Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2005, مقالات, نشرة رعيتي

التأبين/ الأحد 3 تموز 2005 / العدد 27

في اللغة أبّنه أثنى عليه بعد موته وذكره بالخير. ويقال عن العظة في المآتم. وهذا نوع من الكلام استعمله الآباء القديسون ولكنهم كانوا يؤبنون العظام منهم المعروفين بقداستهم ولم يتركوا لنا تأبينا في كل انسان.

          وقد انتشر هذا النوع في بلادنا لما أخذوا يدعون المطارنة الى المآتم، وكان هذا نادرا جدا منذ مئة سنة او قبل. وما كانوا ينتظرون من الكهنة ممارسة هذا الصنف من الكلام لاعتبارهم ان المطران كان الأقدر على الخطابة. ثم اخذ بعض الكهنة يتعلمون اللاهوت والبلاغة وصاروا يتكلمون. واحيانا يتكلم الذي يعرف والذي لا يعرف، والخطابة علم من علوم اللغة صعب. غير ان الصعوبة الكبرى ان الميت لا يكون دائما مستأهلا المديح ولا يقال عنه الا انه “آدمي”. كيف تأتي بعظة والميت اقل من عادي بفضائله فتضطر ان تقول انه ربى اولاده حسنا. من يعرف، حقيقة، ذلك؟ ينجر عند ذاك المؤبن ان يقول اشياء عن التربية بصورة عامة وكثيرا ما تأتي تافهة، ويلاحظ المؤمنون ان الواعظ يكرر اقولا له سابقة.

          غير ان الصعوبة الكبرى في الكلام على الناس ان المطارنة قلما عرفوهم ويتّكلون للعلم بهم على كاهن الرعية الذي لا يعرف كل ابناء رعيته بدقة، ويستند هو بدوره على ما سمعه من ناس يعرفون الراحل. بسبب من هذا يقول بعض الخطباء اليوم فلنتكلم على قيامة المخلص وعلى الملكوت والقيامة العامة في حين ان اهل الميت يتوقعون كلاما عنه.

          عندي ان الحقيقة في هذا الشأن متوسطة. الكلام نسيج يجمع بين الأساس الذي هو الكلام الديني المتعلق بموت المسيح وقيامته وما هو ثانوي الكلام على المتوفى، على ان ربط الواعظ بين الأمرين بترجيح كفة الكلام اللاهوتي، اذ المهم ان يتعزى الناس بإحسانات الله الى المتوفى (الرحمة) كما يتعزون هم بالحديث الإلهي اي بذكر المسيح. لا بد من كلمات قليلة او كثيرة عن الذي رقد بالرب حسب الفضائل التي تزين بها. ولكن حتى اذا لم تبرز عنده حسنات واضحة يذكر منها الحد الأدنى (كان مؤمنا، كان يأتي الى الكنيسة، معاملاته حسنة، سهره على عائلته) على ان يأتي كل هذا بصدق ولا مبالغة.

          من الناحية الفنية انك في معظم الأحوال عليك ان ترتجل لأن الدفن سريع في بلادنا الا في بعض الحالات (عندما يؤتى بالجثة من المهجر او يكون انتظار اقرباء له آتين من بعيد)، ولا يستطيع كل كاهن ان يرتجل.

          الأمر الثاني هو اللغة. في هذه المناسبة لا بد ان نستعمل اللغة الفصحى لأن اللغة العامية لا تحتمل البلاغة الحقيقية او الدائمة ما لا يمنع الخطيب ان يستعمل احيانا عبارات قليلة من اللغة الدارجة. اذا كان الرثاء كله عاميا لا اظن انه يبلغ القلوب. مع ذلك هناك حالات معينة (بساطة الحضور) حيث يمكن استعمال اللغة العامية.

