Monthly Archives

January 2010

2010, مقالات, نشرة رعيتي

الكنز في آنية خزفيّة/ الأحد 31 كانون الثاني 2010 / العدد 5

بولس عند اهتدائه على طريق دمشق رأى المسيح نورًا وقال لأهل كورنثوس إن هذا النور نفسه يُشرق في قلوبنا. ونحن مدعوّون أن نعرف مجد الله أي الآب الذي يسطع على وجه المسيح.

بعد هذا يقول إن نور المسيح هو الكنز الذي لنا في آنية من فخّار لأننا ضعفاء ومعرّضون للخطيئة. ينبغي أن نعي بآن معًا شيئين: أن نور الله ينزل علينا، وأننا ايضًا ضعاف.

نحن الرسل والمؤمنين متضايقون ولكن غير محصورين أي قادرين أن نخرج من هذا الضيق. نحن متحيّرون او قلقون ولكنا غير يائسين. دائما هناك إمكانية تحرّر من القلق. مضطهَدون نحن، ولكن لا يخذلنا الله ولا يتركنا. نحن مطروحون، مكبوبون ولكنا غير هالكين. نحن «حاملون في الجسد كل حين إماتةَ الربِ يسوع» اذ نأخذ آلامه فينا «لتظهر حياةُ يسوع ايضًا في أجسانا» لأننا قمنا مع المسيح وبهذه القيامة نحن غالبون الألم والضعف. ويوضح بولس هذا الكلام بقوله: «لأنا نحن الأحياء نسلّم ايضًا الى الموت من اجل يسوع» وذلك بالاضطهادات التي تحصل ونذوقها.

الرسول الكريم في عينيه دائما آلام السيد وقيامته. هذا محور تبشيره في كلّ مكان وهذا ما رآه في اهتدائه وفي تأملاته في ديار العرب. فاذا أصابنا الموت (اي عذابات هذا الدهر) فنحن نحتمله لتنزل على المؤمنين نعمة القيامة. هذا الصبر يأتي من روح الإيمان بناء على ما جاء في المزامير: «إني آمنتُ ولذلك تكلّمتُ».

في البدء يكون الإيمان بموت المسيح وقيامته. بعد هذا يأتي التبشير بالاستناد الى كلام المزمور. يعود بولس الى تأكيد أننا سنقوم نحن ايضا بما أن المسيح قد قام. الذين يقولون: «من ذهب ورأى وعاد ليتكلّم؟» كلامهم مردود اذ لا يحتاج أحد الى دليل أعظم من دليل قيامة المسيح. إنه لم يكتفِ بأن يشاهد الحياة. انه أتانا بالحياة. وقد رأيناه بعد موته ورأينا أن الموت قد ديس.

بعد هذا التأكيد يقول بولس الرسول «ننتصب معكم»، نقف معكم في كلّ أحوالكم وضعفاتكم لأن كلّ شيء مما أعطته السماء هو لكم. كلّ نعمة من عند الله لكم. واذا تكاثرت النعمة بشكر الأكثرين تزداد لكلّ المؤمنين لمجد الله. لا يأخذ أحد النعمة لنفسه فقط. إنه ينالها ليشارك المؤمنين فيها.

النعمة تنتقل من الواحد الى الثاني بالقدوة والكلام. كل ما يناله أحدنا من الله يناله الأكثرون بحياة القداسة عند هذا وذاك.

وعندئذ لا يقوم وحده من خطاياه. هو، بقوّة يسوع، يقيم الآخرين من الموت، والرائحة الزكيّة التي تحفظها الآنية الخزفيّة تعطّر الخزف كلّه. في وسط ضعفاتنا نستقبل نعمة المسيح.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الابن الوحيد / السبت ٣٠ كانون الثاني ٢٠١٠

الابن الوحيد اذا قيلت عن المسيح هي إياها الابن الحبيب. لم يسمّ في العهد الجديد ولد الله. مرة واحدة في رسالة يوحنا الأولى الجامعة قيل إنه مولود من الله. سُمّي الناصريّ مولود مريم. البشر نعتهم الكتاب بأنهم أولاد الله. القول اذًا إنه ولد من حيث هي تسمية غير واردة عندنا إلا في بعض المواضع الطقوسية النادرة جدا. الابنيّة او البنوّة هي التسمية. غير أني لست معالجا مصدر الابنيّة مباشرة كما ورد في دستور الإيمان النيقاويّ في عبارة بإله حقّ من إله حقّا. قصدي أن أصل الى هذا من بشرية المسيح.

         أتخذ معمودية الأردن منطلقا لكلامي على الابنيّة. قبل أن عمّده يوحنا  المعمدان أو السابق قال عنه هذا:بهوذا حمَلُ الله الذي يرفع خطيئة العالما (يوحنا 4: 29) أي انه في سياق الحديث عن موته وبعد اصطباغه شهد بأن هذا ابن اللها. هذا ليس قولا واضحًا عن أزلية العلاقة بين الآب والابن. هنا عندنا ابنيّة مكشوفة في بشرية المسيح المصطبغة في الماء. يوحنا الإنجيليّ ونهجه أن ينزل من ألوهيّة المسيح الى بشريّته يصعد هنا من البشرية الى الألوهة.

         متى الذي يركّز على البشرية يذكر المعمودية. بعدها «انفتحت السموات ورأى السيد روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت من السماء قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ» (3: 16 و17) هكذا عند مرقس بصورة شبه حرفية. كذلك لوقا.

         ماذا يعني هذا الكلام الواحد في سرد حادثة المعمودية في الأناجيل التي نسمّيها إزائية (متى، مرقس، لوقا) بسبب من تشابهها الكبير في عيد الظهور الإلهي (6 كانون الثاني) الذي يسمّيه العامّة الغطاس؟ تقول العبادات عندنا انه إعلان عن سر الثالوث المقدّس. ولكن لماذا يُنزل الله هذا الكشف بمناسبة صبغة المسيح في الأردن وهذه الصبغة نعرفها في لاهوت العهد الجديد ولا سيما عند بولس انها رمز لموت المسيح وقيامته (النزول في الماء هو النزول في الأرض، والارتفاع عنه ارتفاع عن الأرض).

         أظن أن مفتاح فهمنا لهذه النصوص المتشابهة هو ما ورد في إنجيل لوقا عن التجلّي.

#                                   #

#

         صعد يسوع الى جبل ليصلّي. لعلّ الجبل ثابور ولعلّه حرمون اي جبل الشيخ بوفيما هو يصلّي صارت هيئة وجهه متغيّرة ولباسه مبيضا لامعا، واذا رجلان يتكلّمان معه وهما موسى وايليا اللذان ظهرا بمجد وتكلّما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمّله في اورشليما (٢١:٩-٣٨). هو في مجدٍ خرج منه، والنبيان في مجد نزل عليهما من فوق، وكان الحديث عن آلامه. هذا ما عناه القول: خروجه في أورشليم. ثم بكانت سحابة فظللتهم (أي التلاميذ الثلاثة الذين رافقوه الى الجبل). فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلا: بهذا هو ابني الحبيب. له اسمعواا (٢٤:٩ و٢٥).

         هنا على الجبل ليس عندنا عبارة بوبه سُررتُا، ولكن عندنا حديثه مع موسى وإيليا، وهنا أتجاسر أن أستقرئ أن ما قاله الآب على نهر الأردن معناه أن سرور الآب بالابن يدلّ بالدرجة الأولى على سروره بالابن المتألّم اذ هكذا تمّت مشيئة الآب. وأثناء الحوار مع النبيين انكشف المجد عليه ومنه على موسى وإيليا. الله يظهر على ابنه المجروح على الصليب وقد قال يوحنا الإنجيلي غير مرة ان الصليب مكان المجد.

