Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2005, مقالات, نشرة رعيتي

سر الصليب فينا/ الأحد 18 أيلول 2005 / العدد 38

ثلاثة فصول إنجيلية قرأناها قبل اليوم تحدثنا عن سر المحبة الذي كشف يسوع انه اكتمل في الصليب. “هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (الأحد الذي قبل العيد). ثم في العيد: “انا اذا ارتفعتُ عن الأرض (اي بموتي) جذبتُ اليّ الجميع”. ثم في السبت السابق للعيد: “متى رفعتم ابن البشر فحينئذ تعرفون اني انا هو”. هذا ليكشف لنا ان الصليب كان مكان المحبة الإلهية.

          اما كيف نستفيد نحن من هذه المحبة فهو موضوع هذا الأحد الذي بعد العيد. ويستهل مرقس الإنجيلي القراءة بقول الرب: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. الصليب هنا يعني المشقات التي يعانيها كل انسان ولكنه يتحملها او لا يتحملها، وكأنه يقول ليس من احد منكم لا يتألم جسديا او معنويا ويصدمه من يعايشهم ولعلهم الأقربون ويقلقونه ويؤذونه ولكن ليس من عيشة لا صعوبة فيها او لا شقاء. السؤال هو بأية قوة تحمل، كيف؟ الجواب انك لا تقدر ان تتصبر الا اذا قررت ان تمشي وراء يسوع اي ان تكون له تلميذا. فاذا كنت كذلك تتوجع مثل كل الناس. تتقبل الآلام بايمان (انت تتبع المعلم اذا آمنت به).

          ولكن يجب ان تريد ذلك (من أراد ان يتبعني). واذا قررت اتباعه تكفر بنفسك اي لا تتعلق بمالك او نفوذ لك او سلطة ولا تكون اسيرا لامرأتك او اولادك او لنافذ في قومك واخيرا لا تكون أسيرا لذاتك (فليكفر بنفسه وليس فقط بالأشياء التي يحبها او الأشخاص القريبين اليه).

          وعبّر عن هذا بوضوح اذ قال: “من اراد ان يخلّص نفسه يهلكها ومن أهلكَ نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. تهلك نفسك بمعنى ان تعرض عن كل ما يفسدها، عن كل ما يعطل سيرها الى الله، عما يلهيها عنه. تعف عما يؤذيك من اجل الإنجيل، من اجل شهادتك ليسوع، تتحرر من كل شيء لتبشر، فاذا كنت مكبلا بما هو غير نافع لا تخرج كلمة صالحة من فمك ولا يسطع نور من سلوكك.

          وينهي السيد هذا المقطع الرئيس في تلاوة اليوم بقوله: “ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. واضح من كلام المعلم انك اذا اشتهيت كل ما في العالم من مال وسلطة وشهوة للجسد تعرّض نفسك للعبودية ولا يسكنك الروح القدس. اما اذا افرغتها من كل ما يستعبدها تصبح انت عبدا للمسيح اي حرا من كل شيء، من كل انسان ولو مرضت او تعبت او شخت. واذا اخطأت تتذكر الحرية التي كنت تتمتع بها وتحنّ اليها لأن وجودك هو بهذه الحرية.

          غير ان هذه الحرية لن تنالها الا اذا آمنت ان المسيح مخلصك وانه وحده ينهضك من كل وقعة ويشفيك من كل مرض ويغفر لك كل سيئة. فالقصة ليست فقط ان تقرر ارادتك الخروج مما يعطل حرية النفس. القصة ان تذوق يسوع في وجدانك، ذلك انه معك في كل حين ان طلبت اليه ذلك واشتقت الى صداقته وألفته حتى تصبح واحدا معه.

          غير ان كل هذا لن يتم لك ما لم تدخل في سر الصليب اي اذا ادركت ان الله احبك شخصيا وانه ارسل ابنه من اجلك. “احبني وأسلم نفسه لأجلي” يقول بولس. ليس فقط لأجلنا جميعا كما هو الواقع ولكن لأجلي. فقد جعلك يسوع انت شخصيا مركز حبه وأثبت لك ذلك بأنه مات عنك وانه اعطاك الحياة الجديدة بحيث لا تبقى مركزا لوجودك بل يصير هو مركز وجودك.

          فقط اذا عرفت سر الصليب ينزل اليك هذا السر وتحيا به فتكون مصلوبا مع السيد وقائما معه من بين الأموات اي سالكا حياة جديدة. هذه أخذتَ عربونها بالمعمودية فاذكرها دائما حتى تبقى دائما مغتسلا، لتظل المعمودية فعالة في نفسك كل حين فيتحول شقاؤك الى فرح وتشرق بضياء يسوع، فاذا رآك الناس على هذه الحياة الجديدة يتحولون هم انفسهم الى هذا الضياء.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المحكمة الروحية/ الأحد 11 أيلول 2005 / العدد 37

المحكمة الروحية في هذه الأبرشية مؤلفة من ثلاثة كهنة أنا أعيّنهم وانتدبهم عني انتدابا كاملا أي أني منحتهم كل ثقتي فلا أتدخل بدعوى ولا بحكم ولا اعرف شيئا عن سير الدعوى لأني لو أردت ذلك لجلست ولم أَنتدب. وكيف أتدخل إلا لكون احد الطرفين قد راجعني، وكيف اعرف مسار الدعوى ان لم اسمع كل كلمة تقال أمام القوس واقرأ كل لائحة جوابية وانا لا أريد أن أوحي بأني اشك لحظة بنزاهة القضاة. لذلك أتمنى ألا يراجعني احد خارج المحكمة. وإصراركم على المراجعة يضطرني الى الاستماع الى الخصم اي ان اكون انا قاضيا خارج القوس.

          ثم هذه محكمة بدائية اي ان فوقها محكمة استئناف هي في دنيا الحقوق مرجع للمحكمة الاولى اذ نطبق نحن قانون اصول المحاكمات في المحاكم اللبنانية القائم على وجود محكمتين. ومن الأصول الأخلاقية الا اراجع انا قضاة محكمة الاستئناف وكأني اشك بعلمها وهي التي تفحص محكمتي فتثبت احكامها او تنقضها.