          هناك ايضا موضوع الوقت. الناس لا يتحملون الوقت الطويل (10 دقائق على الأكثر) ما لم يكن المتوفى انسانا عظيما فيتقبل المؤمنون وقتا اطول. من لا يعرف نفسه بليغا لا ينبغي ان يُتعب الناس. هم دائما يتأففون اذا كرر الكاهن اقواله مأتما بعد مأتم. التأبين من أصعب انواع الوعظ ويحتاج صاحبه الى تمرين كبير على معرفة الكتاب المقدس وباقي ابواب اللاهوت، كما يحتاج الى ما امكن من الفصاحة. مع ذلك اذا كان الكاهن ذا نَفَس روحي حقيقي فلا يخف، واذا عنده روح يسوع فهذا الروح يصل الى المؤمنين.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد جميع القديسين /الأحد 26 حزيران 2005 / العدد 26

وُضع الأحد الذي نحن فيه توا بعد العنصرة لتقول الكنيسة ان الروح القدس الذي نزل على التلاميذ هو الذي ينشئ القديسين. لماذا “جميع القديسين”؟ لكوننا اردنا ان نكرم ليس فقط القديسين الموزعة اساؤهم على كل ايام السنة وهم المطوبون الرسميون، ولكن لنكرم ايضا الذين لم تعرف الكنيسة اسماءهم وجعلهم الرب في ملكوته. الرسل والشهداء والأبرار والمعلمون، هؤلاء “صيروا الأرض سماء وساروا في الطريق الضيقة” اذ اشتركوا جميعا في آلام المسيح ويقفون امامه متضرعين لأجلنا.

          هؤلاء اعتراهم ضعف روحي ولكنهم كافحوه بصورة جدية. لم تكن القداسة عندهم حلما حلموا به او مجرد أمنية تمنوها. ولكنهم قبلوا نعمة الله وأقرنوها بجهاد غير منقطع يوما فيوما لأنهم اعتبروا ان القداسة مبتغانا الوحيد أكلنا ام لم نأكل، احتللنا مناصب ام لم نحتل، عرفَنا الناس ام جهلونا وتجاهلونا. لا شيء كان يهم القديسين إلا ألا يفصلهم شيء في الدنيا عن المسيح لعلمهم انه هو الحياة وان كل شيء ما عداه لهو ودنيانا ليست للهو. اجل فيها عمل وعائلة وعلاقات اجتماعية.          ولكن هذه كلها ان لم يسكنها المسيح ليست بشيء. فالمهم ان تميز بين الجوهر والعرَض. والأعراض تتغير. فقد تأكل اليوم ولا تأكل غدا لأن هذا عابر، وقد يمجدك الناس اليوم ويشتمونك غدا والأمران تافهان. ولكن في تمجيدك او الإعراض عنك ليكن السيد ساكن قلبك، فإن فرغ هذا منه فلست على شيء. ولذلك قال الرسول: “انا لست أحيا بل المسيح يحيا فيّ”.

          ما يريده المخلّص منك الا تطلب مجدا من الناس او التفاتة من احد او رضاء. فقد يضطهدونك او على الأقل يظلمونك. لسان حالك، اذ ذاك، “طوبى لكم اذا عيروكم واضطهدوكم وقالوا عنكم كل كلمة سوء”.

          الأخطر في الأيام التي تعيشها الا تردد هذا القول السطحي: “ليش انا مسيح” تبرر به كل خطاياك وتركن اليها وتدعها تعشش فيك لأنك تظن انها تحييك. مسيحك قال: “انا هو الطريق والحق والحياة”. وقال في موضع آخر: “من يأكل جسدي ويشرب دمي له الحياة الأبدية”. غير هذا حياة للجسد او تقدم لك في العلوم او بروز اجتماعي. والجسد يعيش كما خطط له. ولكنه لا يوصلك الى السعادة. كذلك العلوم وكذلك الجاه. هذه كلها لا تعطيك الوجودالكامل وهو في المسيح ومن المسيح.

          لقد وضع لنا إنجيل اليوم طريق وصولنا الى المعلم بقوله: “كل من يعترف بي قدام الناس أَعترف انا به قدام ابي الذي في السموات”. لا شك ان الشهداء اعترفوا به اعترافا كاملا. ولكن اذا سلكت انت حسب حق الإنجيل وتكلمت عن يسوع تكون معترفا به اي كاشفه للبشر وتكون طريقهم الى الرب. فالرب يسوع يقدم نفسه للبشر بواسطة احبائه وسمو اخلاقهم وطهارة كلامهم.