         وإذا لم يكن من مجد في السماء وعلى الأرض إلا مجد الله من جملة هذه الأقوال نتبيّن أن موضع المجد الإلهي بامتياز كان جسد المسيح في جراحه. وعندما يقول يوحنا في مطلع كتابه: بوالكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدًا كما الوحيد من الآبا. يكون قد ربط بين مجده ووصفه وحيدا من الآب. ووحيد وحبيب واحد في العهد الجديد. ويكون يوحنا مردّدا، على طريقته، ما قيل  في صبغة المعلّم في الأردن وتجلّيه على الجبل. ويكون نزل من كلامه عن الكلمة في بدء روايته الى بشرية المسيح ليرى مرتسما عليها المجد الإلهي.

         بعد نزول الكلمات تصاعدها. هذا ما نلمسه في أجلى بيان في بشارة متى اذ يقول: بليس أحد يعرف الابن الا الآب ولا أحد يعرف الآب الا الابنا (٢٤:١٠). هذه الآية لا يمكن فهمها ما لم ندرك أن جذر عَرَفَ، يعرف في كل الكتاب المقدس ولا سيما  في العهد العتيق لا يعني إلا تلك التي تربط الرجل بالمرأة. التي هي وحدة بينهما حتى صيرورتهما كيانا واحدا (وفي التكوين ثم عند بولس جسدا واحدا). اي ان الآب والابن معا، وبسبب من التبادل بينهما، يحب الواحد الآخر حبا يقف عندهما ويجعلهما كيانا واحدا. المحبة عندنا هي وحدة الألوهة وهي تشكل الرابط بين الوجوه الثلاثة (وهم ليسوا ثلاثة رقمية) ونسمّيهم الآب والابن والروح القدس.

         من كل هذه الأقوال نستقرئ أن فكر العهد الجديد يجعل كل مجد الله على وجه يسوع المسيح. الانسان البارّ والطاهر الذي فقد كل انفعال بشريّ وتنزّه عن كل شهوة نرى أن أنوارا إلهية ارتسمت على وجهه. هنا نرى أن بشريا واحدا مولودا من امرأة كما يقول بولس اسمه يسوع الناصريّ مصبوب عليه كل مجد الله وليس عليه أي ارتسام من مجد هذا العالم.

         لقد أراد الله لفهم سر علاقته بهذا الإنسان الفريد أن ينشئ جسده من مريم بروحه، وكشف أنه كلمته ومن معانيها أن ما يقوله هذا الإنسان يقوله الله نفسه بحيث أمكنك أن تهجّئ الفكر الإلهي اذا استطعت أن تقرأ وجه يسوع المسيح، واذا أحببته تكون قد أحببت الله، واذا استطعت أن تذهب معه الى الصليب حاسبا أنك ترى مجده في الحقيقة، قد تصعد الى مجد الله. من بطن مريم الذي اختاره الله له تتابعه خطوة خطوة في عجائبه وأقواله، فترى لمسات أبيه عليه لتصل الى الصليب حيث وضع الله عليه كل هندسته وكشفه لك مخلّصا.

         هندسة محجوبة بالدم ثم ينكشف الحجاب بالقيامة يسطع منه النور الذي بدا أولاً في نهر الأردن وثانية على جبل التجلّي وأخيرا على الجلجلة التي سكب الله عليها كل معرفته للكون وفيها ربط الله نفسه بالإنسانية جمعاء، فهي قد نالت الخلاص بهذا الإنسان الممزّق علمت أَم لم تعلم. وأنت اذا أردت المجد، كل المجد الممكن  لإنسان أن يتلقّاه تعرف المسيح طريقا وحقّا وحياة وتقف عند هذا، حتى اذا رفعه الله الى السماء يرفعك معه، واذا أجلسه عن يمينه ويُجلسك فيه عن يمينه لتصبح بشريتك بعد أن نالت المجد عديلة بقوتها وبهائها للألوهة القائمة من الأزل الى الأبد. والأبدية التي دُعيت انت اليها تجددت به أزليّتها لمّا حلّ الابن في أحشاء البتول بمعنى انك انت المخلوق بعد الأزل تنتقل بالحب الى ما قبل الأزل كأنك غير مخلوق.

         انت الذي أبدأك الله تصير كأنك غير مبدوء به لأن المسيح في سر محبته يكون قد خطفك الى عدم البداءة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

تيموثاوس/ الأحد 24 كانون الثاني 2010 / العدد 4

الرسالة الثانية الى تيموثاوس هي إحدى الرسائل الرعويّة الثلاث لبولس. الرسالة الأولى كان قد بعث بها بعد أن انتهى الرسول من سجنه الأول في روما وتحرّك هنا وثمة ثم عاد الى روما وارتحل الى إسبانيا. أخيرًا عاد الى بحر إيجه ولا سيما كريت ومقدونيا واليونان.

خلال هذه الفترة، اي حول السنة 64 أو 65، انتدب بولس تلميذه تيموثاوس لخدمة أفسس. كتب إليه من مقدونيا رسالته الأولى. بعودة الرسول الى روما سجنته السلطات مرة ثانية. ومن السجن كتب رسالته الثانية الى تيموثاوس في وقت قصير قبل استشهاده الذي كان السنة 67 أو 68.

يصل الرسول في هذا المقطع الى وصايا لتلميذه: لقد استقريتَ تعليمي اي تبعتَه، وبولس يشير الى الكلام الذي كان يقوله لتلميذه. ثم تعرفُ سيرتي. القدوة عنده مصدر أساسيّ للتعليم. ورأيتَ أناتي وصبري ومحبتي والاضطهادات التي عانيتُها وما أصابني في أنطاكية (آسيا الصغرى) وإيقونية ولسترة. وهذه كلها مذكورة في أعمال الرسل. ثم يكرر كلامه عن الاضطهادات التي عاناها. ثم يشير الى أعداء الإيمان فيقول عنهم: «اما الأشرار والمُغوُون (هذه غواية الدجل) من الناس فيزدادون شرا مضِلَّين ومضَلّين».

أخيرا لا يكتفي بولس انه علّم، فيوصي تلميذه أن يستمرّ على ما تعلّم علم اليقين «عالِمًا ممّن تَعلّم» أي من بولس. بولس كان عارفًا أنه يحمل التعليم الصحيح، ولكنه يزيد على ذلك أن تلميذه يعرف منذ طفوليته الكتب المقدسة ويعني بها أسفار العهد القديم. وإذ يسمّيها كتبًا مقدسة يعني أنها موحاة من الله. هذه هي الكتب التي قرأها الرب يسوع واستشهد بها أي أن السيد كان يراها مسلَّمة الى كنيسته وهي حفظتها واستعملتها جيلا بعد جيل في العبادات المقدسة. المزامير جزء كبير من صلواتنا. والأنبياء نقرأهم في عشية بعض الأعياد ولا سيما السيدية.

بعض الناس يظنّونها مؤسّسة للقومية اليهودية والصهيونية. هذا غير صحيح فالعهد القديم يتوجّه الى شعب يؤمن بالإله الواحد وبأنه كلّم الأنبياء، ولا يعترف لليهود كقوم بأيّ امتياز، ولا يقول انهم أفضل الشعوب. اما استغلال الصهاينة اليوم للتوراة فلا شأن للتوراة به. هي طريقنا الى المسيح وليس الى الشعب اليهودي.

ثم يقول بولس ان هذه الكتب تجعل تيموثاوس حكيمًا أي تعطيه حكمة الله والفهم الإلهيّ بحيث يتدبّر حياته وسلوكه وفق الكلمة الإلهية. هذه الحكمة تقوده الى الخلاص الذي يصل إلينا بإيماننا بالمسيح يسوع.

