Category

2002

2002, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 5 أيار 2002 / العدد 18

كان الفصح العبري يجمع في اورشليم اهل موسى ليذبحوا الحَمَل الفصحي. هذا العيد ذكرى لخروجهم من مصر. اما اليوم فالآب يجمع احباء المسيح ليتحدوا به وهو حَمَلُ الله. والذكرى مزدوجة للآلام والقيامة معا ولا ينفصلان. وتحرر المسيحيين تحرر من الموت والخطيئة. فصحنا يعني العبور الى الحياة الجديدة، الى الآب.

         في العشاء السري يستعمل يسوع الخبز والخمر اللذين كان اليهود يستعملونهما. ولكن استباقا لما سوف يتم على الصليب يجعل الخبزَ جسدَه والخمرَ دمَه في الفصح المسيحي المنفذ في كل قداس نتخذ المسيح ذاته ونحيا به.

         مات الرب عشية السبت وقام بعد انقضاء السبت، يوم الأحد. في ذلك اليوم التقى تلاميذه. في اليوم نفسه أقام مع اثنين منهم وليمة شبيهة بالعشاء السري (وعرَفاه عند كسر الخبز). “وتراءى آخر الأمر للأحد عشر وهم على الطعام” (مرقس 16: 14). لذلك اخذ التلاميذ يجتمعون اليوم الاول من الأسبوع فسُمّي الأحد بسبب من ذلك “يوم الرب” يجمع فيه السيد نفسُه تلاميذه ليذكروا قيامته ويترجّوا مجيئه الأخير.

         فالفصح الاول كان يقام كل احد ولا يزال. اما الفصح السنوي فجاء بعد ذلك في القرن الاول للميلاد على الغالب اذ نعرف نقاشا حول تاريخه في مطالع القرن الثاني. في تلك الليلة اي بين غروب سبت النور وفجر العيد كانت تتم المعموديات تأسيسًا على كلام بولس: “او تجهلون اننا، وقد اعتمدنا جميعا في يسوع المسيح، انما اعتمدنا في موته فدُفِنّا معه في موته بالمعمودية لنحيا نحن ايضا حياة جديدة كما أُقيم المسيحُ من بين الأموات بمجد الآب؟” (رومية 6: 3و4).

         غير ان الفصح الأخير، العبور الأخير الى الآب هو الذي نقيمه في السماء بعد قيامتنا. فبعد ان قال السيد لتلاميذه: “خذوا فكلوا…” ثم قال “اشربوا منها كلكم…” ختم بقوله: “لن اشرب بعد الآن من عصير الكرمة هذا حتى ذلك اليوم الذي فيه أشربه معكم في ملكوت ابي” (متى 26: 29). هي الوليمة السماوية التي فيها نشرب خمر محبته.

         ما تم على الصليب خلاصا تاما وانكشف خلاصا في قيامة الرب وما سوف يحقَّق نهائيا في الحياة الأبدية، كل هذا مجتمعا هو الفصح. هذا كله يبدد ظلمات النفس اذ يضرب جذور الخطيئة فينا ويجعل كلا منا “خليقة جديدة”. هذا هو الفرح الذي لا يَنتقص منه شيئا ايُّ مرض وايُّ حزن وايةُ سقطة. وهذا ما اعطى المسيحيين قوة ليستشهدوا. شهادة الدم هي الكلام الأفصح عن القيامة. وجهود كل مسيحي يغلب التجربة التي تداهمه هو كلام يوميّ في الفصح.

         فاذا قلنا للسيد: “قم يا الله واحكمْ في الأرض” فإنما نعني اننا واثقون انه مالك قلوبنا وانه يحييها كل يوم. ولهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “ان صمتم او لم تصوموا فافرحوا اليوم. المائدة مملوءة فتمتعوا كلكم… لا يخافن احد الموت فإن موت المخلص قد حررنا… اين انتصارك يا جحيم؟… قام المسيح فانبثت الحياة. قام المسيح فليس في القبور من ميت…”.

         القياميون لا يخشون شيئا ولا يخشون احدا. انهم لقد أخذهم ربهم الى الحياة الجديدة. نعرف الآن اننا احرار فلا نجعل انفسنا عبيدا لشهواتنا. نسير على الأرض ولكن ليس كسائر اهل الأرض. واذا كان يقيننا ان المسيح قام من بين الأموات، نؤمن نحن ايضا اننا سنقوم كما قام. “فإن لم يكن للأموات من قيامة، فإن المسيح لم يقم ايضا” (1 كورنثوس 15: 13). ثم يعزز بولس حجّته بقوله: “واذا لم يكن المسيح قد قام، فإيمانكم باطل ولا تزالون بخطاياكم”. ثم يكمل الرسول: “وكما يموت جميع الناس في آدم فكذلك سيحيون جميعا في المسيح”.

         القيامة مبعـث ايماننا وداعمة له. وايماننا عندما يصير فينا محبة نتنقى به نحس ان طهارتنا ابتدأت فينا لما غـلب السيد الخطيئة. انها لن تتحكم فينا اذا عرفنا ان المسيح انتصر وانه منتصر الى الأبد في نفسه وفينا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم/ الأحد 28 نيسان 2002 / العدد 17

ايا كان إهمالنا في الصوم ندخل الآن اسبوع الفرح العظيم الذي يكلله فجر القيامة. اليوم يدخل ابن الانسان اورشليم متواضعا ويعلنه الأطفال ومن له قلب طفل ملكا على الإنسانية. يدخل لكونه ارتضى الموت بسبب حبه للبشر. وبدءا من مساء اليوم على مدى ثلاث امسيات نعلنه ختنا اي عريسًا للنفس، لكل نفس قررت ان تطيعه.