          ولكون السيد رأى انه يمكننا ان نفضّل ناسا عليه قال: “مَن احب ابا او اما او ابنا او ابنة اكثر مني فلا يستحقني”. لا يعني هنا انه علينا ان نهمل ذوينا، ولكن ان سمحنا لزوجاتنا واولادنا ان يتصرفوا ضد الإنجيل نكون مبغضين ليسوع. نحن نبذل انفسنا عنهم فيما نبذلها له. على طريق يسوع نلتقي بذوينا واصدقائنا. وان لم يكن على طريقه، نكون نحن واياهم عصابة لا إخوة.

          ثم لئلا نظن ان الطريق الى يسوع سهلة قال: “من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني”. انت تتبعه الى حيث ذهب اي الى الجلجلة وهي مكان موته. تتبعه قبل ان تموت هنا الى حيث تميت شهواتك وخطاياك لأن هذه ان لازمتك لا يعترف هو بك. وان رآك في اليوم الأخير على صورته ورأى وجهك شبيها بوجهه يُدخلك الى فرحه.

          القداسة كما رأيت طريق مدعو الى سلوكها جميع المعمدين على اسم الآب والابن والروح القدس. هي طريق ممكنة ووسائلها يمدنا بها الروح القدس. اجل القداسة صعبة ولكنها في متناول كل من ارادها.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 19 حزيران / العدد 25

حادثة حلول الروح القدس على التلاميذ رواه سفر الأعمال، ومنه أُخذت رسالة اليوم. تجلى حلول الروح بصوت من السماء “كصوت ريح شديدة تعصف” وألسنة نارية استقرت على كل منهم “فامتلاوا كلهم من الروح القدس واخذوا يتكلمون بلغات اخرى”.

          اما الفصل الإنجيلي فيؤتينا خطابا من السيد قاله سابقا “في اليوم الأخير العظيم من العيد” وهو المدعو عيد المظال الذي يقع بين ايلول وتشرين الاول ويدوم ثمانية ايام. في اليوم الأخير منه قال السيد: “إنْ عطش احد فليأت اليّ ويشرب… ومن آمن بي ستجرى من جوفه انهار ماء حي”. هذا هو تقريبا الكلام الذي قاله السيد للمرأة السامرية دالاً على الروح المزمع ان يقبله التلاميذ (في يوم العنصرة)، ثم يفسر ان الروح لم يكن قد أعطي بعد “لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجد” (تمجيد يسوع هو بموته). الروح اذًا سينزل بعد القيامة.

          بعد هذا اي في خطبة الوداع (الإنجيل الاول من اناجيل الآلام) سوف يتكلم الرب عليه بأكثر وضوح اذ يقول: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر… ليمكث معكم الى الأبد”، ثم يشرح ان الروح القدس هذا “سيرسله الآب ويعلمكم كل شيء”. ثم يؤكد ان هذا الروح ينبثق من الآب ويشهد للابن.

          نستنتج من هذا ان الروح الإلهي يرافق المؤمنين الى نهاية الدهور وينقل المسيح الى قلوبهم. لن يأتي بمضمون تعليمي جديد لأن التعليم قد انتهى بموت السيد ولن يزيد عليه احد شيئا ولن يكون كتاب آخر. واما ما كتبه الآباء القديسون وما قالته المجامع المقدسة وما يكتبه المفكرون الطاهرون في الكنيسة فهو فكر المسيح الذي يلهمهم اياه الروح القدس.

          والروح كان الى جانب الذين وضعوا لنا العبادات. كانوا يأخذون اقلامهم وينفخ فيهم الروح نفحاته وتتملئ صلواتنا من هذه النفحات. واذا قيل شيء خطأ فالروح القدس ينقحه بواسطة الممتلئين منه. قد يظهر الاعوجاج بهذا التصرف او ذاك من مسؤول كبير او صغير، ولكن يبعث الله بمن يتصدى له فيتقوم الاعوجاج حتى لا تتلوث الكنيسة.

          من اجل ذلك نقول في صلاة سَحَر العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي (اي يهبنا ما في عقل الله)، رئاسي (لأن الإلهام هو الذي يرئس الكنيسة)، مطهر للهفوات، إله ومؤلِّه (اي يجعلنا في قلب الله بالقداسة)…”.

          لذلك نستهل كل خدمة إلهية في كنيستنا باستدعاء الروح القدس: “ايها الملك، السماوي، المعزي…” حتى تنزل النعمة الى قلوبنا، حتى اذا طهرت نتمكن من الصلاة فيرفعنا الروح الى الآب والابن.