هذا الكلام موجّه الى جميع الناس وبنوع رئيسيّ الى الكهنة المدعوّين أن يتحلّوا بفضائل تيموثاوس من جهة، وأن يُطالعوا الكتاب المقدس في عهديه ليعظوا منه، اي ليستلهموه حتى تتطبّع عقولهم بكلماته لينقلوا فكر الله للناس لا فكرهم الخاصّ ولا فكر الأدباء والشعراء. رجل الله يتكلّم بكلام الله فيتغذّى المؤمنون بالمعنى الإلهي.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الحكم المدنيّ / السبت 23 كانون الثاني 2010

الحكم المدنيّ حكم وجوديّ أي قائم على وجود ناس مرتبطين بعضهم ببعض ببناء المدينة التي ينتمون اليها وامتدادا لهذا ينتمون الى تجمّع مدن وقرى يسمّى وطنا ويرثون هذا الوطن من التاريخ الذي جعله كيانا أرضيا يحتوي بشرا لا صفة لهم إلا بكونهم مجتمعين جسديا، متعاونين في تراكم إنساني، في تفاعل إنساني لا ميزة لأحد منهم على آخر واجتماعهم اجتماع مهن يعيش الكل بها لأنها متكاملة ونافعة لعيش واحد.

كل مهنة تستند الى الأخرى ومجموعتها اقتصادهم وفق المقولة الرومانية القديمة: «في البدء حياة وبعد هذا تأتي الفلسفة» اي انهم لا يجعلون أي معتقد عنصر مشاركة فيما بينهم. الحياة وحدها كما هي في بساطتها وجمالها ضمانة استمرارهم، ولا يحتاجون الى شيء غير الحياة يقضونها بينهم وفي عيالهم ولا أفق لهم سواها تنبسط امامهم كما ينبسطون عليها.

هذه قراءة الوجود البسيط الذي لا يسأل عن ديانة أحد ولا يسمح لديانة أن يكون لها انعكاس سياسيّ. والأمر ليس لمؤمنين دون مؤمنين من الطرف الآخر. الديانة تفسير، والوطن وجود لا تفسير فيه. فيه حق أدنى من الأخلاق المجتمعية الضرورية للتعايش بلا موت. ومعنى ذلك أنك لا تقتلني ولا تقصيني بسبب إيماني عن المعايشة الجماعية ولا تعطّل وجودي في الحكم ولا تسند الحكم تمايزا لفئة دينية تريد حكما يزعم أن السماء تكلّمت عليه.

انت تنظّم العيش مع كل اهل البلد يستلهمون ما يستلهمون ولكنهم لا يفرضون على حياة الأرض ما لا يرضى عنه اهل الأرض في معيّتهم. هذا لا يمنع فريقا أن يقترح ما يشاء، والاقتراح يقاس بما ينفع الأرض. الوطن فيه أديان مختلفة ومذاهب. هذه لأصحابها خيارات، ولكونك تحافظ على حياة الآخر تستقبل خياره بفرح ولا تفرض عليه شيئا إن لم يكن متأصلا بمنافع له ولك وذلك في عدل له ولك. وله أن يؤثر خياره لأنه هو خياره وتُسرّ أنت بحريته.

بكلام أبسط المجتمع العام يتعامل مع شرائح تنتمي الى ديانات مختلفة وهذه الشرائح تحيا بدياناتها وقد تستمدّ منها مواقف سياسية -لأن الدين في الحياة بما فيها الجانب السياسيّ- ولكن هذا لا علاقة له بالعدد ولا بتوازنات عددية. الأديان مصدر استلهام ولكن لا علاقة لها بقيام مؤسسات الدولة. قد تستوحي المصادر الدينية استيحاء لقانون وضعيّ، وقد يأتي القانون الوضعي حرا من اي استيحاء دينيّ ولكن لا يصدم ضمير الناس وإخلاصهم الروحيّ.


# #

#

عندما أقول حكما مدنيا اذًا لست أقول حكما خارجا عن القناعات الروحية عند الجماعات او مناقضاتها. اقول فقط ان المواطن ذو هوية وطنية اي يعتبر أنه عضو في مجتمع وطنيّ واحد ليس مؤلفا من أجزاء دينية. هذه لها وجودها الحر وشرعيتها وملء حقّها بامتداد غير قسريّ اي لا تقمع او تضطهد او يضطهدها آخر. وتخاطب بعضها بعضا لأن انقطاع الخطاب تقوقع وانقطاع حياة. الجماعات الدينية تتحاور دينيا اذا شاءت، وهذا من شأنه أن ينعش البلد. هذا مستوى والتحاور السياسي بين الناس وطنيّ ولا علاقة له بالطوائف لأن الطوائف لا وجود لها وطنيا. التلاقي الفكري او التباعد الفكري شيء آخر.

يتّضح من هذا الكلام أن المستوى الوطني والمستوى الطوائفي لا يلتقيان. إنهما هويتان مختلفتان كليا. عندما أقول ان المستويين لا يلتقيان أريد أن طائفتك ليست درجة من الوجود تصعد عليها لتصل الى الوجود الوطني. ذلك لأن الدين ايمان نازل عليك من الله ويمسّ قلبك ووجدانك وعقلك وسلوكك وتربيتك ومعاشرة اهل الإيمان الذي انت منه. وهؤلاء جماعة مستقلّة قاعدتها غير قاعدة الوطن الذي يأتي من هذه الأرض.

عند هذا السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة هو ما العمل اذا كان الناس يختلط عليهم المستويان الطوائفيّ والوطنيّ بحيث يرون أن الطوائفيّ يجب أن يخترق الوطنيّ، أن يدخل فيه، أن يستوطنه بحيث تتم سيطرة الطوائفيّ على الجمع الوطني او يستخدم الوطن للطائفة. في بلد كهذا أتوقع أن الارتفاع من الطوائفيّ الى الكيان الجمعيّ صعب للغاية، فاذا تطيّفت النفس لا ترتقي الى ما يجمع الناس كلهم ومعا: «ان النفس لأمّارة بالسوء» (يوسف، ٥٣).

لا يكفي الخطاب الداعي الى الوحدة الوطنية بمعنى تخطّي الطائفية. فالناس يعيشون هويتين على الصعيد السياسي. ليس شعور الإنسان بإخلاصه لإيمانه يعرقل التدرّج الى الوطن. المشكلة في خلط المستويين الطوائفي والجمع الوطني، تصادمهما هو المشكلة. كيف تجتنب التصادم، هذا هو السعي.
يسامحني القارئ إن بنيت كل هذا التأمل على قول المسيح «مملكتي ليست من هذا العالم» (يوحنا ١٨: ٣٦). هذا لا يعني أن المسيح لا يريد روحه أن يسود العلاقات البشرية. هذا يعني أن السياسة لها ذاتيتها المبتلة بالروحيات والخلقيات، ولكنها نطاق له قواعده وتقانته ولغته وأسلوبه وان ملكوت الله له قواعده ولغته وأسلوبه.

هذا يعني أن اللعبة السياسية تقوم على حكمة كبيرة تجعلنا نميّز بين مستويي الوجود في هذا الدهر، ولا يعني أني ادعو الى التضحية بالعدد والوظائف والمناصب في سبيل نوعية مرجوّة ولكنها غير محققة. في حكمة هذا الدهر، القويّ في عدده تدفعه شهوة السلطة الى استصغار الصغار والسيادة عليهم. أعتقد ان الحياة كما نعيشها تقضي بأن نحمي الصغار والقلّة لئلا يحقق عند الكبير كلام التنزيل القرآني: «ان النفس لأمّارة بالسوء» ويجب أن يتحقق بآن معا عند أهل الإنجيل: «مملكتي ليست من هذا العالم».

يبقى الأساس أننا لسنا من هذا العالم ولكنا فيه حسب قول يوحنا الإنجيلي.