          ومن الواضح ان الفريق الخاسر تدفعه عواطفه ان يظن انه مغبون او مظلوم. ولكن في دنيا   القضاء هناك من يحكم بينك وبيم خصمك. اجل يمكن لقاضي البداية ان يخطئ. بسبب ذلك أقيمت محاكم الدرجة الثانية.

          الى هذا نحن قضاء لبناني تنفذ احكامه الدولة اللبنانية. لذلك تتدخل بأحكامنا محكمة التمييز اذا رفعت القضية المبرمة اليها وهي تنظر في ما اذا خالفنا القانون اللبناني.

          وافرضوا اني جلست قاضيا اول. هذا لا يعني ان رأيي يسود اذ يمكن للعضوين الآخرين الا يوافقاني. جلوسي ليس ضمانة لانتصار رأيي. ومن الطبيعي ان انتدب ثلاثة كهنة متزوجين -كما هي الحال- وهم يعرفون الحياة العائلية.

          اجل يحاول القضاة دائما مصالحة الزوجين، ولكن اذا تعذر عليهما الأمر فهم مضطرون ان يقاضوا اي ان يطبقوا القانون الصادر عن المجمع المقدس. الى هذا هم يتدارسون فيما بينهم الوضع النفساني للعائلة ووضع الأطفال وما ينفعهم وما يضرهم. ويعملون هذا كآباء روحيين.

          قد يعجبك هذا القاضي وقد لا يعجبك. هذه حالة القضاء في كل العالم. واذا انت لمست تحيز احد القضاة فيمكنك ان تطلب تنحيته ويقبل المطران طلبك او يرفضه. وهذا حقه الشرعي. والقاضي يفحص ويدقق ويستجوب ويستمع الى شهود ويستجوب الطرفين اذا رأى ذلك ضروريا ثم يكتسب خبرة ولاسيما اذا جلس سنوات على القوس. ضمانات اكثر من التي ذكرنا لا تتوفر في بشر.

          واذا انت تقدمت بدعوى يعني ذلك انك قبلت بهذا القضاء. هذا ما يوجد في الدنيا. وتتعرض الى خطأ المحكمة فتستأنف وتميز اذا شئت وما من طريقة اخرى. غير انك تقبل ضمنا ان القاضي يعرف القانون وتحسب انه طاهر وانه لا يرتشي. والمرتشي اذا ثبتت عليه الخطئية يحاكمه الرئيس الروحي. والمطران هو هذا الموجود.

          انت اذًا تدخل الى المحاكمة على رجاء ان تنصفك اذ لا تحل مشاكلك الزوجية خارج المحكمة. واذا اردت الخير كل الخير تصالح زوجتك ولا تظهر امام المحكمة. راجع كاهنك اولا او كاهنا آخر بغية السلام. وتحمل حياتك الزوجية بالغفران ما لم يكن سبب الخلاف فظيعا جدا ولم تطق المصالحة. واذا حصل فسخ الزواج فاولادك يتأذون ولاسيما اذا كانوا صغارا. حياة عائلية متشنجة يمكن ان تصل الى السلام. فلا تقم دعوى وانت في حالة الغضب. اما اذا لم تستطع اطفاء غضبك ورفعت قضية فاحتمل النتيجة مهما كانت، واذا لم تحتمل فاستأنف ثم ميز.

          ثقوا بأن كل دعوى تصدمني وانا اصلي من اجل سلام المتخاصمين. غير ان الدنيا فيها شياطين الخلاف، ونحاول نحن بما وهبنا الله من طاقة ان نطرد الشياطين.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغفران في انجيل اليوم/ الأحد 4 أيلول 2005 / العدد 36

عندنا كلمة بشعة في هذا البلد وهي كلمة كرامة، وهي ان تأسر انسانا آخر بحدود من كلام يتبين لك منه انه يراعيك (طبعا بالقدر الذي انت تفرضه). لذلك تقول: فلان مسّ كرامتي وانا لا أقبل. قد تكون مظلوما اذا لم يعتبرك بما تراه الكفاية. وتضيف الى هذا كرامة العيلة احيانا اي انك تسعى دائما الى توازن والى الاعتراف بفضلك وسعيك ونشاطك لأنك تريد ان توجد في عيني هذا الذي اساء اليك او ظننت انه اساء، وفي الحقيقة تريد ان تظهر.

           في المثل الإنجيلي، وموضوعه الغفران، مَلِكٌ اراد ان يحاسب عبيده. هذا حق له بل واجب عليه لأن المملكة ليست سائبة. وفي المحاسبة تذكير الموظف بواجبه. هنا العبد مديون والمبلغ باهظ “فرقّ سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين”. لم يعطه مهلة قصيرة او طويلة للدفع. أعفاه كليا من الدفع. اوصى مرة يسوع بالعفو الكامل. ولكن حالة المديون قد تكون عسيرة وقد يكون الدائن موسرا قادرا على انتظار الإيفاء.

          هذا العبد الذي عرف حنان الملك الدائن لم يبق على هذا الحنان تجاه عبد آخر مديون له. فدفع الملك عبده الاول الى التعذيب حتى يوفي جميع ما له عليه لأنه لم يتعلم شيئا من الرأفة لما أعفي من الدين. هنا يختتم السيد المبارك المثل الإنجيلي بقوله: “فهكذا ابي السماوي يصنع بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته”.

          فاذا اساء اليك انسان يبقى اخا لك ولكنه جاهل او حاقد. انت لا تنظر الى كرامتك المجروحة اذ اصلا لم يكن عليك ان تنجرح لكن ان تشفق على الذي اساء لأنه لم يصل الى تلك الروحانية التي تؤهله للمحبة. جَرَحَك او شتَمك او قَساك بسبب من ضعفه ومنه التشفي وإحساسه بأنه يقهرك بالشتيمة.