          الروح ليس فقط مع كل فرد مؤمن. انه مع الكنيسة جمعاء. وهو يُتمّ فيها الأسرار كلها. به تحصل المعمودية ومناولة الجسد والدم (“أَرسِلْ روحك القدوس علينا… واصنَعْ اما هذا الخبز فجسد مسيحك…”). والزواج في الكنيسة يحصل بالروح القدس، وكذا بقية الخِدَم الإلهية. فاذا أتمها الروح يتصور المسيح فينا.

          ان الله كشف كل ما عنده لنا بالمسيح   وإنجيله. ولكن هذا الكشف لا تستطيع ان تفهمه وتتبناه الا بالروح. وظيفة الروح ان يُدخل اليك شخصيا المعاني التي انسكبت كلمات، وهذه الكلمات يجب ان تتحول اليك وتمضغها وتغذيك، فاذا أوتيت الروح القدس وسكن فيك حقا تطرد الخطيئة التي تحول بينك وبين الفهم او تحول بينك وبين العمل الصالح. كل تأثيرات الروح القدس عليك هي لك عنصرة دائمة.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الآباء/ الأحد 12 حزيران 2005 / العدد 24

إنهم آباء المجمع المسكوني الأول ويقال له المجمع النيقاوي لكونه انعقد في مدينة نيقية في آسيا الصغرى بدعوة من الملك القديس قسطنطين وذلك بسبب ظهور بدعة آريوس الذي علّم ان الابن مخلوق بقوله: “كان زمان لم يكن الكلمة فيه”. خضت الكنيسة خضة كبيرة لأن ايمانها قائم على مساواة الابن للآب اي على ازلية المسيح.

          ووضع الآباء دستور الايمان الذي نتلوه أساسا في المعمودية ثم في القداس الإلهي: “اومن بإله واحد آب…”. بعض اجزاء هذا النص كانت معروفة في المعموديات، غير ان الجديد فيه انه نَحَتَ عبارة “المساوي للآب في الجوهر”. هذا النص حدد العقيدة. فإن تلوته فأنت مسيحي. عند الأزمات الكبرى توضح الكنيسة ايمانها بعبارات نسميها عقائد مستندة كلها الى الإنجيل فيأتي الدستور وكأنه مصكوك ليصوننا من الخطأ ونقف عنده ولا نخترقه. انه حدّ وانت ضمن الحدود. هكذا تحصن الكنيسة إيمانها.

          الكنائس المسيحية كلها يوحد بينها هذا الدستور. انطلاقا منه جاءت المجامع الأخرى لتوضحه. فالمجمع الثالث مثلا عندما حدد ان مريم هي “والدة الإله” قصد ان الذي في احشائها هو نفسه الإله-الابن وفي ذلك رد ضمني على من خالف ذلك. كذلك المجمع الرابع بقوله ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وانسانية كان يخشى قول القائلين ان المسيح لم يكن بشرا حقيقيا بل شبح بشر واراد ان يؤكد ان ليس من اختلاط بين إلهيته وبشريته. غير ان هذه العقائد اللاحقة للمجمع المسكوني الاول بقيت محفوظة وانتقلت الى الصلوات والتعليم دون ان نمس دستور الإيمان.

          اليوم بدعة آريوس (المسيح مخلوق) يجددها شهود يهوه. يقعون اذًا تحت تكفير المجمع لآريوس. من هنا انهم خطر مباشر علينا. ومن هنا ان ليس من كنيسة واحدة تعترف بهم، وان السلامة تقضي بألاّ نستقبلهم في منازلنا ليتكلموا.

          آباء المجمع نقول لهم “آباء قديسين” فقد خرجوا من السجون وجاء هذا بعين واحدة او يد واحدة او ساقٍ واحدة. جاؤوا بعد ان ادوا الشهادة. من هنا أنه ليس من معنى اذا أَديتَ شهادة لاهوتية ولم يأت سلوكك مطابقا لإيمانك. نحن نقيم ذكرى الآباء ونرجو ان نتشبه بقداستهم، اذ ليس المهم ان نفتخر بهم ولكن ان نماثلهم في كل شيء.