أعلم أن كل الوجودات متشابكة في الحياة القومية وأن القدرة على التمايز بين الأشياء اي فصلها وجمعها لأمر في غاية الصعوبة. ولكن إن لم نسعَ الى هذا لا نبني وطنا ولا نبني دينا غير مكبّل بالسياسة. هناك تحرير للوطن من وطأة الطوائف وتحرر للإيمان من دخول السياسة اليه. هذا إصلاح يقتضي نزول نعمة الرب علينا وتربية اجتماعية كثيرة في قوّتها حتى نخلد الى السلام.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

المدبّرون الروحيون / الأحد 17 كانون الثاني 2010 / العدد 3

صاحب الرسالة الى العبرانيين وهم المسيحيون من اصل يهودي يطلب اليهم ان يطيعوا مدبّريهم اي الأساقفة والكهنة ويخضعوا لهم، والسبب ان هؤلاء يسهرون على نفوس الرعية سهر من سيعطي حسابا لله على رعايته. الكاتب يفترض دائما ان الرعاة ساهرون والرعاة يراقبون بعضهم بعضا. الكهنة يراقبهم الأسقف، والأساقفة يراقبهم المجمع المقدس الذي يشكل وحدتهم. الخضوع للأسقف خضوع للمسيح لأن الأسقف ايقونة المسيح كما سيقول بعد كتابة هذه الأسطر القديس إغناطيوس الأنطاكي التوشّح بالله.

والطاعة، يقول الكاتب، تتم بسرور ومحبة للرئيس الروحي المسؤول اذ المفترض فيه ان «يُحْسن التصرف في كل شيء» اذ ليس له الا الأبوّة، والأب لا يفرّق بين بنيه ولا يتحيز اذ مهمّته أن يجمع الكل الى المسيح. هو يحب ليحفظ الوحدة بين الجميع، وهي تأتيهم من سر الشكر (سر القرابين) الذي يقام برئاسته في مشاركة الجميع.

هذه الوحدة هي سلام الكنيسة الذي يمنّ به علينا «راعي الخراف العظيم» الذي هو ربنا يسوع المسيح. وقد بدأ رعايته لنا «بدم العهد الأبدي» الذي نزل علينا من الصليب. وبعد ان تقبّلنا عطيّة دمه، يكملنا في كل عمل صالح، وهو الذي يؤهّلنا بنعمة روحه القدوس للعمل الصالح اذا كنا مستعدين للقيام بالعمل الصالح، واذا قمنا به نكون قد عملنا بمشيئته وهذا ما يرضيه اذ المبتغى ان نُخضع مشيئتنا البشريّة لمشيئته الإلهية. المهم ان نقوم بما يرضي الله الآب، ان نقوم بذلك بقوة يسوع المسيح الساكن فينا بروحه القدوس.

العمل الصالح الذي يقوم به الكل هو الذي يبيّن ان الكنيسة واحدة. هي واحدة بالقداسة النازلة من الرب والتي نحققها بالأعمال الطيّبة. الكنيسة رأسها يسوع ونحن أعضاؤه. وهؤلاء الأعضاء بمحبّتهم للسيد وبمحبة الواحد الآخر تُكشف قداسة المسيح وقداسة كنيسته. لا يكفي ان يقول اي واحد: الكنيسة مقدّسة بحدّ نفسها بقداسة المسيح، اذ على كلّ منّا ان يشترك بهذه القداسة بطاعته للإنجيل. الكنيسة أمّنا تنتظر منا ان يساهم كلّ واحد بقداستها. هي قائمة في كل معمّد، وهو قائم به،ا كما هي قائمة برأسها المسيح.

أما قال الله: «كونوا قديسين كما اني انا قدوس»؟ الرب لا يطلب ما هو أقل من القداسة حسب قول المعلّم: «كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل». ومعنى الكلام ان نطلب الكمال ولو كنّا ضعفاء. ليس هناك نصف قداسة. الرغبة في هذه هي تُحفّزنا أن نظلّ في تمام السعي اليه،ا وهذا باحتضان الأساقفة والكهنة الذين نحن أبناؤهم في المسيح يسوع الذي يجعل كلّ المؤمنين له، كهنة كانوا ام علمانيين. نحن العلمانيين والإكليريكيين نؤلّف معا ما سمّاه بطرس الرسول «كهنوتا ملوكيا وأمة مقدّسة». نحن بانضمامنا الى المخلّص بالمعمودية والميرون وتناول القدسات تنمو قداستنا فينا يومًا بعد يوم. الكنيسة تنمو بنقاوة كلّ واحد وكلّ معا ينمو بنموّ الآخرين. فكلّما تطهّرت انت بالنعمة يتطهّر أخوك بك لأن النعمة تنتقل منك الى الآخر بقوّة الروح القدس وبالقدوة حتى لا يبقى أحد خارج الحظيرة. والمسيح جاء لنكون واحدا معه وواحدا كلّ منا مع الآخر.

زدْ نفسك انضماما الى جسد المسيح. تقوَّ بهذا الانضمام حتى لا يكون بيننا انقسام او شبه انقسام. وكما ان الثالوث المقدس واحد يمكننا نحن برضاه ونعمته ان نكون واحدا على الأرض فيسطع نور المسيح بهذه الوحدة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الإكليروس وعامّة المؤمنين / السبت 16 كانون الثاني 2010

كل بحث لاهوتيّ قائم على كلمة الله والتراث الذي ينقلها ويفسّرها. وكلمة الله ليست قانونا وضعيا ولا تتضمّن قانونا وضعيا. وليس من مقولة مدنية او سياسية ترعى النظام الكنسيّ. وما من قرار للسلطة الكنسية ذا قيمة او إلزام ما لم يكن موافقا لكلمة الله والتراث. فالكنيسة ليست مجتمعا ديموقراطيا قائما على سيادة الشعب وتنفيذ هذه السيادة بالتصويت.

الكنيسة كلها من حيث هي مرتبطة بالكلمة قال عنها الله مجتمعة: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكيّ وأمّة مقدسة» (1بطرس 2: 9). وليست قائمة على تقسيم فئويّ بين إكليروس وشعب، فإن كهنوت الكاهن او الأسقف لا يخرجه من الكهنوت الملوكيّ الذي يحمله الشعب كله بمعنى أن من سُمّي إكليريكيا هو من الشعب له تفويض إلهيّ خاص من أجل إقامة الكلمة والأسرار، وهذا لا يجعله طبقة او طغمة اذ ليس في الكنيسة من طبقات.

هنا تجيء كلمة «علمانيين» المشتقّة غالبا من لفظة «عولم» السريانية التي تعني هذا العالم، وفي الفهم الشائع انها تترجم كلمة «لاييك» الفرنسية التي تحمل معنى دهريا ناتجا عن فلسفة الأنوار التي سبقت الثورة في فرنسا. وهذه اللفظة تختلف كليا عن الكلمة اليونانية «لاييكوس» التي تعني العضو في شعب الله، وللالتصاق بالمعنى اليوناني آثر آباؤنا العرب ترجمة لاييكوس بصيغة الجمع بلفظة العوام اي كلية المؤمنين ولا تحمل معنى الخفض لقيمة المؤمن العادي.

فإذا كنا جميعا شعب الله وكهنوتا ملوكيا وأمّة مقدسة على الرجاء، ليس من احتمال لقيام إزائية بين المرسوم وغير المرسوم بحيث توضع صلاحيات إدارية لهذا وصلاحيات لذاك، إذ الإدارة مقولة قانونية وليس في الكنيسة أصلا قانون بالمعنى الوضعي. واذا لم تكن ثمة إزائية لا يرد البحث عما يستطيع أن يقوم به الأسقف وعما لا يستطيع الا بتصويت هيئة من العلمانيين. فإذا وُضعت الأيدي (الرسامة) على رجل ليصير أسقفا، لا ينفصل عن «الأمّة المقدسة»، بل عليه ان «يسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤيا 2: 7) اي للجماعات المصلّية المتغذية من جسد الرب. استمع ما يقوله الروح القدس ولا تسمع الى كل من سُمّي مسيحيا يحفظ مسيحيته على بطاقة هويته.