         سيأخذنا الإنشاد وتأخذنا التلاوات المقدسة لنقرب من يسوع اكثر فأكثر عسى يدخلنا الى قلبه ويعطف علينا ويغفر. والتحذير امامنا هو: “انظري يا نفسي ألاّ تستغرقي في النوم”. لقد نمنا في الخطيئة نوما كثيرا. المجال امامنا ان نفيق من هذا السبات الطويل. سوف ينزل علينا النور ان استمعنا الى الأناجيل والمزامير وما اليها وأسلمنا لكلمة الله بلا تردد. هذا هو الوقت الذي نذهب فيه الى الكاهن لنكبّ امام المسيح كل خطايانا حتى يحل الخميس العظيم لنأكل الفصح. انه جسد الرب الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.

         سنمشي وراء يسوع خطوة خطوة ونرفض الهوة التي اقمناها بيننا وبينه حتى نسمع الأناجيل مساء الخميس ونتشبع من خطبة الوداع التي هي الإنجيل الاول ثم نصغي الى الأناجيل الباقية ونتقبل الترتيلة: “اليوم عُلّق على خشبة”. نقول “اليوم” لنعني ان موت المعلم الذي وقع قبل الفي سنة انما هو حي فينا الآن وان الخلاص الذي اعطاه نهائيا آنذاك انما نتقبله الآن. نحن مجددا في استلام يسوع ولن نقبّله قبلة غاشة ولكنا نعطيه قبلة الحبيب، والحبيب لا يخون.

         ولما كان يوم الجمعة عطلة رسمية وعطلة لمعظم الناس سنذهب الى الكنيسة صباحا للمشاركة في الساعات الملكوتية وصلاة الغروب فإن هذه الخدمة على دسم روحي يجعلها قمة في هذا الأسبوع المقدس مليئة بالتعليم بالمزامير المختارة بصورة بديعة وببعض اناجيل الآلام ايضا حتى نطوف بايقونة المسيح الدفين (الإبيتافيون) بانتظار تقاريظ الجناز بدءا بـ “يا يسوع الحياة في قبر وضعت” ونقترب من هذه الصورة في آخر الخدمة ونقبل وجه يسوع وقدميه لنقول له اننا اتخذناه نهائيا مخلصا لنا.

         وفي كل هذا نعرف ان الحياة الإلهية دخلت به مملكة الموت وانها أبطلت الموت، لنقول له انه غالب كل شكل من اشكال الموت فينا وقد علمنا اننا “دفنا معه لنسير الى موته حتى كما قام يسوع من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة”. في هذه الخدمة العظيمة لا نبكي عليه. فإن المسيح “سبَتَ بالجسد بواسطة سر التدبير الصائر بالموت ثم عَاد بواسطة القيامة الى ما كان ومنحنا حياة ابدية”.

         ثم يحل السبت العظيم الذي كنا نقيمه قديما في الليل وفيه يعمّد “المستنيرون” الذين علمتهم الكنيسة ليتقبلوا المعمودية عند غروب الفصح في بيت المعمودية القائم خارج الكنيسة، وبعد المعمودية يدخلون الكنيسة فنستقبلهم بقول بولس: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم”. وفيما هم كانوا يقتبلون العماد نقرأ من العهد القديم ما يتعلق بالعماد. اذ ذاك نهتف للسيد المبارك: “قم يا الله واحكم في الأرض”.

         كلنا شوق الى القيامة التي عبّرت عن الحياة الجديدة. وبعد الطلبات التي تلي الإنجيل نقول: “ليصمت كل جسد بشري” لأن الكلام المباح الآن هو ان المسيح قام من بين الأموات. وهذه هي الكلمة الوحيدة المخلّصة للعالم. ولن يزيد عليها بشري كلمة واحدة.

         بعد هذا لا يبقى علينا سوى ان ننتظر فجر القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد التواضع/ الأحد 21 نيسان 2002 / العدد 16

في هذا الإنجيل ينبئ يسوع مرة ثالثة بموته. نحن صاعدون معه الى اورشليم. يقوى شعورنا باقتراب الآلام. ما سيذوقه من اوجاع محكيّ عنه هنا. القيامة التي ينالها من الآب معلنة هنا ايضا.

         امام هذا الإعلان عن المحنة الرهيبة التي سيمرّ بها، ينبري ابنا زبدى ليطلبا اليه ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن يساره في مجده بمعنى المجد السياسي الذي كانا هما يحلمان فيه. اذ ان المسيح في المفهوم اليهودي زعيم قومي يحرر – في ذلك الوقت – شعبه من الرومان.

         أَسكتهما يسوع بقوله: “انكما لا تعلمان ما تطلبان”. انا لست منقذا وطنيا. انا منجّي النفوس من الخطيئة ومحررها من الموت الأبدي. ثم يسألهما ان كانا مستعدين ليتألما معه (الكأس التي أَشربها، الصبغة التي أَصطبغ بها). لا شيء يدل انهما فهما هذا الكلام حق الفهم. اجابا نحن مستعدان. ولكن كان للسيد لغة ولهما لغة اخرى. بقي الالتباس.

