لا يفوت احدًا ان الكنيسة وضعت هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لتوحي ان الروح الإلهي الذي حل على الكنيسة انما هو الذي ينشئ القديسين. الكمال الروحي الذي ابتغاه كبار المجاهدين هو عطية الله، والطاعة البشرية هي تفعيل العطاء الإلهي. تعليم كنيستنا ان الخلاص الذي يكسبه الإنسان انما هو بمشاركة النعمة والحرية التي تتقبل النعمة.
“الله يشاء الكل ان يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا”. تاليا هو يهب النعمة كل انسان، يهبها بلا مقدار، والإنسان يطيع او يتمرد او يهمل. فالسؤال: لماذا هذا في الجحيم وذاك في الملكوت جوابه ان ذاك اختار الهلاك وهذا اختار الخلاص اذ ليس احد محروما من النعمة الإلهية “المخلِّصة لجميع الناس” ان هم شاؤوا.
الأمر الثاني اننا نعيّد في هذا اليوم للقديسين مجتمعين فإننا طوّبنـا بعضا منهم، الذين عرفنا عظمتهم الروحيـة. رأينا قاماتهم النورانيـة ولم يعطِنا الله ان نرى القداسة في كل الذين كانت فيهم. لهذا نجمعهم جميعا في يوم واحد فنؤكد تعلقنـا بالذين عرفنـاهم والذين لم نعرفهم. يعيّرنا بعض من خارج كنيستنا انها لا تعلن اليـوم قديسين معاصرين. الجـواب اننا طوّبنـا منذ بضع سنوات القديس يوسف الدمشقي ولكن لم تكن لدينا وسائل إعلامية كافية خاصة بنا للتعريف به. والكنائس الارثوذكسية الأخرى (يونانية، روسية ورومانية وسواها) أعلنت باستمرار قديسين من العصر. وفي المجمع المقدس ملف لم يبتّ. هذا أمر يتطلب تمحيصا كبيرا لئلا نستعجل الأمور.
ومهما يكن من أمر فليس التطويب هو الأهم ولكن أن نكون قديسين فعلا. ربما كان علينا أن نتوب جدا وأن يسطع البرّ في أوساطنا ولا مفر، إذ ذاك، من الاعلان القانوني عن قديسين جدد.
الأمر الثالث الذي لا بد من تأكيده في العصر الحديث هو ان القداسة ليست محصورة في نمط من العيش. فالمتزوج قادر عليها كغير المتزوج. والمرأة كالرجل. والطبيب والنجار والمحامي والتاجر والنائب والوزير والفلاح كلهم قادرون عليها ومطلوبة منهم جميعا بالقوة نفسها. الذي يمسك عن المشروب كالذي يشرب. ومن يأكل بلا نهم كمن يأكل قليلا.
لذلك مردود هذا الكلام: “شو انا خوري؟”. هذا يقوله من تنبهه على سوء سلوكه. ان القداسة ليس من شريحة اجتماعية واحدة اقرب الى الطهارة الكبيرة من شريحة اخرى.
كثيرون يعيشون على هذه الفكرة ان الخطيئة محتومة او ان المساومة بين الخير والشر لا بد منها. الصحيح انك تقدر على كل مهنة وتبقى بارا. ليس من مهنة تحمل الدنس بحد نفسها. في الغنى والفقر اذا جعلنا المسيح يشرف عليهما، في اي موقف سياسي شريف يمكن ان تكون في قلب النقاوة.
ولكن هذا لا يتحقق الا اذا اردت الكمال الروحي واعتقدت انه ممكن في هذا العالم. اما اذا ارتضيت بالحد الأدنى من “الآدمية” اي الا تخطئ في المحسوس فلن تبلغ القداسة يوما. ان تريد كل البر، كل الطهر وان تسعى اليهما بجد كبير وقناعة تامة فهذا يجعلك مشروع قديس.