          اذا سبَّكَ احد او آذاك وقصد تجريحك او حصرك في قفص او حاصرك، تصبر اولا وتصلي من اجله لأنه لم يتقبل نعمة الغفران وغيب وجه الله عن رؤيته ولم يشاهد الا الذي آذاه، وغالبا ما يضخم خطيئة الآخر ويعتبر نفسه شيئا كبيرا يجب تكريمه في كل حين وربما مدحه وتعظيمه.

          فجأة يجرحه احد الناس وما كان ينتظر ذلك ولاسيما اذا جاء الجرح من انسان قريب. يهزه ان نسيبا او صديقا او المعتبر صديقا وصل الى استبعاده واعتباره غريبا. وكثيرا ما كان الأذى متعمدا والقصد الإذلال والتحقير.

          يلح يسوع على ان نغض الطرف عن الذل الذي يلحق بنا، ويصرّ على ان نغفر. الرب لا يمنعنا من العتاب الذي قد يكون طريقة للإصلاح، واذا كانت بين الاثنين صداقة فكثيرا ما ينفع العتاب الهادئ لأننا نحن نتوخى تقويم الذي آذانا حتى لا يغرق في بغض او حقد. نحن لا ننظر الى صدمة اصابتنا بل ننظر الى الفساد الذي دخل فيه الآخر ونريد ان نشفيه منه. لا تهمنا كرامتنا. يهمنا هو فنحن بتقوانا نطلب شفاء المسيح لنا وبالحنان نشفي النفس التي سقطت بالشرور. الكنيسة مجموعة ناس خاطئين يغفرون بعضهم لبعض، واذا فعلوا يراهم الله طاهرين.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الإيمان/ الأحد 28 آب 2005 / العدد 35

والد مفجوع يدنو من يسوع متلهفا. ابنه عنده عدة عوارض تجعلنا نقول انه مصاب بداء الصرع épilepsie الموصوف بنوبات تشنجية مرتبطة بإثارة خلايا دماغية، ويقع المريض على الأرض ويفقد الوعي. السبب قد يكون جرحا في الدماغ او خللاً في النظام العصبي او يكون السبب غير معروف. وكان الأقدمون يعتقدون ان هذا النوع من المرض مرتبط بالأرواح.

          لم يستطع التلاميذ شفاء هذا الشاب فغضب يسوع عليهم وعمم توبيخه: ايها الجيل غير المؤمن. كاد ينفذ صبر المعلم من تلاميذه. اما هو فشفى الغلام فورا. ولما سأله تلاميذه لماذا لم نستطع نحن ان نشفي هذا الشاب، قال لعدم إيمانكم. هكذا بكل صراحة، بلا مواربة وبصورة قطعية. غير اننا نعلم من اعمال الرسل ان التلاميذ صنعوا العجائب. لقد استمدوا ايمانهم من القيامة.

          اذ ذاك قال هذه القولة الشهيرة: “لو كان لكم ايمان مثل حبة الخردل (وهي صغيرة جدا) لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل”. هذه صورة تعني ان العقبات مهما عظمت تسقط امام المؤمن وان كل أثر للشرير يخرج منه ومن الذين يمدهم بإيمانه.

          ماذا يعني الإيمان بالله وبمسيحه؟ يتضمن فكرة التصديق بكل ما قاله الله عن نفسه وعن اعماله وبكل ما كشفه لنا بالإنجيل (موته وقيامته). ورأس كل هذه الأمور يعني الحياة الأبدية اي معرفته هو ومعرفة قوة المسيح للشفاء والغفران.

          سألني مؤخرا احد الأصدقاء: ما دليلك على صحة هذا الأمر الذي تؤكد انه من الإيمان. قلت له لا دليل عندي الا ان الكنيسة تعلمه وانه مكتوب في الإنجيل. اشخاص عديدون يذهبون الى الكنيسة منذ عشرات من السنين يسألون عن الحياة الأبدية وقالوا: “مين راح واجا يخبرنا”. كنت اجيب واحد راح الى الموت وعاد منه وأخبرنا وهو يسوع المسيح وشهادته كافية لأنه هو الحق. واذا آمنتَ به تصدق كل ما قال.

          نحن نعرف ان المؤمن الحقيقي يذوق المسيح ويمتلئ به ويعرف ان المسيح أنقذه من خطايا كثيرة، وربما عرف انه انقذه من مرض او من موت. هو يعرف بالقلب، والقلب يستنير بالإنجيل والعبادات والمحبة المتدفقة من الأتقياء علينا. العقل المجرد يعرف اشياء العلم، ولكن الإحساس هو الذي يعرف الفن وصاحبه يلتقط بشعوره انه محبوب وانه انتقل من حال سقوط الى حال نهضة. المؤمن يرى من داخل كيانه، وهذا ليس اقل قوة من الذي يدرك فقط بعقله الخاضع ايضا الى الخطأ. نحن ليس ضد المعقول نتكلم، ولكنا نتكلم مما لا يحصره العقل.

          غير ان الحقائق الإيمانية ليست كل الإيمان. الإيمان اساسا الثقة بالله. وفي اللغة العربية الإيمان ان تعرف ان الله مأمنك اي انه لا يصيبك شر حقيقي، نهائي ان كنت مع الله. وكما يهدأ المصاب بداء الصرع من بعد تشنج بالدواء، انت، ان كنت مع الرب، انسان يعيش في سلام ويعيش بهذه القوة الداخلية والاطمئنان اللذين لا يعرفهما الجاحد. انت بالإيمان تخلص من القلق الشديد او القلق الدائم لعلمك انك مبني على الصخر وتحس بهذه المتانة. الثقة بالله هي ان ترمي نفسك عليه، ان تجعل نفسك في حضنه فتعرف انك محفوظ. واذا ألمت بك خسارة صحة او مال، تبقى متيقنا ان “كل الأشياء تعمل معا خيرا للذين يحبون الله”.

          يكون في هذه الحالة لك عناية من عند الله بطريقة اخرى. يمنّ عليك بالرجاء والاتكال عليه فيُنزل عليك رضاه وبركات وهداية هي اعظم بكثير من كل الذي خسرته في دنياك. ثم يقويك اخوتك المؤمنون وتؤلفون معا كنيسة المسيح. ويعطيك ايمانك حنانا عجيبا ولطفا كبيرا، وكلما قوي فيك تتزين بفضائل ما كنت تحلم بها.