          هذا يضع مسؤولية على الكهنة بنوع خاص، فالكاهن لا يصير ابا روحيا عند رسامته. يجعله الله أبا اي مولدا الآخرين بالروح القدس. فليس له سلطان من نفسه ولكن من الروح القدس. وعندما يلاحظ الأسقف ان الكاهن بلغ هذه المرحلة من الحياة الروحية يخوله ممارسة التوبة.

          انت، كاهنا، تقول كلام المسيح وتطلب طاعة له لا طاعة لكل ما يجول في فكرك. انت لا تتحرك تجاه احد المؤمنين الا بوحي الروح. تتحرر من التسلط اي فرض الرأي الشخصي. واذا اظهر لك احد المؤمنين انك على خطأ تقبل ذلك بتواضع لأن المهم ان ينتصر الله. انت تجلس على كرسي الرسل بمعنى انك تسلك كما سلكوا. فاذا اقمت نفسك في حضرة الله وطاعة كلمته لا          يكون عندك ردة فعل او انفعال. اذا جئت من فوق تحضن جميع الناس كما حضنك المسيح.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

اشتهاء الكهنوت/ الأحد 5 حزيران 2005 / العدد 23

«إن ابتغى احدٌ الأسقفيةَ فيشتهي عملا صالحا. فيجب ان يكون الأسقف بلا لوم، بعل امرأة واحدة، صاحيا، عاقلا، محتشمًا…» (1تيموثاوس 3: 1).

كلمة أسقف في استعمال العهد الجديد وكلمة قس رديفتان، تستعمل الواحدة في مكان الأخرى. في نهاية العصر الرسولي أخذت وظيفة المطران تظهر مستقلة عن وظيفة الكاهن. مهما يكن من هذا التفريق كنا نلحظ دائما ان ثمة من يشتهي وظيفة المطران بما يظنون ان فيها شيئا من المجد والسلطة (ربما من المال) وهذا ما كان يدفع بعضا إلى ما نسمّيه السيمونية أي الرشوة لكسب أصوات في المجمع المقدس. غير أني لست متكلما الآن عن هذه الآفة. غير أني محدثكم عن اشتهاء القسوسية.

هذا شيء جديد جدا إذ ما كنا نسمع ان أحدا يطلب هذه المسؤولية لنفسه طمعا بالربح (وهو قليل في أوساطنا) أو رغبة في الخدمة أو تحقيقا للتوبة. في التاريخ الكنسي المعروف ان طالب التوبة يصير راهبا وهذا أمر لا مجد فيه ولا مكسب ولا شهرة. ولكن الانحراف ان تشتهي الكهنوت لتقديس النفس. تقديس النفس يتم عند العلماني بالمقدار نفسه الذي يتم عند الكاهن وربما بسهولة أعظم.

الوضع الأرثوذكسي القديم عند موت الكاهن، أو إذا رغب الشعب في أكثر من كاهن، أن الرعية كانت تلاحظ مَن التمع فيها بالتقوى فتطلب من المطران ان يرسمه لها وكان يتعهده المطران بتعليمه الخدمة الإلهية في المطرانية أو احد الأديرة. ولكن هذه الطريقة كانت مرتبطة بضعف التعليم اللاهوتي وتاليا عجز الكاهن عن الوعظ. اما وقد هيأ الله ان يكون عندنا معهد لاهوت في البلمند، يلتحق به طلاب يصبحون أكثر استعدادًا لتقبل الكهنوت. ويأتون من الشباب الناشط في الكنيسة والمحب لله. ويكون من الطبيعي ان يختار المطران بينهم من هو صالح للكهنوت. أي بدل من ان تنصح الرعية الرئيس الروحي برجل تقي فيها، يكون المعهد هو الناصح. غير ان الشهادة اللاهوتية لا تكفي اذ يجب على رئيس الكهنة ان يتحقق المؤهلات الروحية والأخلاقية ونمو الشخصية وسلامتها. فالشهادة عندنا هي إشارة على الاستعداد ولا ترغم المطران على الرسامة.