         عند ذاك غضب عليهما التلاميذ. ربما كان هذا حسدا. ربما اشتهى الكل المشاركة في مُلكٍ ارضي. عند ذاك سفّه يسوع كل الرسل بقولـه: “إن رؤساء الأمم يسودونهم (ويريد بذلك الأمم الوثنية) وعظماءهم يتسلطون عليهم”. يسوع كـان واضحا عنده ان سياسة الشعوب كلها تسلُّط من الحكام، وان سعي التلاميذ الى سلطة في هذا العالم لا تخـرج عن شهـوة الملك. ولهذا تـابع: “من اراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما”. الانسان التابع لي يتكون من خدمته ولا يتكون من سلطانـه. خذوني اذًا قـدوة “فإن ابن البشر لم يأت ليُخدم بل ليخدُم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين”.

         انا جئت خادما للكل. انا سأظهر لكم عند العشاء السري اني غاسل أرجل. انا، ابن الله، تبدو ألوهيتي للإنسانية بأني اجعل نفسي متألما عنها. ستنظرون اليّ معلقا على الخشبة اي ملعونا حسب الناموس وحقيـرا. المؤمنون الذين عرفوا اني مخلّصهم وذاقوا حلاوة الخلاص سيفهمون ان مجدي كان على الصليب. انا قلبت كل الموازين التي اصطلـح عليها البشر. فقد باتت العظمة بالتواضع، وجاءت الحياة، حياتكم من موتي. الذين يعرفـونني لا يستـولون على شيء ولا يستعبدون احدا ولا يهزأون بأحد ولا يحقرون احدا ولا يستعلون. احبائي سيصيرون غاسلي ارجل. يتحملون بصبر ووداعة كل شيء حتى يعلو الآخر. المؤمن بي سيفتش دائما كيف يكسر كبرياءه، كيف يبذل نفسه عن الآخرين.

         بعد ايام قليلة سنرافق يسوع في دخوله اورشليم لنحصل على الحب الذي جاء ليعطيه. وبعد هذا ايضا نرى القيامة. ولكن هذا لن يكون الا اذا اكتسبنا التواضع الحقيقي ليس فقط امام السيد ولكن امام الإخوة. “لقد تناهى الليل واقترب النهار”. فلندخل النهار الذي لا يعتريه مساء.

         المؤمن بيسوع يتبع يسوع حتى النهاية، حتى الموت ويقدم نفسه عن كل انسان حتى الموت اذا اقتضى الأمر ذلك. وكما قام السيد من بين الأموات نقوم نحن في حياة جديدة ممتلئة من النور. ليس بعد هذا الا فرح الفصح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

فلسطين/ الأحد 14 نيسان 2002 / العدد 15

فلسطين كانت دائما عزيزة لكونها الأرض التي عاش عليها السيد فكانت مكان الخلاص والنور الذي جئنا منه. واليوم يزداد تعلقنا بها لكونها تتألم. وكل من ذاق الألم يصبح شريك المسيح في آلامه. ونحن اليوم نصوم. غير ان الشعب الفلسطيني يجوع ويقتلونه ظلما. دمار لا مثيل له وتشريد واحتلال وإبادة. ونحن في كنيسة المسيح قائمون ضد إهدار الدماء وتعريض الناس للجوع والعطش ايا كان المرتكب. نحن مع كل شعب يذوق الذبح. والشعب الفلسطيني كله ذبيح اليوم.

         إلى جانب هذا انتهكت حرمة الكنائس وقُتل أبرياء في الكنائس مما يدل على ان الذين ارتكبوا هذه المجازر لا يفرقون بين اهل هذا الدين واهل ذاك. غير ان ما يوجعنا هو هذا الاقتحام الشامل الذي يبتغي إفناء أمّة بكاملها بما فيها الآمنون من النساء والشيوخ والأطفال. وهؤلاء اعزاء عند الرب واقرباء له. وما يؤسف له ان البشرية عاجزة حتى الآن عن نصرة هؤلاء او انها لا تريد ان تستعمل وسائل الضغط حتى يرفع الحيف عن كاهل المعذبين في الأرض المقدسة مع ان المجتمع الدولي اعترف لهم بدولة. والدولة حقهم لأنها تستشعرهم بوجودهم الحر وتقدم لهم سبيل الازدهار. انهم يريدون ان ينتهي الاحتلال عنهم. وكما فرحنا نحن بزوال الاحتلال عن جنوبنا ينبغي ان نشتهي لهم الحرية والكرامة فإن الإذلال مصدر لليأس والحزن الشديد. ان الاستقلال طريق كل شعب الى قيامته. وكما تمنينا لأنفسنا السلام ندعو لإحلال السلام في فلسطين لأن السلام لا يتجزأ، لأن الحرب الدائرة هناك تنذر ايضا بالخطر علينا وعلى كل منطقة الشرق الحبيبة الى المسيح.

         ما يجري اليوم في فلسطين فوق طاقة الاحتمال. ان الله يريد الحياة لخلائقه واوجدها للحياة ولم يخلقها لتعيش خائفة من الموت. انه اوجدنا للفرح به وبإخوتنا البشر حولنا وما اوجدنا للتشنج والقنوط. فقد قال المخلص: “جئت لتكون لكم الحياة” والكتاب يسمي الموت عدوا، ذلك ان الرب أعدّنا للخلود. الوصية هي “لا تقتل” أكان القاتل فردا ام كان دولة تأمر عسكرها بذبح الأطفال والبالغين.

