كل بحث لاهوتيّ قائم على كلمة الله والتراث الذي ينقلها ويفسّرها. وكلمة الله ليست قانونا وضعيا ولا تتضمّن قانونا وضعيا. وليس من مقولة مدنية او سياسية ترعى النظام الكنسيّ. وما من قرار للسلطة الكنسية ذا قيمة او إلزام ما لم يكن موافقا لكلمة الله والتراث. فالكنيسة ليست مجتمعا ديموقراطيا قائما على سيادة الشعب وتنفيذ هذه السيادة بالتصويت.
الكنيسة كلها من حيث هي مرتبطة بالكلمة قال عنها الله مجتمعة: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكيّ وأمّة مقدسة» (1بطرس 2: 9). وليست قائمة على تقسيم فئويّ بين إكليروس وشعب، فإن كهنوت الكاهن او الأسقف لا يخرجه من الكهنوت الملوكيّ الذي يحمله الشعب كله بمعنى أن من سُمّي إكليريكيا هو من الشعب له تفويض إلهيّ خاص من أجل إقامة الكلمة والأسرار، وهذا لا يجعله طبقة او طغمة اذ ليس في الكنيسة من طبقات.
هنا تجيء كلمة «علمانيين» المشتقّة غالبا من لفظة «عولم» السريانية التي تعني هذا العالم، وفي الفهم الشائع انها تترجم كلمة «لاييك» الفرنسية التي تحمل معنى دهريا ناتجا عن فلسفة الأنوار التي سبقت الثورة في فرنسا. وهذه اللفظة تختلف كليا عن الكلمة اليونانية «لاييكوس» التي تعني العضو في شعب الله، وللالتصاق بالمعنى اليوناني آثر آباؤنا العرب ترجمة لاييكوس بصيغة الجمع بلفظة العوام اي كلية المؤمنين ولا تحمل معنى الخفض لقيمة المؤمن العادي.
فإذا كنا جميعا شعب الله وكهنوتا ملوكيا وأمّة مقدسة على الرجاء، ليس من احتمال لقيام إزائية بين المرسوم وغير المرسوم بحيث توضع صلاحيات إدارية لهذا وصلاحيات لذاك، إذ الإدارة مقولة قانونية وليس في الكنيسة أصلا قانون بالمعنى الوضعي. واذا لم تكن ثمة إزائية لا يرد البحث عما يستطيع أن يقوم به الأسقف وعما لا يستطيع الا بتصويت هيئة من العلمانيين. فإذا وُضعت الأيدي (الرسامة) على رجل ليصير أسقفا، لا ينفصل عن «الأمّة المقدسة»، بل عليه ان «يسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤيا 2: 7) اي للجماعات المصلّية المتغذية من جسد الرب. استمع ما يقوله الروح القدس ولا تسمع الى كل من سُمّي مسيحيا يحفظ مسيحيته على بطاقة هويته.
* *
*
الأمّة المقدسة لا تعني اذًا مجموعة المسيحيين المستقيمي الرأي بالتسمية. هناك فرق بين مَن مارس ومن لا يمارس. المعمودية لا تكفي لتصير مسيحيا. إن لم يكن الروح الإلهيّ فاعلا في نفسك ومكوّنا لعقلك، فمعموديتك كانت مجرد حمّام على ما يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث. اذًا ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي الحديث. ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي المرصوص او المصطفّ. العلاقة بين الأسقف والعوامّ هي في الكنيسة حيث لا سلطة بمعنى القانون الوضعي. واذا قال المسيح «كل سلطان أُعطي لي في السماء والأرض» (متى 28: 18) يعني بذلك كل قدرة لأنه هو القائل «مملكتي ليست من هذا العالم». من يعرف شيئا من اليونانية يفهم أن العهد الجديد لم يستعمل مرة كلمة سلطة بالمعنى الذي يعرفه الشرع الروماني.
في الكنيسة سلطة المحبة فقط، وهذه المحبة وحدها تجعل الأسقف رقيبا (وهذا معنى لفظة أسقف)، فاذا راقب يراقب بمحبته واذا كان هو المعنيّ رسوليا ليكون رقيبا، فليس عليه من رقيب. هناك فقط المراقبة الجماعية التي يمارسها المجمع، وهي ايضًا ليست ذات طبيعة حقوقية. انها تأتي من محبة الإخوة المطارنة بعضهم لبعض.
هنا يأتي موضوع شكوى العلمانيّ على مطرانه. هذا يتم أمام السيد البطريرك ومجمع المطارنة بناء على تهم معلّلة مستندة الى القانون الكنسي القديم الذي يعدد ويصف معاصي المطران التي تستوجب محاكمته.
ليس واردا تاليا أن تشكل هيئة علمانية تُسائل المطران اذ تكون عند ذاك رقيبة على الرقيب. خارج مقولة الرقابة، كل مؤمن يسأل المطران ما يشاء. هذا سؤال وليس مساءلة. فاذا لم يستقبل المطران السائل، يلحّ هذا عليه مرة او مرات او يصطحب من يلحّ عليه لأن الحقيقة أقوى من المطران وأعلى. وإنه لشيء عاديّ أن تصدر الحقيقة عن العلماني. هذا ما تفرضه سلطة المحبة، والبنوّة تنادي الأبوة. والسؤال ليس فقط عن الأوقاف وأحوال المال، ولكن يتناول بالدرجة الأولى الأمور الروحية واللاهوتية اذا أخطأ المطران فيها أو كان في حاجة الى أن يتقوّى بها.