ما مسألة الدعوة الإلهية التي تُذكَر في هذا الخصوص؟ كاتب الرسالة إلى العبرانيين عندما يتكلم عن رئيس الكهنة في العهد القديم يقول: «لا يأخذ احد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضا» (5: 4). ماذا يعني هذا في كنيستنا؟

لقد كُتب الكثير في الكنيسة اللاتينية عن الشعور الداخلي عند طالب الكهنوت ولاسيما انه مرتبط عندها بالبتولية. فيأتي الاب الروحي للشاب القائل ان له دعوة ويفحصه كما يفحص أهليته للبتولية وكأنه يقول -بطريقتنا- انه كفؤ للعيش عازبا. هذا الموضوع غير وارد عندنا لأن كاهن الرعية عندنا متزوج أصلا.

ما نحن نقوله ان دعوة الله لرجل حتى ينضم إلى هذا السلك يسمعها الإنسان من فم المطران. هو يقول له ان الله يدعوه ويكون المطران قد استمع إلى شهود من الرعية وقام بحديث أو عدة أحاديث مع الشاب ويحس بأن هذه الدعوة قائمة. طبعا يمكن ان تحدث أخطاء، ولكن على المطران ان يتيقن ان هؤلاء الشهود محبون للمسيح ولا يشهدون عن عائلية أو تحزب. المطران يقترب من الحقيقة اقترابا، والممارسة تُظهر فيما بعد إذا كان الكاهن حقا مدعو من الله وتُظهر الوقائع انه غير أهل لهذه الوظيفة. ولكن على قدر ما يكون المطران حكيما، واعيا، لا ينفعل بآراء الناس، يأتي الاختيار صحيحا.

اذا أُتيح للطالب ان يقوم بدراسة لاهوتية ويمارس العبادات في المعهد ويعيش في مراقبة المسؤولين، يكون اختيار الأسقف اقرب ما يكون إلى الصواب.

في الأرثوذكسية: «أنا أحب ان أصير كاهنا» لا معنى لها. أنت الكنيسة تختارك وتطيع. أنت تبدو، ويرى المؤمنون وعلى رأسهم المطران ان النور الإلهي نزل عليك.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السامرية/ الأحد 29 أيار 2005 / العدد 22

من اجمل مقاطع انجيل يوحنا هذا الحوار البديع بين السيد والمرأة السامرية. وهي من قوم انحرفوا عن ديانة اليهود لقبولهم كتب موسى فقط ورفضهم أسفار الأنبياء. وباقٍ منهم حتى اليوم حوالى مئتي او ثلاث مئة شخص قرب نابلس وفي العالم. السيد في منتصف النهار كان قد وصل الى بئر يعقوب وهي قائمة حتى اليوم وقربها كنيسة ارثوذكسية.

          جاءت لتستقي ماء “فقال لها يسوع اعطيني لأشرب”. جابهته بقولها: “كيف تطلب ان تشرب مني وانت يهودي وانا امرأة سامرية”. القطيعة كاملة بيننا. عند ذاك حدثها المعلم بما لم تكن قادرة ان تفهمه، قال: “لو كنت تعرفين عطية الله ومن الذي قال لك اعطيني لأشرب لكنت انت تسألينه فيعطيك ماء حيا”.

          بقيت محدودة ببئر يعقوب وبعكرة ماء بديل عن الذي جاءت لتستقي منه. عندئذ رفع السيد سقف اهتمامها: “من يشرب من الماء الذي انا اعطيه فلن يعطش الى الأبد”. عند هذا السمو بالفكر قالت له اعطني هذا الماء” لكي استغني عن بئر يعقوب اذ ذاك، صدعها بقوله: “اذهبي وادعي زوجك”. اقرت بما يعني ان ليس لها زوج وانها تعيش مع رجل. ينقطع هنا الحديث عن سلوكها. ولكن ما يمكن فهمه ان الرب اوحى اليها انها لا تستطيع ان تشرب من الماء الذي يعطيه ما لم تتب.

          انتقلت، اذ ذاك، الى جدل لاهوتي حول المكان الذي ينبغي ان يتم فيه السجود. هل هو على جبل السامريين بالقرب من نابلس كما يقول شعبها ام في اورشليم كما يقول اليهود. عندئذ تجاوز المخلص هذا الجدل وقال انه ينبغي علينا معا ان نتجاوزه. العبادة ليست على هذا الجبل ولا في اورشليم. هذا نقاش يجب ان نتخطاه. “تأتي ساعة وهي الآن حاضرة (اي بسبب مجيئي) إذ الساجـدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق”. فمهما كانت المراسيم والطقوس الحالية (ذبح التيوس والعجول) المهم ان تتصل بالله حقيقة وفي العمق، في الروح الإلهي الساكن فينا. لن يبقى هيكل اورشليم ولن تبقى عباداتكم. ها عهد جديد قد أتى حيث يحتل الله قلوب الناس ويجعل في قلوبهم هذا العهد الجديد الذي لن يكون على صورة الختانة رمز العهد الذي قطعه الله مع ابراهيم. وهذا العهد الجديد سيقول يسوع يوما انه يتم بدمه ومن يشرب من هذا الدم (بالقداس الإلهي) يحيا الى الأبد.