         موقفنا اننا نرسل سلاما من كل قلوبنا الى اهل فلسطين لأننا نحن المؤمنين بيسوع مع المقهورين ولسنا مع القاهر. ونصلي من اجل ان يلهم الرب القاتلين التوبة. نحن نريد اليهود ان يعيشوا ولا نريد لهم ذلا ولا نرضى بأن يقتلهم احد. غير اننا نريد ان يُحلّ الله في قلوبهم ميلا الى السلام وان يساووا الفلسطينيين بأنفسهم، وكما لليهود ارض يعيشون عليها نرجو ان يدركوا ان يعملوا ليكون للعرب في الأرض المقدسة ارض يعيشون عليها على ما قال كتابنا: “لا تفعل بالآخرين ما لا تريد ان يفعلوا بك”.

         نحن قد ذقنا مرارة التهجير. لا نرضاه اذًا لأحد. فلسطين ارض الفلسطينيين ونرجو ان يعودوا اليها. وكما لا نريد ان يطردنا احد من لبنان لا نريد ان يطردهم احد من بلادهم. ان التشتت في الأرض حزن كبير وسبب للإجرام. ليس لأحد بديل عن بلاده. ونحن في لبنان رفضنا التوطين لأننا، اساسا، نريد للفلسطيني الأرض التي يحبها ويحب التمتع بها.

         لهذا اطلب اليكم – وهم في هذه المحنة – ان تصلوا من اجلهم كل بمفرده واتمنى على الكهنة ان يذكروهم في الذبيحة الإلهية سواء بطلبة تضاف الى الطلبات او في الدورة الكبرى عسى الله يستجيب صلواتنا قبل ان نتبين وسيلة محسوسة مع سائر مواطنينا لرلرفع الظلم عنهم ولدعمهم في ما هو حق له وانتعاش.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عيد السجود للصليب/ الأحد 7 نيسان 2002 / العدد 14

في هذا الأسبوع نبلغ منتصف الصيام وقد دلت خبرة الكنيسة ان بعضا من المؤمنين – بعد جهاد طويل – يملّون الجهاد. فلئلا تخور قوانا الروحية رتب آباؤنا ان نقيم في هذا اليوم عيدا يشبه يوم الجمعة العظيم فنسجد لآلام السيد ونتخذ منها نفحة قيامية. فنطوف بالصليب حتى وسط الكنيسة ليأتي المؤمن ويعانقه ويأخذ من الرياحين المحيطة به ليفهم ان هذا العناق يعطيه فرحا.

         وفي خدمتي الغروب والسحر نقول للصليب انه “المشوق اليه من العالم” وانه “الحامل الحياة” ونقول ان العالم امتلأ به فرحا لكوننا واثقين اننا نلنا به الخلاص، هذا الذي كشفته لنا القيامة. وفي الرسالة الى العبرانيين التي نقرأ منها نذكر ان المسيح كاهن الى الأبد وقد أظهر كهنوته العظيم اذ صار بموته قربانا للآب. ونتمم خدمة الطواف بما يشبه خدمة رفع الصليب في 41 ايلول. والمبتغى من كل ذلك ان نكون متحدين بيسوع. كيف يكون هذا الاتحاد؟

         عن هذا السؤال يجيب إنجيل اليوم: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. نحن مدعوون ان نتبعه. هو جاء من اجل ذلك. شرط ذلك ان نكفر بذاتنا المنغلقة على نفسها، الواقعة في شهواتها. الإنجيل يدعونا ان نزيل العراقيل التي تمنعنا عن رؤية يسوع حياة كاملة لنا. الخطيئة تعني، بالعربية، اننا نخطئ الهدف او اننا، في طريقنا الى السيد، نلتهي بأشياء اخرى فنحيد عن الطريق لكوننا نسينا قوله: “انا الطريق”.

         كل منا يغريه هذا الضعف او ذاك. لم يذكر يسوع الضعفات باسمها: الكذب، الاحتيال، الحقد، الغضب الخ… ذكرها كلها بقوله: فليكفر بنفسه اي بهذه الأنا الحاملة كل هذه الضعفات. لماذا يجب ان نبتعد عن كل شر؟ يقول يسوع: “من اجلي ومن اجل الإنجيل” اي محبة بي وارادتنا على إعطاء التعليم الإنجيلي وتطبيقه. ذلك لأن الذي يحب ذاته أنانيا ليس عنده محل ليحب يسوع او ليحدث الناس عنه.

         وحتى يكشف السيد الخطأ مـن شهوتنا لما هو غيره قال: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. كل غنى العالم وكل نفـوذه وكل ملـذاته ماذا تنفعنا ان خسرنا “الذات” اي هـذه الشخصية الطيبة، المحبة، الطاهرة التي أسلمت ليسوع. وفي خبرة التأئبين ان كل مسرات الدنيا لا تقاس بالفرح الروحي الـذي ينزل علينا اذا احببنا السيد. لا يمكن تشبيه اي شيء نكتسبه مـن ملذاتنا بالنعمـة التي تنزل علينا من الله.

         كان هذا الأحد لنفهم هذه الحقيقة. ننضم الى الصليب اي الى ما يبدو لنا ألما ونقبل صعوبة الإمساك والتقشف والمثابرة على الصلاة لكي نصل الى القيامة. ونفهم في مسيرتنا اليها ان نورها يتخلل هذا الصيام.

