لامرأة تدعى خلوي ان بين المؤمنين ثلاثة احزاب: واحد لبولس وواحد لأبلّوس وواحد لصفا اي بطرس. تحزبات ذات طابع شخصي وقد لا تخلو من طابع فكري. انصار بولس لا بد انهم كانوا من الذين ضمهم هو الى الكنيسة. ابلّوس كان ذلك المثقف البليغ الاسكندري الذي خلف بولس في التعليم. من الممكن ان بطرس مر هناك في طريقه الى روما او ربما كان أتباعه من أصل يهودي اتخذوا بطرس رمزا للمتمسكين بالشريعة الموسوية.

         لم يتضح عند المفسرين انه كان حزب للمسيح. هم غالبا الفئة التي لا تريد ان تتحزب لأحد من الرسل الثلاثة الذين ذكرنا. بولس يرفض ان يكون له حزب لإيمانه بأننا جميعا للمسيح. لا يريد ولاء شخصيا، عاطفيا له. ويرى انه لا يجوز للجماعة ان تنقسم لكونها موحدة بموت المسيح وقيامته. اي انقسام يبطل صليب المسيح.

         هذا المشهد الانقسامي في بدء المسيحية يناقض كوننا نصير واحدا في جسد المسيح الذي نتناوله. ما هـو المشهد اليوم في كنائس الجبل التي تـؤلفونها انتم؟ هناك سلوكيات تعزي. على الرغم منها خلافات مـن نوعين في بعـض القرى. اولا) نجد في الكنيسة انعكاسات لخلافات حول البلـدية والهيئـة الاختيارية؛ وثانيا) نجد خلافات حول زعماء او سياسيين تنعكس ايضا في حياتنا الكنسية. وكل هذا ينشئ تشنجات تظهر احيانا في مجالس الرعايا. لا نرى اذًا ان الكنيسة تجمع.

         من السهل ان يقال – وهذا ما نسمعه – ان اتركوا عند عتبة الكنيسة خصومات الضيعة. فالخصومة هي في القلب، والقلب هو الذي يجلس مع الشخص في مجلس الرعية. غير ان العيب الأساسي لهذا القلب ان عندنا اناسا متشبثين، قساة لا يعرفون معنى التعاون ولا يحسون بوجودهم الا اذا صدّروا أوامر للآخرين. المحبة هي قبل كل شيء ان تحترم الآخر باحترام رأيه ثم بالمناقشة لا للتنازع ولكن للوصول الى الحقيقة. فاذا كان الأمر ماليا او عقاريا او اجتماعيا، فهناك اولا أدب المناقشة، ولا عيب على احد اذا غيّر رأيه عندما يقتنع بصواب الرأي الآخر.

         غير ان مجرد التهذيب لا يكفي. المحبة اساسية. المحبة تفرض ان تتبع الحق من اية جهة جاء.  ما من موضوع لا يحتمل الاختلاف. فليس من معالجة واحدة لأي وضع. وانت تبقى عظيما اذا قبل الإخوة رأيك او رفضوه. “على المرء ان يسعى”. ليست الحياة حكما لأحد او تحكما.

         خشيتي من كل من احتسب نفسه شيئا او عائلته شيئا. فقط من عرف انه الى التراب وان عائلته الى التراب يستطيع ان يعيش مع الآخرين. الفذلكات والحرتقات والتطبيقات ليست من شيم المؤمنين بأن المسيح جامعنا الى قلبه بمحبة واحدة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عيد الرقاد/ الأحد 11 آب 2002 / العدد 32

يذكر سفر اعمال الرسل ان العذراء كانت في علية صهيون مع التلاميذ لما حل الروح القدس عليهم خمسين يوما بعد القيامة. بعد هذا لا يذكر العهد الجديد شيئا عنها، لا عن موتها ولا عن تاريخه. غير ان التقاليد القديمة المدونة في بعض الكتب التي لم تصنف في العهد الجديد تقول انها رقدت بالرب في اورشليم. ثم نلحظ ان قديسَين هما اندراوس الكريتي في القرن السابع ويوحنا الدمشقي في القرن الثامن كتبا عن رقادها وانتقالها الى السماء.