          عند ذاك تركت المرأة جرتها فقد آمنت ان الذي يكلمها يحيا كل انسان به وانطلقت الى قومها وقالت لهم اني تبت بين يديه؟ “أليس هذا هو المسيح”. بشرت جماعتها وقبلوه عندهم وقَبِل الدعوة، واعترفوا “ان هذا هو في الحقيقة المسيح مخلص العالم”.

          من أخذه المسيح يحيا في المسيح ويبشر به اذ يعلم ان لا حياة الا به. السامرية فهمته اكثر مما فهمه التلاميذ آنذاك وصارت له.

          انت ان لم تعش معه عيش القلب المنكسر حبا تبقى أسير تقاليد واشكال ولو دينية.

          هذا لا يعني انه لا ينبغي ان نتمسك بعباداتنا. فهي تنقل المسيح الينا ان احببناها وفهمناها وأدخلناها القلب فتكون عند ذاك وجهه. ان لم يصبح المسيح كل شيء لك حتى تأتي منه وحده وتصير بدورك ينبوع ماء وايقونة لمسيحك تكون قد مكثت خارج الخظيرة. الا تبقى شعرة تفصلك عن يسوع وان تقضي حياتك متصلا به هذا ما يجعلك من تلاميذه حسب قوله لتلاميذه بعد العشاء السري: “من احبني يحفظ وصاياي”.

          بهذه الطاعة الكاملة له لا تبقى هوة بينك وبينه فتكون حبيبه ويكون هو حبيبك. واذ ذاك يقرأ الناس لا ملامح وجهك ولكن ملامح وجه المسيح.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

التربية بالصلاة/ الأحد 22 أيار 2005 / العدد21

إن شئت تربية مسيحية وان تتجدد فيك المعاني الروحية فعليك المواظبة على الخِدَم غير القداس الإلهي. القداس مكان لفهم الكلمة والمشاركة والتقديس. ولكن مواكبة ذكرى القديسين وبخاصة التمعن بقيامة الرب يفترضان حضورك صلاة السَحَر صبيحة كل أحد وكذلك صلاة الغروب مساء السبت وفي عشايا الأعياد.

على وجه التخصيص سَحَرية الآحاد والأعياد تُدخلك في صميم المعنى الفصحي، فإنجيل السَحَر مركز هذه الصلاة وهو سرد لظهورات السيد. كذلك الإنشاد (التبريكات وغيرها) هو فصحي بامتياز. والأحد ذكرى القيامة عن طريق تعليمها. والتعليم مكثف ويختلف جزئيا من أحد إلى أحد. وإذا فهمت لا تتضجر. الضجر ينتج فقط من كونك لا تعرف هيكلية صلاة السحر ولا تعي معانيها فترى نفسك مشردا، مشتتا.

وإذا امتلأت من معنى القيامة تدخل القداس الإلهي الذي ينقل إليك ذكرى موت المخلّص وانبعاثه من الموت. القداس تفعيل ومشاركة بالأقداس ولكن صلاة السحر لكونها فصحية بامتياز تؤهلك لدخول القداس.

كذلك صلاة الغروب مساء السبوت تُدخلنا مباشرة إلى معاني القيامة وهي تفتتح اليوم الطقسي. هكذا تلاحظون، إذا أردتم إقامة الأعياد بشكل مليء، ان صلاة الغروب تدشن العيد. الدورة الطقسية يجب ان ترتب خدمها بحيث يستطيع معظم الناس حضورها إن كانوا محبين للأعياد. فتتأخر مثلا صلاة الغروب إلى الخامسة أو السادسة مساء، وتبدأ صلاة السحر بحيث يتمكن المؤمن ان يأتي باكرا نسبيا لينتهي القداس في وقت مقبول.