         ما ينبغي التروض عليه ان المسيحية تكلف جهدا كبيرا. ولكن اذا بذلنا هذا الجهد نصير محبين له لعلمنا انه تعب من اجل المسيح. يبدأ هذا تعبا. وبعد ذلك يصير سرورا. هذا هو سر الصليب والقيامة ان ما حدث للسيد اي موت وانتصار ينعكس فينا. نميت نحن الخطيئة، نصلبها فنقوم في الفرح حسب قوله المبارك: “انا القيامة والحياة”. لا ننتظر فقط القيامة الأخيرة ولكن نذوقها مسبقا اذ نحيا مع المسيح. وهذا ما سنجده في النفس بين الجمعة العظيم وصباح الفصح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر في الزواج المسيحي/ الأحد 31 آذار 2002 / العدد 13

الزواج مشروع حياة طاهرة، ملتزمة، محبة، ومشروع تربية مسيحية للاولاد اذا جاؤوا. ولذلك أصر بولس على ان من تزوج فليتزوج بالرب اي بحضور يسوع في البيت الناشئ. العائلة هي حضور الله الجامع شخصين اساسا والجامعهما الى بنيهما وبناتهما. هي مكان إشعاع للإيمان. العائلة تسمى عندنا كنيسة صغيرة بناء على قول الكتاب: «انا وبيتي نعبد الرب».

لذلك لا يخطر على بال مسيحي ملتزم ان يقترن بامرأة غير معمّدة، ولاسيما ان الترتيب الكنسي الحالي يمنع هذا بسبب ما فيه من خطر ولاسيما على الاولاد. ويقول القانون الكنسي انه اذا خرج احد الزوجين عن المسيحية يصح فسخ هذا الزواج. والمحزن منذ بضع من السنين ان بعضا من المسمّين ارثوذكسيين المتزوجين يتركون الإيمان للتزوج بامرأة ثانية، واذا انكروا الإيمان يتبعهم اولادهم القصَّر. وهذا الترك يحصل احيانا عند الخيانة الزوجية وولادة طفل يضطر معها الزوج الارثوذكسي ان يتركنا ليُشرعِنَه.

هذا أمر يحصل في خفة كبيرة وعن طيش كبير. احيانا كثيرة يعودون الى احضان الكنيسة بعد ان يكون حصل طلاق مع المرأة الثانية ويكون الخلل دخل الى العائلة.

اما زواج الشاب او الشابة بفريق غير ارثوذكسي فمن نتائجه الواقعية ان الفتاة في الواقع تنضم الى كنيسة اخرى. بعض الفتيات متمسكات بايمانهن الارثوذكسي ولكنهن مضطرات احيانا او دائما الى الممارسة في كنيسة اخرى بسبب العقلية الشرقية التي تقول ان المرأة تتبع زوجها. والمشاهدة تدل على ان هذه الزوجة في كثرة الأحيان تصل الى الاعتقاد ان الارثوذكسية والمعتقد المسيحي الآخر واحد. وهذا غير صحيح.

اما اذا كان الرجل ارثوذكسيا والمرأة ليست كذلك، ففي بعض الأحوال تنضم الى كنيستنا بقناعة او غير قناعة، وذلك لشعورها بأنها دخلت عائلة ارثوذكسية. في اكثر الأحوال هي لا تعرف شيئا عن عقيدتنا. واحيانا تميل الى الذهاب مع اولادها الى كنيستها. وهذا أفهمه لكونها نشأت على ما نشأت عليه. في هذه الحالة الوحدة العائلية فيها خلل. نحن لسنا وحدنا على هذا الفكر. الكنائس الأخرى ايضا لا تحبذ هذه الزيجات المختلطة.

طبعا المجتمع مختلط والشاب يحب من يحب. كيف نعالج وضعا كهذا بلا تعصب ولا تشنج؟ في الغرب يتعاون الكاهن الارثوذكسي والكاهن غير الارثوذكسي على تدبير الأمور، وفي الغرب لا يعتقدون ان احدا يجب ان يتبع الآخر بلا قناعة ولاسيما ان النظام العلماني عندهم يترك الناس على حريتهم.

يبدو ان الزيجة المختلطة باقية والناس معا في الجامعة وفي العمل والحياة الاجتماعية. ما لا نستطيع ان نتنازل عنه هو ان يبقى الفريق الارثوذكسي على مذهبه رجلا كان ام امرأة. والاولاد يتبعون والدهم حتى سن الرشد ويعمَّدون في كنيسة أبيهم. وهذا ما اتفق عليه البطاركة الشرقيون كلهم. ومن باب حسن المعشر ووحدة العائلة ان يكون الأمر هكذا.

يبقى ان نشدد الإيمان الارثوذكسي في الإنسان حتى يفضّل قرينا له من كنيسته. يبقى ايضا ان نشجع الاختلاط بين عناصرنا في الكنيسة وحركات الشباب فيها وأنديتها. ولذلك نصرّ على ان تكون لنا في كل كنيسة قاعة يتعرف فيها المؤمنون والمؤمنات بعضهم على بعض.

اذا خسرنا العدد قد تضعف الشهادة وتخور قوى الأرثوذكسيين امام تقلص العدد.

السلوك الذي أتبعه في هذه الأبرشية هو اني أُعلّم الفتاة غير المسيحية. بلا تعليم لا أعمّد واحدة. هذا احتقار للسر. فلا يأتني اذًا احد ويقول انا «خطفت» فلانة، تعال وعمدها. هذا لن يكون. يجب ان يفهم شبابنا ان التنصُّر امر صعب ويتطلب وقتا، والإيمان المسيحي لا يأتي به التعليم آليا.