          غير ان الرب يطلب منك ان تحفظ الإيمان بالصلاة التي تجعل الله حاضرا في قلبك ويقوى ايمانك بإنجيل يعزيك ويكشف لك غناه كلما قرأته، فلا تبقى مصروعا تهزك كل ريح، وتتكئ على صدر يسوع فتحيا بنبضات قلبه الى ان تلقاه متجليا في الملكوت.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع الأساس/ الأحد 21 آب 2005 / العدد 34

 إنجيل اليوم يكلمنا على تهدئة العاصفة في بحيرة الجليل. السرد عندكم. أهم ما فيه أن بطرس اندفع نحو السيد الماشي على المياه. كانت الحماسة  من طبع بطرس فاستطاع أن يخطو بعض خطوات إلى المعلّم. ثم يقول الكتاب: “فلمّا رأى شدة الريح خاف” ثم أخذ يغرق واستنجد بيسوع الذي مدّ يده إليه وأنقذه.

          لاحظوا أن أحدًا لا يرى الريح ولكنه يسمعها. غير أن الإنجيلي استعمل فعل رأى ليقيم مقابلة بين رؤيتين: رؤية السيد ورؤية الريح. أنت تمشي فوق بحر الحياة إذا سمَّرت نظرك على نظر المخلص. أما إذا حاد نظرك واهتممت بشيء آخر لا يبقى يسوع أمامك، لا يبقى لك منقذ فتغرق في هموم الحياة.

          أما في الرسالة فيتحدث بولس عن السيد ويقول عن المؤمنين به أنهم حرث (مثل الزارع في الإنجيل) ويقول بخاصة إنهم البناء ويبقى السيد هو الأساس. في أكثر من موضع يقول بولس إننا هيكل الله أو بيته وانه هو الذي يبنينا. في مواضع عديدة يتحدث الكتاب عن أن الله أو مسيحه صخرة. تذكرون مثل الذي يبني بيته على الرمل والآخر الذي بناه على الصخر. كذلك في اعتراف بطرس: وعلى هذه الصخرة (أي إيمانك بأني ابن الله) أبني كنيستي.

          ماذا تبني؟ فضة، خشبا، تبنا الخ… إلى أي حد أنت جدي في التعامل مع المسيح؟ يقول بولس: “فإن عمل كل واحد سيكون بيّنًا لأن يوم الرب أي يوم الدينونة سيُظهره لأنه يعلن بالنار والنار هنا تعني التمحيص. سيبقى عمل الإنسان إن كان جديًا “فمن بقي عمله الذي بناه على الأساس (أي المسيح) فسينال أجرة ومن احترق عمله (بدينونة المسيح) لهذا العمل فسيخسر وسيخلص هو ولكن كمن يمر في النار” (أي انه صعب أن يخلص) فإن الإنسان وعمله واحد.

          بعد هذا يقول الرسول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله؟”. بدءًا المسيح في الجسد هو هيكل الله بناء على قوله في الإنجيل: “انقضوا هذا الهيكل -أي هيكل جسدي بالصلب- وأنا بعد ثلاثة أيام أقيمه”. وامتداد للهيكل الإلهي الذي هو المسيح صرنا نحن هيكل الله “لأن روح الله ساكن فيكم”. الروح القدس هو الذي يجعلنا هيكل المسيح.

          بعد هذا ينتقل الرسول إلى تعليم أخلاقي ويقول: “من يفسد هيكل الله يفسده الله لأن هيكل الله مقدَّس وهو انتم”. والمعنى أنكم في الخطايا والشهوات تدمرون هيكل الله وتصبحون لا شيء. لأن هيكل الله مقدس بالميرون أي أن هذه المسحة تجعلكم مخصصين للمسيح. هذا معنى قول الخدمة “ختم موهبة الروح القدس”. الختم هو ختم غلاف (بالشمع الأحمر). فمن استلم رسالة مختومة يحق له وحده أن يفضها. انتم فقط للمسيح. والصورة الأخرى للختم إن كل خروف يُختم بلون معين يدل على انه ملك فلان.

          خراف الحظيرة التي تكلم عليها إنجيل يوحنا أو جسد المسيح أو الهيكل كلها صور مختلفة في العهد الجديد تدل على إننا أخصاء المسيح. هذا يجعلنا تابعين له وحده وليس لنا مخلص آخر حسب قوله المبارك: “لا يأتي احد إلى الآب إلا بي”. لذلك نسلك بما يوافق تبعيتنا له.

          هذا يفرض علينا سلوكا طاهرا “فمن ارتكب الخطيئة فهو عبد للخطيئة ومن عمل البر عبد للبر” أي لا يملكه إلا البر. ومن تصرف بخلاف ذلك لا يكون مؤسسا على الصخرة.

          من هنا أن لا مجال للقول: أَعمل بعض ما يرضي المسيح واعمل بعض ما يرضيني بحيث أكون مترددًا بين ما هو للسيد وما هو للعالم. لذلك قال: “من أراد أن يكون لي تلميذًا أو من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”.

          إن الحياة في المسيح فيها مشقات كثيرة. “ادخلوا من الباب الضيق”. هناك اضطهادات محتملة من قبل الذين لا يحبون السيد وقد يكون هؤلاء من الكنيسة. بلا دموع وجراح لا نستطيع أن نرى وجه الله. الطهارة شرطها الصبر.

          وأنت وسط الآلام تعيش في الفرح لأنك تعرف نفسك مؤسسًا على الصخر.

          هذا عمل يومي يدوم الحياة كلها فلا تقدر أن تكون يومًا مع سيدك ويومًا آخر مع شياطينك. لا تستطيع أن تتحايل على المسيح إذ المهم قلبك، وهو يعرف قلبك.