         هذا معتقد انتشر بين المسيحيين وجعل منه عيدا يقع في الخامس عشر من آب. ولكن المجامع المسكونية لم تحوله الى عقيدة ملزمة مثل الثالوث المقدس او تجسد ابن الله. ولكنه دخل في العبادات، في الإنشاد والايقونة. والايقونة تمثلها راقدة وابنها واقفا الى جانب السرير يحمل روحها على ذراعه. وتراها طفلة مقمطة للدلالة على هذه الروح التي قبضها المسيح.

         اجيال كثيرة منذ 15.. سنة تقريبا آمنت بهذا الأمر. ولذا يعتبر جزءا من تراثنا.

         الفكرة التي تهيمن على هذا المعتقد ان التي حملت بيسوع وظللتها نعمة الله العلي عصم الله جسدها من الانحلال ونقلها اليه كما نقل مسيحه اليه. هذه المشاركة الأساسية بينها وبين ابنها جعلتها تموت كما مات السيد وجعلتها تنتقل الى السماء بجسد ممجد كما سنكون نحن بعد القيامة بحيث انها دخلت المجد الإلهي كاملا على طريقة الشهداء. بتعبير آخر هي لا َتمثُل امام الديان العادل بل صارت “اكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا من السيرافيم” وهي اقدس من كل القديسين.

         وبسبب هذا المجد جعلت لها الكنيسة اعيادا كثيرة ما عدا الرقاد. حبل حنة بها عيد، وكذلك مولدها، ولها عيد جامع ثاني الميلاد. ورتبت لها الكنيسة صوما بين اول آب وعيد الرقاد، وفي هذا الصوم تقام، إكراما لها، خدمة معروفة بالبراكليسي اي الابتهال وتقام لها “خدمة المديح الذي لا يجلس فيه” خلال خمسة اسابيع من الصيام الكبير، وهي صلوات مستمدة من عيد البشارة التي اشتركت بها من حيث انها قبلت نداء الملاك لها لتصبح أُمًا للإله الابن.

         هذا الاحتفاء الكبير بها جعلنا نضع ايقونتها على الايقونسطاس (جدار الايقونات الفاصل بين القدس اي الهيكل وصحن الكنيسة) وهذا ما حدا بالمؤمنين ان تقام لها كنائس في كل انحاء العالم المسيحي مخصصة لهذا العيد او ذاك الذي نقيمه لها.

         الى هذا هي مذكورة دائما في صلاة الغروب والسَحَر والقداس الإلهي بكمية من الصلوات لا تحصى لأنها واقفة قرب عرش الرب تشفع دائما بنا.

         ولعل من اهم ما قيل عنها في الكتاب العزيز قول يسوع المصلوب الى تلميذه الحبيب: “هذه امك”. والكلام يتجاوز كون يوحنا هو الذي خاطبه المخلّص بهذا الكلام اذ الإنجيلي لا يسمي نفسه باسمه بل يقول عن نفسه انه التلميذ الحبيب. وتكون العذراء هكذا أمًّا لجميع المؤمنين بيسوع.

         ماذا تعني هذه الأمومة؟ لسنا نعرف ذلك بالدقة. ولكن الكلام في ظاهره يعني ان ثمة علاقة حميمية بيننا وبين العذراء. فمَن تجاهلها في عبادته يكون متجاهلا لبعض من الإنجيل. ألم تقل لإليصابات: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال”؟ ان هذا التطويب لا يعني فقط ان نعظمها عقليا ولكن ان نخاطبها كأبناء في الصلاة والوحدة بها.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 4 آب 2002 / العدد 31

بعد أن أسهب بولس في الرسالة الى أهل رومية في بحث الإيمان، يبيّن في قراءة اليوم ان هذا الإيمان ينشئ الكنيسة المتعددة الموهبة. وهذا كله من الله. فلا يفتخر أحد على أحد لأن هذه المواهب مجتمعة هي التي تنشئ كنيسة حيّة.