الفتاة المسيحية غير الارثوذكسية لا نمارس عليها اي ضغط. فنحن في حالة حوار وصداقة مع الكنائس الأخرى. ولكن اذا كشفت ايمانها الارثوذكسي من بعد الزواج وأصرت على اعتناق الارثوذكسية فكيف نردها؟

هذه امور دقيقة يجب ان نعالجها برصانة وتفهم، وقصدنا الا تضعف كنيستنا بزيجات ما كان القانون الكنسي يقبلها ولا هو يقبلها صراحة اليوم. ما يحصل الآن ليس قانونيا ولكن نواجه الأمور الواقعية بشيء من التدبير رحمة بالناس وإنقاذا لما يمكن إنقاذه.

ما تمناه آباؤنا هو ألاّ يختلط احد بعنصر آخر في ميدان الزواج. وهذا يبقى الهدف في رعايتنا. ولا أحد يستطيع ان يوآخذنا على حفاظنا على الرعية الموكلة الينا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 24 آذار 2002 / العدد 12

يسمّى الأحد الأول من الصوم أحد الأرثوذكسية وهي استقامة الرأي اذ أعلن في مثل هذا الأحد السنة الـ 843 انتصار الأيقونة بعد ان شنّت عليها الامبراطورية البيزنطية حربا طاحنة دامت حوالى 120 سنة واستشهد فيها ألوف مؤلفة من الرهبان.

         كان المجمع السابع (787) اعلن عقيدة تكريم الأيقونة. وحدثت انتكاسة فيما بعد حتى ثبت إكرام الأيقونة في الاستعمال. وجاء انتصارها نصرا للعقيدة كلها. لذلك سمّي هذا الأحد أحد الأرثوذكسية.

         نحن نكرّم الأيقونة ولا نعبدها. إكرامنا يذهب الى الشخص الممثل عليها (السيد، والدة الإله، القديسون). وهي تحمل الينا حضرتهم في أعماق النفس المصلية. ما تمتاز كنائسنا وبيوتنا أنها مجمّلة بالأيقونات التي هي تعليم مصوّر الى جانب التعليم المكتوب وفي تصويرها خشوع كبير. ويساعد على هذا انها ليست نافرة وانها “مكتوبة” لكي توحي تعليما. ولذلك نستند كثيرا الى التراث الأيقوني لتفسير أعيادنا. وما من شك انها ساعدت على نقل إيماننا الى الأجيال الى جانب الصلوات. بها نرى ان السماء مفتوحة كما يقول انجيل اليوم.

         عندما ينتقدنا آخرون قائلين كيف تصورون وقد حرّم الله ذلك في العهد القديم، في الوصية الثانية، جوابنا ان التحريم آنذاك كان يخشى منه جعل صورة أو تمثال للإله. نحن لا نصنع هذا. لا نمثّل جوهر الله. فبعد ان اتخذ ابن الله جسدا صار بإمكاننا ان نظهره بإنسانيته المنظورة. فلا خوف من الوقوع بالوثنية بعد ان ألححنا في المجمع السابع ان ليس عندنا للأيقونة عبادة ولكن عندنا تكريم.

         هذا التكريم جزء من الأرثوذكسية الكاملة. ولهذا نكرر اليوم تمسكنا بكل العقيدة التي يختصرها دستور الإيمان في المجمعين الأول والثاني. ثم جاءت العقائد الأخرى مثل طبيعتي المسيح في المجمع الرابع توضح دستور الإيمان. وأخيرا جاءت العبادات والممارسات تترجم العقيدة.

         ولكون العقيدة الأرثوذكسية سليمة لا شائكة فيها فلا نساويها بالعقائد الأخرى ولا نحضر اجتماعات البدع الجديدة المنحرفة التي تدعي ان لها معرفة صحيحة للإنجيل. نحن حفظنا الإنجيل بهذه العقيدة ولا يستطيع غريب ان يعلمنا إياه.

         ومن باب الإخلاص لإيماننا الكامل نذهب يوم الأحد الى كنيسة ارثوذكسية ولا نتصرف كالكسالى الذين “يستقربون” كنيسة اخرى في حيّهم. كل الطقوس وراءها لاهوت معين واعتقادات معينة. فلا نستطيع ان نؤمن بالاثوذكسية ونستمع باستمرار الى أقوال كنيسة اخرى اذ لا يجوز ان يتضارب إيمانك الذي في قلبك مع كلمات تختلف كثيرا او قليلا عمّا تؤمن انت به.

         لنا محبة كاملة لغير الأرثوذكسيين. العقيدة شيء ورثناه ونتمنى ان يأخذه الآخرون. ان تحب الآخرين لا يعني ان تقيم شعائرهم وطقوسهم. الأرثوذكسية التي في الذاكرة وحدها ولا تعاش في طقوسها لا بد لها ان تذبل.

         إيمانك تعلنه باصطفافك مع اخوتك الأرثوذكسيين في كنيسة واحدة صباح كل أحد.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عشيّة الصوم/ الأحد 17 آذار 2002 / العدد 11

الأحد الأخير قبل الصيام هو اليوم الذي نستغفر فيه بعضنا بعضا في صلاة الغروب لأن المحبة الأخوية ان لم تنوجد بيننا يكون الصيام كله شيئا متعلقا بالجوف الذي قال بولس الرسول ان الله سيبيده، يجب ان ننفذ اذا من النظام النباتي في الأكل الى روح النظام. لذلك نقرأ من لوقا كلام الرب: “إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم ابوكم السماوي ايضا”.