          وإذا تم البناء تروح وتجيء إلى أعمالك كلها وتتعاطى بيتك وتجارتك أو أي عمل آخر ولكنك حر منها جميعًا. تتصرف في الأشياء ولا تكون أسيرًا لشيء بعد أن أَسلمت نفسك ليسوع وعرفت انه إلى جانبك في كل حركة لك. يكون هو ملهما تصرفاتك وداعما لكيانك وتبقى به وحده حرا من طغيان الخطيئة عليك. تكون هنا قائما من بين الأموات.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

تأمل في رسالة اليوم/ الأحد 14 آب 2005 / العدد 33

كتب بولس رسالتين الى أهل كورنثوس نحن مع الأولى اليوم. وكورنثوس مرفأ في اليونان على قنال. وكان الرسول قد بشرّها بعد ان أخفق في أثينا (أعمال 18). ظل بولس على علاقة مع هذه الجماعة. في هذه الأثناء استقبلت الكنيسة مبشرًا مسيحيًا قادرًا يدعى أبلوس كان فصيحًا متبحرًا في كتب العهد القديم فساعد أهل كورنثوس على مجادلة اليهود وكان يفوق بولس فصاحة فتحزّب له قوم. ولا يعني هذا أنه كان يشجع المحازبين.

          كذلك تحمّس بعض لبولس وتشيّعوا له. كذلك تحزب بعض لصفا، وهو بطرس، ولعل بطرس مر بالمدينة في طريقه الى رومية. هل كانت تكمن نزعات لاهوتية في هذا التحزب؟ لا شيء يدل اولا على ان بطرس ترك أثرًا لاهوتيًا خاصًا ولا أبلوس. نزعات عاطفية سادت.

          لا نعرف بالضبط معنى الذين قالوا إنهم للمسيح. هل المعنى أنهم تجاوزوا الخلافات، وتاليا جعلوا أنفسهم ازاء الآخرين، وبهذا المعنى كانوا حزبًا؟

          ما أزعج بولس الانقسامات سواء أكانت نزعات لاهوتية تغذّيها ام كانت تعبّر عن تفضيل شخصي لهذا او ذاك من المسؤولين. هذه لم تكن انشقاقات بسبب اختلاف حول العقيدة.

          في الواقع الأنطاكي لا نشهد انقسامًا بين المؤمنين ظاهرًا على مستوى العقيدة، ولئن وجدتَ هذا او ذاك يشك بمعتقدات اساسية اقتبسها من كنائس اخرى او اديان اخرى. انا سمعت كثيرا من يشك بقيامة الأموات او من كان غير مقتنع بالصيام.

          غير أنك تجد في بعض الأوساط المتقدمة في المعرفة تباينات تصل احيانا ببعضهم الى رفض الآخرين او الى التشدد وربما الى التكفير. ونحن نعلم ان السلطة الروحية وحدها تستطيع ان تحكم على الناس بالهرطقة وانك، فردًا متعلمًا ، يمكنك ان تبيّن خطأ ولا تكفّر صاحبه.

          عندنا في الكنيسة مساحة من حرية الاختلاف لا تمس جوهر العقيدة. والكنيسة لم تجزم في كل شيء.

          ليس صحيحًا  مثلاً أن عندنا اعتقادًا واضحًا بما يحصل للنفس بعد الموت. هل هناك مراحل لارتقائها ام ليس من مراحل؟ هناك من يميل الى المعلمين الذين يحوّلون آراءهم عقائد ثابتة ويجزمون بقوة ان هذا الرأي أرثوذكسي وذاك غير أرثوذكسي.

          من هنا ينشأ أننا نتّبع هذا المعلم دون سواه فتتألف كتل متصادمة سرًا او علنًا. مرة سألت لاهوتيًا عظيمًا في كنيستنا هو الارشمندريت ليف جيلله: “ما هو إيمانك؟”. اجابني انا اؤمن بما يؤمن به مطراني. هذه هي القاعدة وان كانت لا تنفي إمكان النقاش.

          لك أنت أن تستحلي فكر فلان وأن تحب شخصه لأنه يقوّيك بالمسيح. ولا مانع أن تفاضل بينه وبين سواه. ففي سماء الكنيسة نجوم يختلف ضياؤها. ولكن عليك أن تُقبل الى الجميع بمحبة لا أن تصنّف الناس، ولا يحق لك أن تبعد عن قلبك فلانًا وفلانًا لمجرد انضمامه الى جمعية او حركة روحية لمجرد أنك قررت بعصبية وبلا امتحان أن هذه الجمعية أو الحركة موصومة بالفئوية. 

          انه من روح الانقسام ان تستبعد عنك ناسًا لمجرد انهم يحبون فلانًا ويتأثرون بروحه اذ تخسر احيانًا وجوهًا مشرقة قررتَ الا ترى إشراقها فيبطل تعاون في الكنيسة خصب لمجرد حقد في نفسك. غير ان الله انقذ هذه الأبرشية من الأحقاد الاكليريكية على ما ارى فلا نشهد بين كهنتنا اثرًا للتباعد العاطفي. ورجائي ان يحب الكاهن كل ابناء رعيته وان يعاملهم معاملة واحدة. ورجائي ايضا ان تحب الرعية راعيها فلا تستسلم الى انتقاد مرّ والى استعراض عيوبه وان تحبه اكثر فأكثر لأنها كلما ازدادت حبًا له يتحسن هو ويصبح اكثر رقةً واكثر اندفاعًا واعظم إخلاصًا لها.

          الويل للذين يزرعون الشقاق لأنهم بهذا يمزقون ثوب المسيح غير المخيط وهو القائل: “كونوا واحدا كما انا والآب واحد”.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

تجلي الرب / الأحد 7 آب 2005 / العدد 32

ان عشت حتى استلامكم هذا العدد من “رعيتي” سأكرس كنيسة التجلي المسماة شعبيا كنيسة المخلص في بحمدون المحطة وهي من اجمل كنائس الجبل، ورجائي ان تكون موضعا يتجلى فيه ارثوذكسيو هذه البلدة. غير ان بهاء هذا المعبد يأتيها من تجلي يسوع الذي اقمنا عيده أمس وهو وعد لتجليكم جميعا اي لالتحافكم بالنور الإلهي الأزلي، فاذا بكم تصيرون قامات من نور تطرحون عنكم ترابيتكم وأتعابكم وهمومكم ويبقى همكم الوحيد ان تفتشوا عن يسوع في كلمته وفي وجوه الذين يحبونكم والذين يبغضونكم.