*       *

*

الأمّة المقدسة لا تعني اذًا مجموعة المسيحيين المستقيمي الرأي بالتسمية. هناك فرق بين مَن مارس ومن لا يمارس. المعمودية لا تكفي لتصير مسيحيا. إن لم يكن الروح الإلهيّ فاعلا في نفسك ومكوّنا لعقلك، فمعموديتك كانت مجرد حمّام على ما يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث. اذًا ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي الحديث. ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي المرصوص او المصطفّ. العلاقة بين الأسقف والعوامّ هي في الكنيسة حيث لا سلطة بمعنى القانون الوضعي. واذا قال المسيح «كل سلطان أُعطي لي في السماء والأرض» (متى 28: 18) يعني بذلك كل قدرة لأنه هو القائل «مملكتي ليست من هذا العالم». من يعرف شيئا من اليونانية يفهم أن العهد الجديد لم يستعمل مرة كلمة سلطة بالمعنى الذي يعرفه الشرع الروماني.

في الكنيسة سلطة المحبة فقط، وهذه المحبة وحدها تجعل الأسقف رقيبا (وهذا معنى لفظة أسقف)، فاذا راقب يراقب بمحبته واذا كان هو المعنيّ رسوليا ليكون رقيبا، فليس عليه من رقيب. هناك فقط المراقبة الجماعية التي يمارسها المجمع، وهي ايضًا ليست ذات طبيعة حقوقية. انها تأتي من محبة الإخوة المطارنة بعضهم لبعض.

هنا يأتي موضوع شكوى العلمانيّ على مطرانه. هذا يتم أمام السيد البطريرك ومجمع المطارنة بناء على تهم معلّلة مستندة الى القانون الكنسي القديم الذي يعدد ويصف معاصي المطران التي تستوجب محاكمته.

ليس واردا تاليا أن تشكل هيئة علمانية تُسائل المطران اذ تكون عند ذاك رقيبة على الرقيب. خارج مقولة الرقابة، كل مؤمن يسأل المطران ما يشاء. هذا سؤال وليس مساءلة. فاذا لم يستقبل المطران السائل، يلحّ هذا عليه مرة او مرات او يصطحب من يلحّ عليه لأن الحقيقة أقوى من المطران وأعلى. وإنه لشيء عاديّ أن تصدر الحقيقة عن العلماني. هذا ما تفرضه سلطة المحبة، والبنوّة تنادي الأبوة. والسؤال ليس فقط عن الأوقاف وأحوال المال، ولكن يتناول بالدرجة الأولى الأمور الروحية واللاهوتية اذا أخطأ المطران فيها أو كان في حاجة الى أن يتقوّى بها.

تقضي قاعدة المحبة بالشورى. وهذا ما كان ايام الرسل لما اجتمعوا في اورشليم ليبحثوا في قضية قبول الوثنيين في الكنيسة. الرسل رأوا انهم في حاجة الى استشارة الإخوة. ينتج عن ذلك أن الأسقف الذكيّ يستشير لعلمه بأنه لا يعرف كل شيء والتشاور يخفف عنه أعباء كثيرة وتأتي قراراته مستندة إلى قبوله بمن له تقانة وخبرة.

أفهم ان اجتماع عدة أشخاص حوله يزيده علما وقد يزيده تواضعا. ربما ليس صعبا على اي أسقف أن يجمع مجلسا استشاريا او شوريا assemblée délibérative  لها الحق في كل سؤال ويلزم نفسه بالاستماع اليها وأن تناقشه ويبقى مقيّدا بضميره وقناعاته اللاهوتية. واذا اقتربنا الى الواقع لا بد أن نلحظ بالممارسة أنه يشاور الناس بأمور دنياهم اذ لا بد ان يكون بينهم من أولي الاختصاص. وأزيد على هذا انه حسن أن يُخضع الأسقف ماليته الى مراقبة شركة للمحاسبة وان ينشر تقريرها او يبلغه الى المجمع المقدس (وعندنا في هذا قرار) فيبرئ هكذا ذمّته امام الجميع. وهذا ليس فيه انتقاص لسلطانه الأسقفي.

*         *

*

تبقى القضية الاجتماعية والاهتمام البالغ بالفقراء. هنا تعظم مسؤولية العلمانيين ولاسيما أنهم عالمون بأمور العمل والمشاريع العمرانية ووجود عدد من الأثرياء الذين نرجو أن يزيد كرمهم. هناك عملية تنظيم كبير حتى لا يبقى في الطائفة بائس وان كان «الفقراء معكم في كل حين» كما يقول السيد المبارك. هناك أوضاع اجتماعية لا بد من فهمها ومواجهتها، وهذا يقوم به الكثيرون في رعاية الأسقف والكهنة الذين هم على اتصال بكل الشرائح المجتمعية. العلمانيون هم في الميدان بحكم موقعهم حتى لا يظلّوا حصرا مستشارين.

الى هذا القضية السياسية بما فيها عدالة الحكومة في شأن المناصب والوظائف في الحكم. هنا أرى فسحة كبيرة للنواب وأهل السياسة. اجل قلنا منذ عقود ان الأرثوذكسيين هم أولاً كنيسة وليسوا مجتمعا مدنيا قائما في ذاته. ولكن آن للأرثوذكسيين أن يعرفوا انفسهم طائفة لبنانية غير مهمّشة مدعوّة الى بناء الوطن القائم حتى الآن على الطائفية. يجب على الأرثوذكسيين أن يدخلوا اللعبة كما دخلها غيرهم لأننا لم نصل بعد الى الآخرة. ليدرسوا اذا بهدوء هل هم مغبونون. ليفتشوا عن حقوقهم ويستفيدوا من الدولة. اذ ليس من المعقول ان تخدم الدولة بالتخلّي عن حقوقك فيما الكل مهتمّ بحقوقه.

اجل لا ينبغي أن يعزل المطارنة عن هذا السعي لكونهم آباء لأبنائهم في حاجاتهم، ولكن السعي الحثيث الى هذا وتنظيمه مسؤولية أولى للعلمانيين. لا يسوغ أن تحس فئة من الشعب أن السلطات المدنية مهملة لها.

هذا لا يعني عندنا أن للطائفة الأرثوذكسية سياسة واضحة، محددة خارجية كانت أم داخلية. وقد لا يريد الكثيرون منا اصطفافا أرثوذكسيا على اي صعيد من الحياة الوطنية، ولا يريد الأرثوذكسيون تراصا لهم سياسيا وبعضهم ينخرط مع الطوائف الأخرى او الأحزاب في الشأن الوطني ولاسيما انهم انضمّوا الى أحزاب عقائدية او غير عقائدية. ولكن هذا لا يمنع أن يحتجّوا على انتقاص حقوقهم في مجال الانتخابات النيابية اذا كان هذا واردا وفي مجال الحقوق البلدية او الاختيارية. أفهم ان يحسّوا انهم في حاجة الى العدل.

ولكن كل هذا لن يسير سيرا حسنا اذا بقي عدد كبير منهم أرثوذكسيين اسميا حسب التوصيف الطائفي في لبنان. بلا تحسّس دينيّ كبير والتزام لحقوق الله عليهم وانخراط جادّ في ثقافتهم الروحية لا تحلّ مشكلة بينهم وبين رؤسائهم الروحيين. بهذا فقط ينتقلون من الرؤية الوضعية، الزمنية الى رؤية روحية تكون الزخم الكبير لحياتهم في الإيمان وفي الوطن والحكم.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

صورة انتصار المسيح/ الأحد 10 كانون الثاني 2010 / العدد 2

لما أراد بولس في هذه الرسالة ان يتكلّم على المواهب في الكنيسة وعلى بنيان الكنيسة لجأ الى سر صعوده الى السماء الذي منه تأتي المواهب. وأخذ صورة عن الصعود بعد القيامة من صعوده من ماء الأردن بعد نزوله الى الماء وتصوير هذا النزول على انه صورة عن نزوله من الصليب الى الجحيم. «أسافل الأرض» تعني مملكة الموت التي قهر فيها قوة الشيطان والموت وأصعد معه الى السماء من كانوا مؤهّلين للسماء.