         في بدايات المسيحية في روما كانوا يمسكون عن الطعام من وقت الى آخر لإطعام المساكين. الآخر هو الأساسي في رياضات الصوم. والصدقة جزء منه اساسي. لقد فقدنا في الواقع هذا البعد من أبعاد صيامنا. يبقى ان الذي لا حياد عنه هو الغفران الذي يتم في الطقوس نفسها على رجاء ان يكون قد تم في القلوب. فاذا كنت حاقدا على أخيك فلن يستر لك الصيام هذه الخطيئة. اخوك هو المسيح المترجم لك في الظاهر. المسيح موجود في ذات اخيك كما قرأنا الأحد الماضي: “كنت جائعا فأطعمتوني”. فاذا أساء اليك لا تتكبر. انه جرح نفسه بالمعصية وانت لا يجرحك احد لأن يسوع يضمد دائما جراحاتك.

         الشيء الثاني الذي يريده هذا الفصل الإنجيلي ألاّ نكون معبسين كالمرائين، ألاّ نظهر متعبين من الجهاد، ألاّ نفتخر على الذين لا يصومون، ألاّ نظن أننا صرنا بالصيام ابرارا. ولكن اذا انوجدنا في مكان وقُدم الينا زفر نتمسك بانضباطنا ويمكن ان نقول اننا صائمون. ليس في هذا رياء.

         هناك التزام بقواعد الصوم كما وضعها آباؤنا. ان كنت سليم البنية تعمل كما تعمل الجماعة. اما المريض فقد حرره القانون من الصيام. هذا اذا اوجب عليك طبيبك ان تأكل لحما او مشتقاته. ولكن الأطباء – في كثير من الأحوال – لا يرون نظامنا ضد الصحة. ومن حسن التصرف ان تناقش الأمر مع الكاهن او ابيك الروحي.

         هناك حالات تفرض عليك الحكمة. المرأة الحامل قد تكون في حاجة الى الزفر او المرأة المرضعة، لست اعلم. هذا امر يناقش مع الطبيب. ولكن الولد الذي في حالة النمو ويحتاج الى بروتيين حيواني او حليب هو حر من ترتيب الصيام. هناك مراعاة لبعض الأحوال. واذا اضطر احد في العائلة الى الزفر بسبب المرض فقد يتعذر على العائلة ان تهيئ اطباقا مختلفة. هذا تتدبره العائلة في حكمتها وليس على احد في هذا حرج.

         وينتهي القسم الأخير من هذا الفصل الإنجيلي بالتحريض على عدم عشق المال بقوله: “حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. المعنى ان السيد لا يريدنا ان نعتبر المال كنزنا الحقيقي لأنه، اذ ذاك، يسيطر على القلب ويستعبده.

         ضع يسوعَ في قلبك واجعله هو كنزك الحقيقي فيسيطر هو على نفسك وعلى إرادتك. اذا صُمت عندئذ تكون عشير المسيح. المطلوب من كل هذا التمرين – والإمساك مجرد تمرين – ان تجعل بينك وبين المعلم الإلهي قربى لأن هذه القربى هي التي تقودك الى القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد مرفع اللحم/ الأحد 10 آذار 2002 / العدد 10

تعتبر كتبنا الطقوسية هذا الأحد عيدا، آخر الأعياد بانتظار الفصح. ولكنه عيد يقوم على تنبيه شديد: “ان الرب يوافي فمن ذا يحتمل خوفه او من يظهر امام وجهه. لكن ايتها النفس كوني مستعدة لاستقباله”. الخدمة (غروب وسحر) تشدد على الرهبة عن حق لئلا يستهين الإنسان بالرحمة ولا يبقى جديا في مكافحة الخطئية. مع ذلك نستغيث ونعود الى الاسترحام.

         في التصنيف الأدبي هذا النص مثل، اذ يشبّه متى الأبرار الى خراف وهي بيضاء في بلادنا، ويشبّه الأشرار الى ماعز وهي سوداء عندنا.

         يبدأ المثل بعبارة: “متى جاء ابن البشر على عرش الآب”. ابن البشر هو المسيح الممجد بالصليب والقيامة والجالس على عرش الآب. العرش الإلهي الذي هو مطـرح المجـد يصير في مقابلـة البشـر والمسيـح مطـرح الدينـونـة. ما الدينـونـة؟ هي المواجهة الأخيرة، بين الله والإنسان كما يعرف الله الإنسان. اي هي المواجهة مع الحقيقة حيث لا نقـدر ان نتوهم (والخاطئ يميل الى تبرئـة نفسه اي الى الوهم). وهي مواجهة للأبرار لأنهم ايضا لا يعرفون عظمتهم لكونهم متواضعين. وهذا ما سيقوله المثل.

         على اي شيء ندان في هذا النص؟ النص لا يستغرق كل موضوع الدينونة لأننا سندان ايضا على الوزنات كما ورد في المثل السابق توا لإنجيل الدينونـة بحيث يأتي فكر متى اننا ندان على استعمال الوزنات وندان ايضا على المحبـة. يقول يسوع للأبرار: “اني جعت فأطعمتـوني الخ…”. هنا يدمج السيد نفسه بالجائع والعطشان والغريب والعريان والسجين اي بكل محتاجي الأرض.

         قلب المثل ان الله في هؤلاء بحبه اياهم. هذا شيء جديد كليا في تـاريخ الأديان. انت اذا كنت مع الجائع لا تكـون فقط معـه، انت مع يسوع. وتاليا تعامل المحتاج كما لو كنت تعامل المسيـح اي في كل قدرتك على محبته. المفروض ان المؤمن يحب المعلـم الإلهي حبا جما. اذًا تحب الجائع والسجين والمريض وغيرهم حبا جميعا.

