آية اساسية في رسالة اليوم عن الرسل المجتمعين في العلية ان “ظهرت لهم ألسنة متقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم” لتوحي ان كل مؤمن معمّد يحل عليه الروح الإلهي وهو يأتي، بخاصة، في سر الميرون. النعمة الإلهية الواحدة يتقبلها المسيحي فتصبح فاعلة بمقدار تلبيته وطاعات.
وآية اساسية في انجيل اليوم: “لم يكن الروح القدس بعد لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجِّد”. هذه لا يمكن ان تعني انه لم يكن روح قدس قبل موت المسيح وقيامته فإن الروح هو الأقنوم الثالث الأزلي ولكنها تعني انه لم يكن قد أُعطي التلاميذ. ففي خطبة الوداع قال لهم السيد: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم الى الأبد، روح الحق”. والمراد بذلك ان الروح ينزل على التلاميذ من بعد صعود الرب الى السماوات، فإن بعثه مرتبط بتمجيد الطبيعة الإنسانية في المسيح.
ما هي وظيفته؟ الجواب في هذا: “واما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 14: 26). بأي معنى يعلمنا كل شيء وقد علمنا يسوع كل شيء؟ الشق الثاني من الآية: يذكّركم بكل ما قلته لكم توضح هذا. الروح يعطينا نعمة لكي ندخل كلمات يسوع الى القلب فنحيا بها. ان نجعل كلام يسوع المطلق الى عامة الناس ميراثا شخصيا لنا او طعاما نغتذي به عندما نجوع اليه، تلك هي وظيفة الروح. فالكلمة المكتوبة قد تبقى وحدها في الكتاب او تصير الى الذاكرة فنرددها كما نردد كل علم. اما ان تصير من القلب او القلب كله فهذا عمل الروح اذا استدعيناه. ولهذا نستهل كل خدمة إلهية وكل صلاة فردية بقولنا: “ايها الملك السماوي المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان هلم واسكن فينا” لقناعتنا ان الروح القدس هو الذي يملأنا من نعمته اولاً لنتمكن من الدعاء. نحن وحدنا ليس لنا ان نجترئ ونخاطب الآب بدالة. انه هو الذي يهبنا الدالة.
ماذا يعطي هذا وذاك؟ حسب تعليم بولس هو يهبنا المواهب. فهذا موهوب بالتكلم جهارا باسم الله وهذا ما نسميه نبوءة، وذاك له موهبة اخرى او كما نقول في خدمة العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… روح حكمة، روح فهم، مطهّر للهفوات، مقسّم للمواهب”. اذًا عطايا مختلفة للأفراد، تتكامل بالعيش الجماعي في الكنيسة. غير ان ما يجمع المؤمنين ذوي المواهب المختلفة هو القداسة. الروح هو المكلَّف بإنزال قداسة الثالوث كله على المؤمنين ولولاه لا نتوب ولا نسمو. هذا في ما يتعلق بالأفراد.
اما في ما يتعلق بالكنيسة كلها فهي لم تكتمل الا بالعنصرة. منها كان الانطلاق بالإنجيل الى العالم. العنصرة كانت معمودية الكنيسة جمعاء. ثم الروح ينشئ سر المعمودية الذي يناله المؤمن. والروح هو الذي يقدس القرابين ويتمم بقية الأسرار وكل الأعمال التقديسية.
بكلام آخر يأخذ هذا الخلاص الذي أتمه السيد دفعة واحدة ويجعلك تتناوله. بعبارة اخرى هو مفوض التوزيع للكنيسة مجتمعة وللمؤمنين افرادًا.
أفي الأسرار الإلهية ام في التقديس الفردي نعطى ثمر الروح او إشعاع الثالوث المقدس وهو قوى غير مخلوقة. المؤمن تنسكب فيه “أنهار ماء حي” تفيض من الينبوع الإلهي. الروح القدس من حيث هو اقنوم لا ينقسم ولا نأخذ منه اجزاء. انت تأخذ ما يبثه فيك وما يبثه هو من الآب والابن ومنه. وهكذا تنحدر العنصرة على الكنيسة في كل قداس وتتجدد فيك لترفعك بالقداسة.
