عندنا كلمة بشعة في هذا البلد وهي كلمة كرامة، وهي ان تأسر انسانا آخر بحدود من كلام يتبين لك منه انه يراعيك (طبعا بالقدر الذي انت تفرضه). لذلك تقول: فلان مسّ كرامتي وانا لا أقبل. قد تكون مظلوما اذا لم يعتبرك بما تراه الكفاية. وتضيف الى هذا كرامة العيلة احيانا اي انك تسعى دائما الى توازن والى الاعتراف بفضلك وسعيك ونشاطك لأنك تريد ان توجد في عيني هذا الذي اساء اليك او ظننت انه اساء، وفي الحقيقة تريد ان تظهر.
في المثل الإنجيلي، وموضوعه الغفران، مَلِكٌ اراد ان يحاسب عبيده. هذا حق له بل واجب عليه لأن المملكة ليست سائبة. وفي المحاسبة تذكير الموظف بواجبه. هنا العبد مديون والمبلغ باهظ “فرقّ سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين”. لم يعطه مهلة قصيرة او طويلة للدفع. أعفاه كليا من الدفع. اوصى مرة يسوع بالعفو الكامل. ولكن حالة المديون قد تكون عسيرة وقد يكون الدائن موسرا قادرا على انتظار الإيفاء.
هذا العبد الذي عرف حنان الملك الدائن لم يبق على هذا الحنان تجاه عبد آخر مديون له. فدفع الملك عبده الاول الى التعذيب حتى يوفي جميع ما له عليه لأنه لم يتعلم شيئا من الرأفة لما أعفي من الدين. هنا يختتم السيد المبارك المثل الإنجيلي بقوله: “فهكذا ابي السماوي يصنع بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته”.
فاذا اساء اليك انسان يبقى اخا لك ولكنه جاهل او حاقد. انت لا تنظر الى كرامتك المجروحة اذ اصلا لم يكن عليك ان تنجرح لكن ان تشفق على الذي اساء لأنه لم يصل الى تلك الروحانية التي تؤهله للمحبة. جَرَحَك او شتَمك او قَساك بسبب من ضعفه ومنه التشفي وإحساسه بأنه يقهرك بالشتيمة.
اذا سبَّكَ احد او آذاك وقصد تجريحك او حصرك في قفص او حاصرك، تصبر اولا وتصلي من اجله لأنه لم يتقبل نعمة الغفران وغيب وجه الله عن رؤيته ولم يشاهد الا الذي آذاه، وغالبا ما يضخم خطيئة الآخر ويعتبر نفسه شيئا كبيرا يجب تكريمه في كل حين وربما مدحه وتعظيمه.
فجأة يجرحه احد الناس وما كان ينتظر ذلك ولاسيما اذا جاء الجرح من انسان قريب. يهزه ان نسيبا او صديقا او المعتبر صديقا وصل الى استبعاده واعتباره غريبا. وكثيرا ما كان الأذى متعمدا والقصد الإذلال والتحقير.
يلح يسوع على ان نغض الطرف عن الذل الذي يلحق بنا، ويصرّ على ان نغفر. الرب لا يمنعنا من العتاب الذي قد يكون طريقة للإصلاح، واذا كانت بين الاثنين صداقة فكثيرا ما ينفع العتاب الهادئ لأننا نحن نتوخى تقويم الذي آذانا حتى لا يغرق في بغض او حقد. نحن لا ننظر الى صدمة اصابتنا بل ننظر الى الفساد الذي دخل فيه الآخر ونريد ان نشفيه منه. لا تهمنا كرامتنا. يهمنا هو فنحن بتقوانا نطلب شفاء المسيح لنا وبالحنان نشفي النفس التي سقطت بالشرور. الكنيسة مجموعة ناس خاطئين يغفرون بعضهم لبعض، واذا فعلوا يراهم الله طاهرين.