         الأتقياء ينتظرون ان يسألهم السيد عن صلواتهم وأصوامهم. هذا السؤال غير وارد في إنجيل الدينونة ليس لأن الصلاة والصوم غير مهمـين ولكن ان لم يقودا الإنسان الى الالتحام بأخيه الإنسان لا يكونان عميقين او صادقين. حجر المحك لحقيقتنا الروحية المحبة.

         رد الأبرار على يسوع: متى رأيناك جائعا فأطعمناك الخ… رد صحيح بمعنى ان الذي يفعل الخير لا يفكر دائما انه يعامل يسوع الماكث في هذا المحتاج. يسوع لا يطلب ان نراه بوعي كامنا في كل محتاج. هو دمج نفسه بالمحتاج. وهو تقبل العطاء الذي قمت انت به. التعليم الجديد هنا هو التعليم عن وحدة المسيح بكل فقير ومريض وسجين وغريب وبوحدتهم جميعا بيسوع، كأن المعلم يقول ان هؤلاء المتروكين، المرميين خارج عاطفة البشر هم زملائي او جماعتي بامتياز.

         جواب الأشرار عن سؤاله متى رأيناك جائعا ومريضا ومحبوسا الخ… ولم نخدمك هو هذا: لأنكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه. وكأنه يقول: انا لم اطلب اليكم ان تحبوني مباشرة اذ لم تروني. أنا طلبت اليكم ان تحبوا المهمشين والمستضعفين الذين ليس احد يحبهم ولم تنفتح قلوبكم لهم. كنتم بلا قلوب. الملكوت ملكوت القلوب.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 3 آذار 2002 / العدد 9

اذا كان مثل الابن الشاطر هو مثل التوبة الكبرى، فلا شك انه يتبع منطقيا مثل الفريسي والعشار الذي هو إنجيل توبة ايضا اذ لا توبة ان اعتبرت نفسك عظيما فتكبرت. في اللغة “الشاطر” من نزح عن اهله وانفصل. فاذا عاد يعود الى أبيه.

         فالحديث الحقيقي ليس عن شاب ضال بقي ملازما لبيت اهله. انه كلام اساسي على من ترك المنزل الوالدي وجرح شعور ابيه، ثم انضم اليه بعد توبة. فكرة الابن الشاطر هي فكرة علاقة بين والد وولده. تبدأ بالانفصال وتنتهي بالرجوع. نحن اذا اخطأنا لا نفسد انفسنا فقط. نصدم الله ذاته.

         الخطيئة كانت في الاغتراب الذي طلبه الفتى. قسمة المال التي ارادها ناتجة عن حبه للابتعاد. الكتاب يقول ان هذا الابن “سافر الى بلد بعيد”. هناك بذر ماله عائشا في الخلاعة. هل الخلاعة هي فقط الزنى؟ لماذا اختار لوقا هذه الخطيئة؟ عندما اتهم الأنبياء بني اسرائيل، انهم زنوا مع آلهة اخرى ارادوا ان يقولوا انهم تركوا التصاقهم بالإله الوحيد الذي هو عريسهم.          الخلاعة في اللغة ان تنخلع عن واحد. في هذه الحال انخلع الولد عن والده. هذه في العمق كانت خطيئته. الباقي تفاصيل او نتائج.

         يفصّل لوقا ان هذا الشاب اصابه العوز. الجوع الذي تعرض له شيء يدل على ان الشبع الذي يقابل الحاجة انما سيجده عند أبيه. يحتاج الى الرجوع. يقول الإنجيل “رجع الى نفسه”، الى وعيه نفسه محطَّما، فأخذ يفكر انه لما كان في البيت كان منتعشا، ممتلئا بالخيرات وبالعطف.

         يجب ان يعود على الطريق نفسها التي سلكها من بعد ترك. ليس من طريق اخرى. فاذا قرأنا المثل الإنجيلي في خط الصيام المقبل يكون الرجوع خلال اربعين يوما الى المسيح القائم من بين الأموات. بعد حركة الوعي التي صارت له، كان عليه ان ينفذ توبته اذ لا يكفي ان يعي انه اخطأ. يجب ان يعترف ليتم صدقه. “اقوم وأمضي الى ابي واقول له يا ابت اخطأت الى السماء وامامك”.

         اذا انت اخطأت الى انسان، لا يكفي ان تعترف بذلك لله. يجب ان تعترف للشخص الذي صدمته او جرحته، لأنك بذلك فقط تتواضع وتكون صادقا معه ومع نفسك.

         واذا تبت فلك الغفران. لاحظوا قول الإنجيل: “وفيما هو غير بعيد رآه ابوه فتحنن عليه وألقى بنفسه على عنقه وقبّله”. الله دائما ينتظر عودتنا. هذا معنى قول لوقا عن الوالد انه رآه. اي اعتبره ابنه وتحنن لأن الحنان شيء من طبيعة الله. فكما ان الوالد هو الذي كان ينتظر وهو الذي غفر قبل ان يستغفره ابنه هكذا الآب. انه يضمنا الى صدره ولا يسألنا عن شيء.

         لم يعاقب الوالد وليده. لم يسأله: لماذا ذهبت؟ ماذا حل بك في البلد البعيد؟ كيف عشت؟ هل اعوزك شيء؟ رآه امامه حيا وفهم انه سيتمتع بما في البيت الأبوي من دفء. وفي الواقع سيظهر الفرح. فهذا الفتى “كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد”.

         ذبح له العجل المسمن. المسيح هو الحَمَل الذبيح من اجلنا في الفصح الآتي. امام انتظارنا اياه هل نبقى على الضلال ام نكره الخطيئة لنحبه ونحيا معه؟

Continue reading