لنقل إن النزعة الفردية هي ان تعيش لنفسك ولا تنظر إلى الجماعة التي تنتمي إليها متعاونا وإياها. الكلام الشعبي هذا يفكر صاحبه بمصلحته فقط. ماذا أجني من فلان أو فلان فأقترب إليه أو أصوّت له. اما كيف أقوّيه وأنتبه إليه لأنه في حاجة، كيف أشجعه وأبرزه لأن الناس محتاجون إليه، فهذا أمر نادر جدا في أوساطنا.
وعندما لا أخرج من حدود عائلتي الكبرى أو عشيرتي لأرى الخير في كل مكان هذا نسمّيه عصبية عائلية، ولكنه في حقيقته نزعة فردية، إذ أتقوى أنا بالصالحين والفاهمين وان لا شيء يحوجني ان أظهر أنا إذا كان غيري أفضل مني. فقد أختفي في الظل، وراحتي فيه من ضميري ومن حبي للآخرين كبيرة. المهم ليس أن يقولوا عني حسنا ولكن أن يقول الله عني حسنا.
أجل لا يعيش الإنسان بلا انضمام إلى احد، بلا صداقة. والصداقة، تحديدا، خروج من الأنا المنغلقة على الذات إلى أنا جماعية. كياني في الصَّديق، وبإرشاده وحنانه يقوى كما يقوى هو بي. أنت تخرج من ذاتك أيضا بالفهم، وتتكون بذلك جماعةُ العارفين.
وليكن جميلا من استطاع ان يكون جميلا. ذلك ان الرب يحب جمالاتنا وهي تنعش الآخرين. وليتكلم بيننا من يعرف الكلمة ليفيد الناس. ما نفع كلامي إن كان كلامي تافها. «أنتم نور العالم». الخطيئة ان نطفئ النور.
لعلّ مردّ هذا الانكماش الخوف من الآخرين. الرومان قالوا قديما: «الإنسان ذئب للإنسان». الموقف الحقوقي ان الإنسان بريء إلى ان يثبت العكس. والموقف الإنجيلي أن نحب بعضنا بعضا ولا نبحث عما إذا كان الآخر يستحق حبنا. أنت تحب بلا شرط في الآخر ولا فيك ولا تنتظر ان يكافئك على شيء. ولكن قد يساعدك على المحبة ان تثق بالآخر منذ البدء.
إذا أتاك إنسان ثق به أولا. بعد المعاملة تعرف إذا استحق منك هذه الثقة. إذا تكلم إنسان صدّقْه منذ البدء لأنه خير لك ان يغشَّك من أن تظلمه بالشك. فإذا رآك تشك به وهو طاهر يصيبه إحباط وربما حزن حزنا شديدا. إذا كنت ذا خبرة طويلة أمكنك معرفة من يقترب إليك في لحظات. ولكنّا لا نملك جميعا هذه الخبرة. وبالثقة تستثير الثقةَ وتنعش نفس الآخر. إلقَ الآخر بحب وتعاون حتى يخيب ظنك به. أنت تحتاج روحيا إلى الآخر كما قد يحتاج إليك روحيا أو ماديا. كم من نفس تنقذ بالثقة. تذكّر قول يوحنا الحبيب: «المحبة تَطرح الخوفَ إلى خارج». كثير من هزالتنا يأتي من الخوف الذي لا يجعل فيك قوة.
كيف تريد بلا ثقة ان نبني الكنيسة، ان نصبح جماعة للمسيح؟ ما الرباط بين أفراد الجماعة ان لم يكن اطمئنان الإنسان إلى الإنسان؟ أنا ما دعوتك إلى إقفال عقلك وعدم التحليل. ليكن عقلك مستنيرا، دقيقا، فاحصا، وفي آن معا استقبل الآخرين في قلبك فهذا قد يفتح قلبك.
أنت لا تعيش بلا دفء. بلا قربى أنت تجفّ. قرباك من أبيك وأمك وإخوتك وأخواتك مفروضة عليك. وقد يكون أنسباؤك سيئين. اجعل لنفسك أصدقاء يكونوا عائلة قلبك.