تقضي قاعدة المحبة بالشورى. وهذا ما كان ايام الرسل لما اجتمعوا في اورشليم ليبحثوا في قضية قبول الوثنيين في الكنيسة. الرسل رأوا انهم في حاجة الى استشارة الإخوة. ينتج عن ذلك أن الأسقف الذكيّ يستشير لعلمه بأنه لا يعرف كل شيء والتشاور يخفف عنه أعباء كثيرة وتأتي قراراته مستندة إلى قبوله بمن له تقانة وخبرة.
أفهم ان اجتماع عدة أشخاص حوله يزيده علما وقد يزيده تواضعا. ربما ليس صعبا على اي أسقف أن يجمع مجلسا استشاريا او شوريا assemblée délibérative لها الحق في كل سؤال ويلزم نفسه بالاستماع اليها وأن تناقشه ويبقى مقيّدا بضميره وقناعاته اللاهوتية. واذا اقتربنا الى الواقع لا بد أن نلحظ بالممارسة أنه يشاور الناس بأمور دنياهم اذ لا بد ان يكون بينهم من أولي الاختصاص. وأزيد على هذا انه حسن أن يُخضع الأسقف ماليته الى مراقبة شركة للمحاسبة وان ينشر تقريرها او يبلغه الى المجمع المقدس (وعندنا في هذا قرار) فيبرئ هكذا ذمّته امام الجميع. وهذا ليس فيه انتقاص لسلطانه الأسقفي.
* *
*
تبقى القضية الاجتماعية والاهتمام البالغ بالفقراء. هنا تعظم مسؤولية العلمانيين ولاسيما أنهم عالمون بأمور العمل والمشاريع العمرانية ووجود عدد من الأثرياء الذين نرجو أن يزيد كرمهم. هناك عملية تنظيم كبير حتى لا يبقى في الطائفة بائس وان كان «الفقراء معكم في كل حين» كما يقول السيد المبارك. هناك أوضاع اجتماعية لا بد من فهمها ومواجهتها، وهذا يقوم به الكثيرون في رعاية الأسقف والكهنة الذين هم على اتصال بكل الشرائح المجتمعية. العلمانيون هم في الميدان بحكم موقعهم حتى لا يظلّوا حصرا مستشارين.
الى هذا القضية السياسية بما فيها عدالة الحكومة في شأن المناصب والوظائف في الحكم. هنا أرى فسحة كبيرة للنواب وأهل السياسة. اجل قلنا منذ عقود ان الأرثوذكسيين هم أولاً كنيسة وليسوا مجتمعا مدنيا قائما في ذاته. ولكن آن للأرثوذكسيين أن يعرفوا انفسهم طائفة لبنانية غير مهمّشة مدعوّة الى بناء الوطن القائم حتى الآن على الطائفية. يجب على الأرثوذكسيين أن يدخلوا اللعبة كما دخلها غيرهم لأننا لم نصل بعد الى الآخرة. ليدرسوا اذا بهدوء هل هم مغبونون. ليفتشوا عن حقوقهم ويستفيدوا من الدولة. اذ ليس من المعقول ان تخدم الدولة بالتخلّي عن حقوقك فيما الكل مهتمّ بحقوقه.
اجل لا ينبغي أن يعزل المطارنة عن هذا السعي لكونهم آباء لأبنائهم في حاجاتهم، ولكن السعي الحثيث الى هذا وتنظيمه مسؤولية أولى للعلمانيين. لا يسوغ أن تحس فئة من الشعب أن السلطات المدنية مهملة لها.
هذا لا يعني عندنا أن للطائفة الأرثوذكسية سياسة واضحة، محددة خارجية كانت أم داخلية. وقد لا يريد الكثيرون منا اصطفافا أرثوذكسيا على اي صعيد من الحياة الوطنية، ولا يريد الأرثوذكسيون تراصا لهم سياسيا وبعضهم ينخرط مع الطوائف الأخرى او الأحزاب في الشأن الوطني ولاسيما انهم انضمّوا الى أحزاب عقائدية او غير عقائدية. ولكن هذا لا يمنع أن يحتجّوا على انتقاص حقوقهم في مجال الانتخابات النيابية اذا كان هذا واردا وفي مجال الحقوق البلدية او الاختيارية. أفهم ان يحسّوا انهم في حاجة الى العدل.
ولكن كل هذا لن يسير سيرا حسنا اذا بقي عدد كبير منهم أرثوذكسيين اسميا حسب التوصيف الطائفي في لبنان. بلا تحسّس دينيّ كبير والتزام لحقوق الله عليهم وانخراط جادّ في ثقافتهم الروحية لا تحلّ مشكلة بينهم وبين رؤسائهم الروحيين. بهذا فقط ينتقلون من الرؤية الوضعية، الزمنية الى رؤية روحية تكون الزخم الكبير لحياتهم في الإيمان وفي الوطن والحكم.
Continue reading