          متى نصير ابرشية من نور لا يكره فيها احدٌ احدا ولا نتفرق قبائل، ونتعاون في خدمة الفقير حتى لا اموت وفي نفسي غصة انْ الحقود بقي حاقدا وفيّ قناعة ان كل مؤمن صار اعمق ايمانا مما كان عليه في الماضي وأقوى في الرجاء وأمتن في المحبة متقبلا اخاه “بلا محاكمة أفكار”، حاضنا عياله وأصدقاءه. واذا لم نفعل هذا يكون المسيح قد تجلى باطلا او لا نكون قد استلمنا تجليه.

          اذكروا ما جاء في انجيل السَََحَر للعيد  حسب لوقا ان الرب صعد الى الجبل ليصلي وفيما كان يصلي اي فيما كان واحدا مع الآب “تغير منظر وجهه وصار لباسه ابيض لامعا”. معنى ذلك انه تجلى من داخله لا من نور جاء اليه من الخارج. لا احد يستطيع ان يصعد عاليا الى الله الا اذا كان الروح القدس فيه. واذكروا ايضا ان النبيين موسى وايليا اللذين دعاهما اليه تراءيا في مجد لأنهما اشتركا في المجد الذي كان هو عليه. وما ينفرد به لوقا هو ان النبيين تكلما معه عن آلامه. معنى ذلك ان كل مجده كان بالصليب، بقبوله الموت الطوعي. هذا الموت كان ذروة طوافه على الأرض، وهنا اكتمل مجده في جسده. “مجِّدني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندكَ قبل انشاء العالم”. من حيث انه إله كان يقيم في المجد الأزلي. الآن التحف كيانه الجسدي ايضا بهذا النور الذي كان مقيما فيه قبل كون العالم.

          ثم لاحظوا ان سحابة ظهرت فظللت التلاميذ الذين كانوا معه. والسحابة في العهد القديم كانت ترمز الى الحضرة الإلهية التي كانت ترافق بني اسرائيل في صحراء سيناء. والمعنى ان التلاميذ دخلوا هم ايضا الى المجد. الا نشتهي ان نكون مثل التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم الى الجبل وكانوا ملاصقين المعلم في التجلي العظيم. ونحن الارثوذكس نؤمن ان هذا النور غير مخلوق. ليس هو نور الشمس. انه ذلك النور الذي يفيض من الله نفسه، ويسميه آباؤنا “القوى غير المخلوقة”. هذا ما نناله في النعمة. الرب لا يصنع لك هبة اليوم صنعا ولكن يعطيك مما فيه منذ الأزل وكأنك انت مخطوف الى الأزل، كأنك لم تولد من امرأة لأنك من اولئك الذين يقول عنهم يوحنا انهم من الله وُلدوا.

          ثم صار صوت من السحابة قائلا: “هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا”. يسوع بكليته اي في لاهوته وناسوته كان ابن الله. وانت اذا شاركته تجليه تصير ابن الله بالتبني. المسيح ابنه في الجوهر، وانت تصير ابنه بالعطف الإلهي. وهكذا يصح ان تسمى اخا ليسوع. ما بقيت انت عبدا، فلما حررك السيد بموته وقيامته واشتركت في جسده ودمه في الكأس المقدسة، بتّ اخا له واصبحت حبيب الله بالكَرََََم الإلهي.

          ولكن هذا له شرط واحد ان تتحمل كل صعوبة في الدنيا، ان تأخذ صليبك وتتبعه، ان تلقي نفسك على صدره بالعشق الإلهي. عندئذ تحترق خطيئتك بنار الغفران الذي ينزله الله عليك وتمتلئ من نعيمه ويزول عنك الغضب وتدخل في الرحمة، وما سوف تحصل عليه في الملكوت تنال عربونه هنا بحيث اذا صعدت الى السماء من بعد موت تكون قد ذقت جمالها فيك الآن.

          هذا هو تجليك الدائم. وما كان العيد الا ليكون كل يوم لك عيدا، فاذا ابتهجت بالمسيح وابتهج المؤمنون الآخرون بالمسيح، نصير كنيسة الفرح المتلألئة دائما.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 31 تموز 2005 /العدد 31

الفصل المقروء اليوم يتضمن تعليما يتعلق بالنشاط الكنسي ثم بتوجيه أخلاقي.

          كان في الكنيسة من سمي أنبياء وهم ناس يلهمهم الرب أن يبلغوا الجماعة مشيئته. كانوا من العوام. غير أن الرسول خشية وقوع هؤلاء في خطر الكلام نبههم أن القاعدة في كل الكلام أن يكون موافقا للإيمان. هذا هو محك إن هذا الكلام يجيء من الله.

          النبوءة موهبة وغيرها موهبة. ومن المواهب الخدمة أي خدمة الأسرار. أما الذي يسميه بولس المعلم فقد يكون علمانيا. ووظيفة هذا الآتية من الروح الإلهي أن يعطي فحوى العقيدة. لو سئل مسيحي آنذاك بماذا آنت تؤمن لأجاب انه يؤمن بالله وبموت ابن الله وقيامته والمعمودية وجسد الرب ودمه والقيامة من بين الأموات. كل هذا تجده في رسائل بولس.

          الواعظ له عمل آخر. هو يقف في القداس بعد قراءة الأنبياء ورسالة من بولس (الإنجيل لم يكن مدونا بعد) ويحض المؤمنين على التوبة. لا يعلم وكأنه في صف التعليم (هذه وظيفة المعلم) ولكنه يستخدم التعليم نقطة انطلاق ليدعو إلى التنقية استعدادا للمناولة.

          أما المدبر فتعني المسؤول عن الفقراء وهذا يحضه الرسول على الاجتهاد أي ألا يهمل احدًا منهم وان ينكب على عمل فيه سعي إلى معرفة المحتاجين وحاجاتهم او أعطاهم من مال الجماعة.