      لا يذكر بولس موهبة الكهنوت اذ لا كنيسة بلا كهنوت. ولكن كنيسة رومية كنيسة ناشئة. عندما كتب اليها لم يكن قد ذهب اليها رسول. كانت المسيحية قد انتشرت منذ ربع قرن تقريبًا قبل كتابة بولس اليها وعرفت بإيمانها الكبير. فكانت غنية في العطايا الروحية.

      هذا الإيمان الواحد ينشئ النبوءة، والنبوءة في العهد الجديد ليست حديثًا عن المستقبل ولكنها كشف إرادة الله للجماعة، للرعية الرومانية هنا. فالنبي بهذا المعنى هو من كانت له قوة التحذير والتوعية والتوجيه والتوبيخ. والنبي طبعًا هو من استند على الإيمان الذي يسكبه الروح القدس.

      اما الخدمة فلا بد انها تعني اولا خدمة الكلمة. ولا خدمة لأحد ما لم يكن ممتلئا من الكلمة. ولكنها أخذت معنى خدمة الفقراء. ولما ظهرت رتبة الشمامسة سُمّوا خدامًا بالمعنيين: المعنى الطقوسي لأنهم كانوا يشتركون بالقداس الإلهي، والمعنى العملي لأن وظيفة رئيسة لهم كانت العناية بالفقراء.

      اما المعلّم فهو الذي يعرف الإنجيل الذي لم يكن قد دُوّن في ذلك الوقت ولكنه كان تقليدًا شفهيا مُختَزلا في ما سُمّي “انجيل بولس”. النبي هو المُلهم في الآن الذي يتكلم فيه. واما المعلّم فلا، فهو الذي فهم المبادئ المسيحية الأساسية وعرف ارتباطها بعضها ببعض.

      الواعظ يأخذ التعاليم الأساسية ويشرحها ويثقف الناس بها. المعلّم هو الانسان النظري، المتماسك الأفكار، يلقن التعليم كأستاذ. اما الواعظ فيوزع الانجيل على الرعية المجتمعة حسب حاجاتها. هو نظري وعملي معًا.

      اما المتصدق فينبغي أن يكون بسيطًا لا يستعلي على من يُحسن اليهم. غير التصدق الفردي عندنا الصدقة الجماعية التي أخذت الكنيسة تنظمها.

      المدبر الذي يدبّر بالرب وينذر ويتعب بالكلمة والتعليم.

      هذه المواهب كانت تتلاقى وتتقاطع، وقد يكون المؤمن عنده أكثر من موهبة واحدة. واعتقادنا ان الذي جمع أكثر من موهبة هو الذي صار قسًّا ومسؤولا عن الجماعة.

      بعد هذه الخدم التي تجعل وحدة الجماعة، انتقل بولس الى كون هذه المواهب لا يمكن تفعيلها بلا المحبة فأكد عليها ورأى انها تقود الى إكرام الواحد للآخر اي الى الاعتراف بموهبته، وهذا يجب ان يظهر في الاجتهاد، في التغلب الداخلي على ما يمنع المحبة التي تجعلنا “حادّين بالروح”، عابدين، فرحين، صابرين. هذه الفضائل ان ظهرت تدلّ على ان مواهب الروح القدس المذكورة اولا هي حقيقية لا وهم فيها. ودليل الصدق ان نؤآسي القديسين اي فقراء اورشليم، مضيفين للغرباء اي      المسيحيين الوافدين الى رومية من أطراف العالم. ولعلّ بولس كان يتوقع الاضطهاد الذي حلّ فعليًا بعد سنوات قليلة على عهد نيرون. المضطهِدون يجب ألا نلعنهم بل ان نباركهم لكي يسطع في المدينة نور المسيح.

Continue reading