هذا القول اتخذه رسامو الإيقونات اذ رسموا القيامة. الرسم غير القانوني، غير التراثي يبيّن المسيح طالعا من قبر مستطيل. الرسم القانوني القديم يصوّره نازلا الى الجحيم وناشلا آدم بيد وحواء بيد اي كلّ الجنس البشري. ايقونة النزول الى الجحيم هي ايقونة القيامة.

بعد الصعود ينشىء مواهب بالروح القدس. عنـدنا فئة واحدة هي الرعـاة والمعـلّمـون. هذه تبدو وظيـفة واحـدة. هـي فـي الكـنـيـسة وظيـفة واحدة. الراعي هنـا الأسقف او الكاهن، ولكن التـفريـق بـيـن التسميات لم يظهر بعد.

في بدء اللائحة يذكر لائحة من المواهب. هؤلاء ليسوا ثابتين في مكان كالراعي. يذكر الرسول مواهب ناس يمكن ان ينتقلوا من مكان الى مكان. الرسل الذين لا يذكرهم هنا كانوا متحركين وهم غير الاثني عشر. الذين يسميهم الأنبياء هم المتحمسون لله كثيرا، الغيورون على كلمته ويذكّرون بها الرعية التي يخاطبونها. المبشرون ينقلون تعاليم الإنجيل بصورة مسؤولة. كل هؤلاء كانوا حياة الكنيسة.

لماذا كل هذه المواهب؟ يجيب بولس «لتكميل القديسين» ويريد بها المؤمنين في كنيسة أفسس وفي كل كنيسة. كان العلمانيون يسمّيهم بولس قديسين بمعنى انهم تقدسوا بالمعمودية والقرابين. كل هذه المواهب هي «لعمل الخدمة» الروحية والتعليميّة والخيريّة والطقوسيّة. «وبنيان جسد المسيح» جسد الرب يريد به كل المؤمنين الذين يؤلفون بعضهم الى بعض المسيح الواحد الواسع، الكوني. وينهي هذا المقطع بقوله: «الى ان ننتهي جميعا الى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله». وحدة الإيمان لئلا يقول كل واحد منكم شيئا غريبا عن الإيمان الذي علّمتكم اياه. كذلك يريد ان نصل الى أعماق الإيمان فلا يبقى احد سطحيّ الإيمان، بل حار به، لا يضيع شيئا مما استلمه من الرسول. واذا قال «الى انسان كامل» يريد انكم انسان واحد كامل، ناضج في معرفة الرب. بولس منزعج من قلة النضج عند بعضٍ ومن عدم الاستقرار في الإيمان.

كلام من أجمل الكلام ان الرسول الكريم يصلي ان نتقبّل المواهب بمقدار قامة ملء المسيح اي ان بولس يرجو ان يتقبّل كل من المؤمنين موهبة من قامة ملء المسيح. المسيح في السماء في ملئه. قامته كاملة. منها تنزل النعم على أحبائه. وهذه هي استمرار المعمودية فينا. هذه نجدها فينا في ذكر معمودية المخلّص على رجاء ان ننمو، ان نصعد من الموت ونلازم يسوع في حياته السماوية.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

أخلاق اللبنانيين / السبت 9 كانون الثاني 2010

هذه مسألة كبيرة يهتم بها كل اللبنانيين وعلى رأسهم الصالحون. هؤلاء تقلقهم لأنها تعذّبهم. ولكن هل من رأي واحد في الموضوع؟ شعبنا تجذبه فضائله وما من شك في وجودها. الضيافة عندنا وحسن الجوار والسعي الى السلام وتجاوز التشنّج وسلامة العائلة والحب الرومنسي لهذا البلد طبائع قائمة ولا تجعلنا في أسافل دركات الوجود. مع هذا ليس من مواطن واحد يعتقد اننا أمّة من القديسين، ولست أظن ان شعبا واحدا في الأرض يدّعي القداسة لنفسه.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الإشكالية هو هل لنا أن نتحدّث عن أنفسنا موضوعيا. في هذا أظن ان كل رأي فينا مرتبط بخبرة كلّ منا اذ يأتي الإنسان من صدماته فيشكّل من مجوعتها رأيا يعمّمه، والمستحيل أن تُجمع على رأي او على آراء متقاربة. وما يخيفني أن المعاصي تستوقفنا وحدها على وجه التقريب ولا نرى الحسنات الكثيرة. انا لا أستطيع ان أقتنع أن الأبرار فينا قلّة. لسنا جميعا نحب الاحتيال على الدولة وخرق القانون. ولسنا كلنا أدنى الى الغش في المعاملات. ولعل معظمنا على خطاياه يحب الإخلاص لعائلته، ولسنا كلّنا متعصّبين دينيا. قد نكون متعصّبين لطائفتنا. هذا شيء آخر، وعند الهدوء نرى جمالات روحية في أبناء طوائف اخرى، بل نتجاوز هذا المستوى ونرى ان في الدين الآخر بهاء روحيا وقيما خلقية ونتكلم حسنا على الأديان الأخرى ولو اجتمعنا في حلقات من دين واحد او مذهب واحد، ونميل الى ان التعدد الديني فيه بركات. ولعلّ ما يعنينا على هذه الرؤية اننا أمّة مختلطة و«شعوب» متعاونة في الحياة اليومية. وقد يكون هذا أساسا مرتبطا بصداقات شخصية وعائلية لا شك في عمقها، ونفهم أحيانا ان الصفات الحميدة عند مسلم او مسيحيّ تعود كليا او جزئيا الى مصادر ايمانه والى كتبه، وقد يعود هذا الى كوننا نؤمن بإله واحد هو مصدر القيم، وعندي ان الملحدين في لبنان قلّة نادرة وقد لا تكون هذه المجموعة مجرّدة من ممارسة القيم ولو لم تقرّ بأن مصدرها هو الله.

اما الآن فهل بتنا بعيدين عن وعينا لكلام الله ومتطلّباته في دنيا المعاملات بعدا كبيرا؟ هل كل الشرائح الاقتصادية تعيش على نوع من الحياد الخلقي ام تختلف مسالك الشرائح بعضها عن بعض. ما أذكره جيدا لاطلاعي على التعامل المالي في منتصف الثلاثينات من القرن التاسع عشر من العائلة التي أنتمي اليها أنها ما كانت تشكو من سوء التصرف عند المدينين لها.

كان المستدين بمئات او ألوف من الليرات العثمانية الذهب بلا سند يردّ دَينه في الوقت المحدد ويعترف بالدين مبلغه. بعد هذا وعند مطلع الثلاثين من عمري لما أمسيت خادما لرعية في منطقة أخرى كنت ألمس صدق الكلام وطهارة المعاملة. هذه كانت القاعدة وكان الناس يدلّون على الكذوب. كل هذا يعني أن شيئا طرأ على علاقات الناس، وفي تحليلي أن هذا بدأ منذ السنة الـ 1936 عند سقوط الليرة اللبنانية وبداءة الحرب العالمية الثانية. الا يمكن ان يطرأ عامل آخر اليوم يساعد على تقويم العقلية واستعادة الناس للقيم؟

ولكن الأخلاق العامّة مرتبطة بالوضع السياسي العام بصرف النظر عن الطاهرين الأحرار من الضغوط المجتمعية. يبقى ان قوة الدولة سبب من أسباب التخلّق السليم، وهزالتها سبب للعكس. إن حِرْصنا على صحة الدولة وسلامتها هو حرصنا على الأخلاق الفردية. شدّة الحكم سبب في نقاوة التصرف عند الأفراد، واسترخاؤه يقود الى استرخاء الأمة.

غير أن نقاوة الحكم لا تستتبع آليا نقاوة الشعب. هنا تلعب الأديان دورها بجعلها الله، حقيقة، ينبوع الإيمان فالتصرف. تبقى الأديان العامل الكبير في تحويل الطبائع. وما علينا أن نلحّ على المرشدين والواعظين به هو أن تقوّي الكلمة الجانب السلوكيّ عند المؤمن ولا تنحصر في التعليم الديني النظري والعبادات. هناك ورشة كلامية كبرى ينبغي ان يكون هاجسها الدعوة الى احترام القانون جزءًا مما تتطلّبه الكلمة الإلهية. الحثّ على الواجب المدني هو بعض من الحث على التوبة والتطهّر من شهوة السرقة لأموال الشعب.