          أما من سماه الراحم فهو من أحسن من ماله الخاص وربما كان ناشطا في حقول أخرى مثل عيادة المرضى.

          وبعد أن استعرض بولس كل هذه المواهب تكلم توا على المحبة وكأنه يقول أن المواهب أنزلها الله على المؤمنين من اجل بنيان الكنيسة بالمحبة. يريد المحبة بلا رياء أي ليس بالكلام المعسول وإظهار عاطفة كاذبة ولكنها محبة أخوية صادقة وكان الرسول قد استفاض في الحديث عنها في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (إصحاح 13).

          أما قوله: “مبادرين بعضكم بعضا بالإكرام” فليحثنا على ألا ننتظر الإكرام من آخر بل أن نسبقه به. وهذا لا يعني المديح الذي لم يحبه المسيحيون ابدا ولكنه اقرب إلى لطف المعاملة والحديث القائم على الطراوة وليس فيه جدال حاد او ذم.

          ثم يتكلم ضد الكسل ذلك لكوننا مسؤولين في العمل المهني عن أنفسنا والعائلة والناس. والى هذا ضرورة الاجتهاد في درس الكلمة والعناية بالجميع.

          كل هذا لا يتحقق الا اذا كنا “حارين بالروح” أي متقبلين الروح القدس. هذه هي المعمودية بالروح والنار التي تكلم عنها يسوع. يجب أن يراك البشر شعلة ماشية غير منطفئة وهذا ما يجعلك في العمق عابدا الرب ولا تعبد سواه فإذا عبدت المال او أية شهوة أخرى تكون قد انتقصت من كون الله إلهك الأوحد. هذه العبادة تعطيك الفرح في الرجاء أي تراكم فرح على فرح بانتظار فرح الملكوت.

          هذا لا يمنع الضيق. لذلك يقول: “صابرين في الضيق” لأنه امتحان الله وانتظار المشيئة الإلهية في كل وقت. ولا يسعكم أن تكونوا صابرين الا اذا كنتم “مواظبين على الصلاة”. وهذه ابتدأت أن تنتظم في أوقات محددة في الصباح والغروب. تواظبون عليها لتعيشوا بها.

          غير أن حياتكم في المسيح لن تستقيم لكم الا اذا لبيتم احتياجات القديسين وهم بالدرجة الأولى فقراء أورشليم الذين حدد الرسل لبولس أن هؤلاء يجب أن يكونوا هما من همومه لما أطلقوه إلى تبشير الأمم. كذلك في كل كنيسة محلية ومنها رومية ضيافة الغرباء ولاسيما أن رومية، عاصمة للإمبراطورية، كان يلجأ إليها المسيحيون من الشرق وليس لهم فيها ملجأ.

          أخيرا يحث بولس المؤمنين أن يباركوا الذين يضطهدونهم. والاضطهاد كان له بدايات في عصره وهو من الذين اضطهده اليهود في فلسطين وأماكن أخرى بشر فيها. ثم بعد هذا ببضع سنوات انفجر الاضطهاد الكبير على عهد نيرون.

          وينهي كلامه بقوله: باركوا ولا تلعنوا فالذي يضطهدك يحتاج إلى صلاتك ليحيا بها.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الإيمان والاعتراف/ الأحد 24 تموز 2005/ العدد 30

في رسالة اليوم إلى أهل رومية: «إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع وآمنتَ بقلبك أن الله قد أقامه من بين الأموات فإنك تخلص». هنا يلخص بولس الإيمان بأنه الإيمان بقيامة السيد. قال هذا لأن القيامة هي الذروة إذ تعني الثقة بيسوع الكاملة وبما أوحاه لنا في إنجيله وبما سلّمت الكنيسة إلينا في العقيدة والعبادات. فإلى جانب تحرّك القلب هناك كل حقائق الوحي: الثالوث، التجسد، الروح القدس، الكنيسة والأسرار و«قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي».

هذه تكشفها لك الكنيسة في التعليم وتعظك بها فتدخل إلى قلبك وعقلك معًا وهما في الأرثوذكسية غير منفصلين. لم يفكّر الرسول والآباء من بعده أن العقل وحده يستنير. القلب دائمًا يلتهب بمحبة المسيح. اختزل بولس كل مضمون الإيمان بقوله «إن الله قد أقام يسوع من بين الأموات». والكنيسة أنشدّت إلى هذا. لذلك تحتفل بالقيامة كل أحد كما تحتفل بها في الفصح وما يلي الفصح حتى العنصرة.

الإيمان ينتج عنه الاعتراف باللسان. على الأقل لا يمكنك في حضور الغرباء عن الإيمان أن تقول عكسه. هذا هو الكفر بالذات. والقلب المؤمن ينكشف باللسان إذ عليك أن تنشر رسالة المسيح وأن تبشّر. كل مسيحي مبشّر لأنه فرح بسيّده ويطفح لسانه بالتكلّم على سيده ويشتهي أن يحب كل إنسان الرب يسوع حتى يخلص وتنمو الكنيسة.

تلك هي الشهادة: «ستكونون لي شهودًا في أورشليم واليهودية والسامرة حتى أقاصي الأرض». بماذا تشهد؟ أنت لست تشهد بمجرّد تلاوة الإنجيل على الناس وتفسيره. ينبغي أن يستقر الإنجيل في داخل نفسك وإلا لا يخرج على اللسان. ولهذا قيل: «الذي كان في البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فإن الحياة أُظهرَت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا» (1يوحنا 1: 1و2).

واضح هنا أن يوحنا الرسول في مطلع رسالته الأولى الجامعة قد ذاق المسيح وان كلمته دخلت كل كيانه وتحسسها ففاض لسانه بهذه الخبرة الداخلية فكتب. ولهذا قال الكتاب: «به (أي بالمسيح) نحيا ونتحرك ونوجَد». المسيحية حقيقية في الكيان الداخلي ثم تصير كلامًا وعملا.