أجل هذا لا يكفي فالفضائل الفردية كلها اذا صقلناها تصبّ في فضائلنا الاجتماعية وتنقّي العلاقات بين الأشخاص فينشأ مجتمع روحيّ المنحى تريده الجماعات الدينية كلها.

اجل الدولة مربّية والمجتمع يربّي. منذ سنوات عديدة قرأت في جريدة لموند الفرنسية سؤالا من اربعة او خمسة أسطر عن مسلك لرئيس الجمهورية القائم آنذاك: «اين يقضي السيد رئيس الجمهورية صبيحته بين الساعة العاشرة والساعة الحادية عشرة»، وكان هذا طبعا إشارة الى سلوك له يخالف الإخلاص الزوجيّ. في اليوم الثاني او الثالث من نشر الخبر أذاع الناخبون الكاثوليك انهم لن يمدّدوا له الولاية إن بقي على هذا.

الأوربيون يمزحون ولكن ليس في كل شيء. في هذه الحال بيّن الناخبون في فرنسا انهم لا يقبلون بحياة خاصة لرجل يمثّل الأمة. الموظف الكبير او السياسيّ عندنا اذا كان فاسدا يكون قد زاد على دخله الشرعي دخلا غير شرعي اي يكون قد اعتدى على من يعيش من راتبه او دخله اذ يكون قد لبّى شهوة الراشي وقام بعمل يخالف القانون الذي هو حارسه. من كان راتبه قليلا نحلّ له مشكلته رسميا ولا نُبيح له ان يشتهي ثروة.

يبدو أن بعض اللبنانيين غير مقتنعين بأن ثمة فرقا بين الحلال والحرام. وهذا لا ينسحب فقط على المال. هناك فساد لا دخل فيه للمال. يأتي من الخوف، من الزبائنية للكبار. لا شك ايضا أن هناك هدرا في هذا العمل او ذاك غايته الإنفاق على النساء. الإصلاح ليس فقط في العقاب ولكن في التحرر من الخطيئة. تنقية الذات من الشهوات المؤذية هو المبتغى. الحرية من المعصية هي حرية للشخص وللبلد معا.

الى هذا الجهد الشخصي في سبيل الحرية الداخلية اي حرية النفس للعلماء دور الى جانب الدعوة الدينية. هنا أناشد علماء المجتمع والنفس والأنثروبولوجيا (الإناسة) أن ينكبّوا على مسألة الأخلاق اللبنانية وذلك بعد دراسات بعضها عملانيّ. لست أعلم اذا قامت بعض هذه الأبحاث عندنا. واذا لم نقم بها فلنباشر عّها تنفع وتساعد الأخلاقيين عندنا وعلماء الدين أن يربطوا فكرهم بمعلومات آتية من مراقبة الناس. هناك تضافر بين القوى أساسيّ عسى نرى عوامل غير سياسية تسهم في تكوين تصرفاتنا.

هل هناك أخطاء وقع فيها معظم اللبنانيين بسبب من عوامل ناتجة من البيئة، من المنطقة، من معتقدات شعبية؟ فإذا وجدنا مثلا أن هناك خطايا متشابهة هنا وثمة او ضعفات في كيان المواطن متأصلة، كيف نعالج هذا في مؤسساتنا الدينية والتربوية والجمعيات الأهلية والندوات الثقافية للأحزاب.

كيف نتجنّد في سبيل لبنان منقّى؟ يخطئ من يعتقد أن كتاب التربية الوطنية هو وحده موضع الحل. المدرسة ليست وحدها مكان التطهّر ولا العائلة وحدها ولا المعبد وحده. هناك مواضع مختلفة ينبغي ان نكتشف تكاملها وتعاونها في سبيل الإعداد لمواطن صالح.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

ظهور المسيح / الأحد 3 كانون االثاني 2010 / العدد 1

في كلام بولس الى تلميذه تيموثاوس كلام تشجيع على الجهاد الروحي. الدعوة الأولى الى اليقظة الروحية الدائمة وفي قوة اليقظة يدعوه الى احتمال المشقات في سبيل الإنجيل اذ البشارة به تتطلّب تعبًا كثيرًا. ثم يحثّه على عمل المبشّر في المنطقة التي انتدبه على رعايتها حتى يقول «أوفِ خدمتك» والخدمة هي الرعاية وإقامة الأسرار.

بعد هذا يقول الرسول عن نفسه «لقد أُريق السّكيبُ عليّ فإني انا ايضًا أتممت خدمتي ووقت انحلالي (اي موتي) قد اقترب، وقد جاهدت الجهاد الحسن وأتممتُ شوطي» في البشارة من مدينة الى مدينة في كل أنحاء البحر الأبيض المتوسط من أنطاكية الى رومية والى كريت وربما الى اسبانيا وفي كل هذا «حفظت الإيمان» سالما كما سلّمني اياه الرب يسوع والمسيحيون الأوائل. حفظته مستقيما غير مصابٍ، والإيمان يُنتج عمل البرّ بالمحبة.

بعد هذا يقول: «انما يبقى محفوظًا لي إكليل العدل الذي يجزيني به في ذلك اليوم (اي يوم القيامة) الديّان العادل». بولس يرى نفسه تحت الدينونة ولكنه يرجو الرحمة. عند الموت ليس أمامنا سوى رحمة الرب ولا يخلص أحد بدونها اذ لا يستطيع أحد ان يدّعي أن في يده صكّ الدخول الى الملكوت. بولس على قداسة سيرته يرى نفسه تحت الرحمة الإلهية التي يمنّ الله بها على أحبائه.

وبعد ان يقول الرسول انه يرجو الإكليل لنفسه يقول ايضًا انه يرجوه لجميع الذين يحبون ظهور المسيح في اليوم الأخير، وقد اختارت الكنيسة هذا الفصل من رسالة بولس الثانية لأنها مختومة بكلمة ظهور الذي يدلّ على العيد (الغطاس) الذي ننتظره.

مقطع قصير فيه كل محبة بولس لتلميذه وفيه دعوة الى كل الفضائل التي يحتاج اليها التلميذ النشيط. ومن وراء تيموثاوس تُخاطبنا الكلمة الإلهية لنكون مثل تيموثاوس أناسا قائمين باليقظة لا ننام ولا ندع شيئا يجعلنا في الكسل ولا سيّما ان الحصاد كثير والفعلة قليلون. لا نستطيع ان نتلهّى عن خدمة الإنجيل ولا نغرق بأمور الدنيا مهما كانت جذابة ومسلّية.

ومهما أحسسنا باقتراب الأجل، ومهما تعبنا، نبقى على الجهاد حتى آخر رمق، على الجهاد الحسن الذي يتطلّب منا الاستمرار يوميا في خدمة الإنجيل وفي إقامة الذبيحة الإلهية وبقية الأسرار والاهتمام بما يهمّ الناس اجتماعيا وخيريا وثقافيا حتى نكون قد نفّذنا الإنجيل وأطعناه، فإننا إن أهملنا الإخوة وخدمتهم نكون قد وقعنا في الخيانة.

واذا ما نحن بذلنا أنفسنا في الخدمة منتظرين ظهور المسيح لنا ولهم ليس فقط يوم القيامة ولكن في كل يوم نكون فيه قد أقمنا خدمة.

واذا جاء العيد وهو مع الميلاد فصح صغير نكون قد انتقلنا من موت الخطيئة وقمنا لإتمام البر حتى نكون مع المسيح دائما.

واذا زاركم الكاهن لنضح منازلكم بالماء المقدس تفهمون أن هذا هو قبل كل شيء نضح حياتكم بالمقدس. عيد الظهور الإلهي عيد يوميّ تغتسلون بمياهه اي بالنعمة التي وعدكم الله بها فتكونون أنقياء في كل حين وترفضون الخطيئة. رفض الخطيئة ظهور إلهيّ عليكم وإشعاع منكم على الآخرين. بوركتم في العيد القادم وبوركت الدنيا كلها بكم حتى تصبح الدنيا مكانا لنور المسيح.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

ملل ونحل / السبت في 1 كانون الثاني 2010

كل بلد ملل ونحل. والملة قوم على دين فليس من معتقد يقوم بلا ناس وليس من انسان لا ينتمي الى معتقد والملحدون أنفسهم واحدهم الى الآخر. الدنيا تقوم على مجموعات الفرق بينها وبين الاوطان ان الوطن مصنوع، تاريخي، ركبته الظروف واما الدين فمن المسلم به عند اتباعه انه جاء من الله والانتماء اليه انتماء الى الله أي الى هذا الذي ليس مثله يحرك القلوب.
ولكون الجماعة الدينية ليست جزءا من شيء يكون لغوا كل هذا الحديث الذي يفيد ان الولاء للوطن يجب ان يصير بديلا من الولاء للطائفة وكأنك تقول اترك المحل الذي فيه إله الى المحل الذي ليس فيه إله. القضية لا توضع اذًا على مستوى القلب. تبقى على مستوى الترتيب السياسي.
تبقى كذلك لأنك اتخذت قرارا سياسيا يقول ان الطائفة مجموعة سياسية يمكن جعلها على مستوى الوطن الذي هو جماعة سياسية أكبر أو أوسع. أنت لا يمكن ان تقارن الا بين مجموعات من طبيعة واحدة. لذلك اذا كان عندك مشكلة حياتية مرتبطة بتعدد الطائفة فلا حل لها الا بإزالة التعدد السياسي أي بذوبان الطوائف احداها بالاخرى فلا تقرأ الوجود الطائفي إطلاقا وترى الناس كلهم مجتمعا مدنيا صرفا.

أول سؤال يطرح نفسه هو هل ترى الطائفة نفسها وجودا مدنيا بحتا. اذا قرأت «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهوى عن المفكر» لا يرى المسلمون انفسهم وجوديا خير أمة ولكنهم هم في حركية هذه الأفضلية عند امرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. هم يصيرون مؤمنين بتحركهم. واذا قال العهد الجديد عن أتباع يسوع انهم أمة مقدسة فيفهمون انهم يحققون ذلك بمسيرتهم الى البر. طبعا الوطن يتعامل والناس كما هم أي اذا أمروا بالمعروف أو لم يأمروا واذا سلكوا على دروب القداسة أو لم يسلكوا. لا يمكن الدولة ان تعطي اعتبارا للمستوى الروحي في الجماعات كما انها لا تستطيع تجاهل إيمان الناس وتصدمه. لذلك كان إنشاء مجلس شيوخ يعنى بامتياز برؤية الوجه الروحي للتشريع اختراعا لبنانيا جميلا أعمق من تجاهل فرنسا وبعض الدول العلمانية للأديان كليا. ان الغاء الطائفية السياسية أمر يفرض علينا الإخلاص ان نواجهه بصدق وبلا خوف. ما مضمون الإلغاء؟ يبدو لي ان مهمة الأمة وليس فقط مجلس الشيوخ ان توضح بعض الأمور الأساسية: هل يتضمن إلغاء الطائفية ان يأتي الرؤساء الثلاثة من أي مذهب كان وان تلغى أية صفة دينية عن أي موظف وفي الجيش، ان الغاء الطائفية السياسية تدبير تشريعي يرافقه غيابه عن النفس. لولا هذا الواقع لكان أكثر تخريبا من الطائفية السياسية.

# #

#

في التأزم الديني أو المذهبي أو الطائفي القائم ممكن استغلال الغاء الطائفية السياسية وتضخيمها بحيث يأتي الرؤساء الثلاثة وكبار الموظفين والنواب من الطوائف السائدة عدديا بسبب من حملات متشنجة مسعورة لإلغاء الصغار. قبل ان يوضع مضمون وتفصيلات لإلغاء الطائفية السياسية نكون قد ارتمينا في المجهول الوجودي من أجل الوجود النظري الذي يبدي انه التجاوز الأمثل لخلافاتنا.

اما القول بأن تغيير النفوس قبل النصوص فهو في حقيقته المثالية السياسية دخول في الملكوت أي ارجاء الموضوع الى الآخرة. هل تأتي «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» وسيلة للتوفيق بين الآخرة والاولى. هذا يذكرني بشعار كبير تصدر القانون الروماني:«ما القوانين بلا اخلاق وما الاخلاق بلا القوانين؟» كل الأعوام التي تلت الحرب شدد الفكر اللبناني على دولة المؤسسات والقانون. كلنا يفهم ذلك امام التفلت العميم من القانون وهذا قول عظيم في نظامنا الطائفي ويبقى عظيما بعده.

# #

#

ما يحزنني كثيرا ان الطوائف آمم صغيرة أو قبائل وان كل جماعة تُعرَف بعددها لا بما شاء رب كتبها ان تكون. بكلام آخر لا نقارن قيم الإسلام ولا قيم المسيحية لنعمل سياسة. شعوب متناصرة أو متقابلة للتفوق في السلطة والله لا علاقة له بشيء من هذا. «خير أمة أخرجت للناس» في قول و«أمة مقدسة» في قول. لا يبدو ان هذا يوظفه احد أو يقدر ان يوظفه ليحب، ليبني وطنا. مشكلتنا مشكلة لغوية. لفظة أمة اذا استعملت بلا نعت لها مدلول في الدستور ومدلول آخر في كل حزب يستعملها.

هل نعت الأمة الذي نستعمله هوية؟ كيف نلغي الطائفية السياسية ولسنا متفقين على معنى واحد للفظة في القاموس؟ يجوز ان نكون بلا هوية. أنت لست في السياسة مضطرا الى هوية تأخذ بمجامع قلبك. أنت في هذه الدنيا تنتسب الى بلد. هذا خيار للعيش وتعمر مجتمعا لا شعر فيه ولا رومنسية وطنية ولكنك تعمر لبنان حضاريا بأعلى مقاييس العمران.

اظن ان المجتمع اللبناني لا يمكن ان يقوم الا على هيكلية خاصة به نابعة من مكوناته وذاكرة تاريخية له ثقيلة ومهما اردت حاضرك حرا من وطأة التاريخ تبقى مشدودا الى الماضي ولو لم تكن اسيرا له. العبء الملقى على عاتقك ارجو اننا نسير على الانعتقاق من حمله. أنا لست اشك ان كل فريق ديني يحمل ذكرى مقهورية ولو اختلفت عن الأخرى في الرؤية اليها وتحليلها التاريخي والنظري. هنا يمكن ان تعلم الدولة شعبها. فإن كان الطهر فيها يتعلم الشعب هذا الطهر فيما نتعاطى الشأن العام ونشرع في تقدير الفريق الآخر بحيث نرى كفاءته وصدقه والممارسة خير درس.

# #
#

فلتتشكل الهيئة الوطنية المكلفة بدرس موضوع الغاء الطائفية اذا كان معظمنا يدعي احترام الطائف. وقرارها غير مقيد بفترة زمنية. ولكن لترافقها المقامات الارشادية والمفكرون بكل ما من شأنه ان يطهر النفوس من الخوف والشك حتى تتزاوج النفوس والنصوص وقت يرتضينا الله.

ولكن على الغائكم الطائفية السياسية اذا بقي هذا الشعب فقيرا لا تكونون عالجتم شيئا. مع الطائفية صعوبات كأداء لا ريب في ذلك. ولكن الجوع آفة وبعض منا جائع. مع الطائفية او الغائها ينبغي ان يأكل شعبنا اكله وان يتعلم ويتداوى. هذه لن نختلف فيها. متى نفيق لنرى الآكلة ونكافحها ونحيا.

Continue reading