وقمة الشهادة شهادة الدم التي قدّسها المؤمنون بيسوع ليس فقط زمن الاضطهادات الرومانية ولكن في كل زمان ومكان. هي أن تصرّ على أن المسيح مخلّصنا وانه هو «الطريق والحق والحياة». وأن تقول هذا وتظهره ولو نتج عن هذا أن يقتلك ظالمون (دول أو جماهير عمياء). في مفهومنا أن قلبك ولسانك منسجمان أبدًا حتى لا تنفصل عن المعلّم على أي صعيد في كيانك. نحن ملتصقون بيسوع في حياتنا ومماتنا لأننا «إن حيينا أو متنا فللرب نحن».

عكس موقفنا الموقف الذي يُعبَّر بلفظة  «التقيّة» بحيث تؤمن بقلبك وتكفر بلسانك خوفًا من الموت. هذا مباح في هذا الدين أو ذاك ولكنه عندنا صميم الكفر. نحن عاشقون ليسوع ليس فقط إن كنا في الهناء والسلم إذ نبقى عاشقين ولو كان علينا أن ندفع الدم تعبيرا عن ذلك.

بسبب من واجب الاعتراف، عندنا إلى الشهداء فئة القديسين المعتَرفين الذين عُذّبوا بسبب من إيمانهم ولم يصلوا إلى الموت. ولكنهم شاهدوا يسوع في آلامهم واشتركوا في قيامته.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

سوء الظن/ الأحد 10 تموز 2005 / العدد 28

«سراج الجسد العين». بدء إنجيل اليوم (متى 6: 22-32) مركَّز على الفيزياء القديمة أنّ العين فيها نور والنور يخرج منها لترى. أستعير هذا المفهوم الفيزيائي القديم لأفهم قول السيد: «سراج الجسد العين. فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرا»، أي إذا كنت ترى بالنور الإلهي الذي فيك يستنير كيانك كله وترى ان الآخر كائن إلهي ولو حلّلت تصرفاته أو أدركتها بالمعاشرة ووجدتها سيئة. أنت ان كنت تسلك إلهيا تُسقط على الآخر النور، تعمّده بالنور وتتجاوز ما يزعجك فيه.

طبعا لا تستطيع ان تغمض عينيك إذا تأكدت ان في الآخر سوءا أو كذبا أو استغلالاً لك أو إرادة استغلال أو رغبة فيه لإذلالك وتطويقك أو القضاء على مصلحة لك. افهم انه ينبغي ان ترى الواقع ولا تكون غبيا أو أبله. ان تعرف الآخر كما هو شرط للتعامل بينكما لا تكون فيه ظالما أو مظلوما.

غير ان التلاقي الأول بينك وبين شخص آخر يكون قائما على حسن الظن لئلا تكون ظالما. وإذا كشف التعاون ان في الآخر سوءا أو سوء نية فتتصرف على ما تبين لك. ولكنك مبدئيا تبدأ بحسن الظن.

أجل هناك طبائع بريئة يغشّها الآخرون بسرعة وتخسر. صاحب الطبع البريء يجب ان يتعلم الحكمة وفق قول السيد: «كونوا حكماء كالحيات». ولكن هذا لا يعني الحذر الدائم. ذلك ان الحذر الدائم يجعلك غير قادر على التلاقي أو التعامل، وهنا تخسر أيضا. القاعدة إذًا هي هذه ان توحد بين حسن الظن والذكاء.

أما استمرار سوء الظن فيعرّضك إلى ان ترى كل الناس سيئين أو أعداء، ويعوزك، إذ ذاك، كثير من الجهد لتنتقل إلى الرؤية الصافية المقرونة بالمحبة التي تعطيها مجانا. هناك ناس يصعب عندهم فهم الآخرين ويصعب عليهم التمييز ويقلقهم تعاطي الناس فيهربون منهم ولا سيما إذا توقعوا ان هناك مشاكل أو تعقيدات. ولكن لا بد من المواجهة ليتم التلاقي الصحيح.

الأمور تزداد تعقيدا في العلاقات الزوجية. هنا سوء الظن المستمر يجعلك تغرق في تخيلات رهيبة. وهنا يجب ان تفهم طبع رفيقك في الحياة الزوجية، فإذا كان الفريق الآخر في الحياة الزوجية ذا طبع مرح أو كثير الانفتاح وابتسم لإنسان من جنس آخر، لا تدع سوء الظن يدخل إليك حتى لا تدخل في هذه الحالة المرضية ان تراقب الرفيق أو الرفيقة على كل حركة وكل كلمة يتفوه بها. فالإنسان يمكن ان يكون طاهرا وسلسا مع الآخرين فتظهر أحيانا حرارة بحديثه مع الجنس الآخر. لا يجوز ان يبقى احدنا مغلقا، جافا في التعاطي البشري لئلا ينهدم البيت. لا يجوز ان تكون في حالة المراقبة الدائمة لامرأتك أو العكس. يمكن ان تكون أنت في حالة تعاطف روحي أو فكري مع امرأة ولا تكون امرأتك على الدرجة نفسها من التعاطف. لا تجعل امرأتك في قفص، ولا تجعلي زوجك في قفص. هذا مدمّر للعلاقة الزوجية. ليس مثل الغيرة تقتل الحياة العائلية.

كذلك لا تشك دائما بابنك أو ابنتك وصدقهما إذا قال احدهما انه كان هنا أو هناك حتى يثبت العكس. لا تجعل أولادك أيضا في قفص لئلا يختنقوا ويروا انك مستبد بهم. أنت راعيهم ولست شرطيا عليهم، والرعاية تأتي من المحبة والثقة.

الثقة التي تبديها لمن تتعامل معهم في البيت أو دنيا العمل كالثقة بموظفيك تجعلهم في حالة سلام وهدوء وتقوّي شخصيتهم وتزيد المحبة عندهم، وهم عند ذاك يبادلونك الثقة بالثقة. الحياة هي معية.

الثقة هي القاعدة. والرب لما أحبنا بالمسيح كان يعرف قدرتنا على تخطّي أتعابنا وخطايانا. ان يثق بك الناس لحسن ظنك فيهم يقرِّبهم من الثقة بالله.

Continue reading