تربيتنا الأساسية تتم في هذه العبادات لاسيما أنّ شعبنا يقرأ قليلا الكتاب المقدس والكتاب الديني بعامة. القداس وحده لا يربيك ولاسيما أن المشهد الذي أعرفه أنا اني إذا وصلتُ إلى كنيسة يوم الأحد أرى فيها شخصين أو ثلاثة، ثم تمر دقائق فترى في فترة انهم أصبحوا عشرة، وبعد حين صاروا عشرين، ولا يكون كل المؤمنين حاضرين عند الإنجيل. فكيف أنت تتناول ولم تسمع كلمة الرب لتتوب بها. وأحيانا تلحظ ناسا يأتون إلى المناولة من خارج الكنيسة كأنّ هذا عمل آليّ.

القداس عندنا ليس طويلا عند من عرفه وفهمه. الضجر ينتج من عدم المعرفة بالإيمان وعدم الاطلاع على الكتب. طبعا يجب على الكاهن الا يطيل الإيقاع وبخاصة يجب على المرتل الا يسترسل بالتنغيم الطويل، فالأفضل من ترتيل الرسالة قراءتها قراءة مُجوَّدة تفسح في المجال للفهم. الكلمات تَفنى في النغم ولاسيما عند الذي لا يعرفها. الخطوة التي أراها ناجحة اليوم هي ان بعضا من الناس يحملون «رعيتي» ويتابعون الرسالة والإنجيل.

إذا كانت كلمة الله «روحا وحياة» فلا بد من الوصول إليها بهذه الأساليب التي ذكرنا بعضها وإلا متنا جوعا أو جفافا.

هذا الذي قلناه أصل كل شيء. لا إصلاح في كنيستنا بلا استيعاب معانيها، كل معانيها. يجب ان يتجمع «محبو الأعياد» والذين يحيون بالصلاة ليطلبوا إلى كاهنهم إقامة كل الخِدَم في حينها. هو مُقام من اجل ذلك. الطقوس عندنا تحمل كلمة الحياة. والمواظبة عليها التماس الحياة. «ان ينبوع الحياة عندك يا رب».

إذا كنا خمسة أو عشرة في كل صلاة غروب كل يوم، وأكثر من ذلك في صلاة السحر منذ بدئها، وفتحنا آذاننا لنفهم الكتب وأحسسنا بامتداد الكلمة في الصلوات المختلفة والإنشاد، نكون قد وضعنا أساسا متينا لاتصالنا بالرب. لا نحفر لأنفسنا «آبارا مشققة لا تضبط الماء» ولكن أحواضا متينة تصب فيها الينابيع، حتى يصبح كل منا «ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية» نحياها منذ اليوم.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

من يدحرج لنا الحجر/ الأحد 15 أيار 2005 / العدد 20

هذا احد حاملات الطيب الذي يدور فيه الحديث عن عملية تطييب جسد يسوع لأن السبت كان قد حل عند دفن السيد ولا يجوز فيه العمل. ذهبت النساء القديسات وعلى رأسهن مريم المجدلية وتساءلن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. يقول الكتاب انهن تطلعنا فرأين الحجر قد دحرج. لا يقول الإنجيل شيئا عن علاقة الحجر المدحرج وقيامة المخلص. هل ازاحته قوة الهية حتى يخرج السيد ام ان القيامة بحد نفسها زلزال يزيل كل العقبات.

          همي انا ان احيا بالقيامة كل حين حسب قول السيد لمرتا: انا القيامة والحياة، ان اذوق قوة القيامة فيّ قبل المجيء الثاني وحدوث القيامة العامة. فانتصار السيد ممدود فيّ وفي المؤمنين او يكون حدثا ولى وقصة نرويها.

          انا اعيش في وسط العقبات، في المرض قليله او كثيره، في خطر نوبة قلبية ورعب السرطان. وذاك يختبر الفقر والعوز واليأس يصعب تجاوزهما ان لم تحدث معجزة اقتصادية في البلد. عقبة الخلافات الزوجية او خلافات العمل او صدمات حياتنا الكنسية بما فيها من تحامل على بعض واضطهاد لبعض.

          ان يعيش الإنسان في اخطار الأمراض المزمنة وتلك الموجعة، ان تحتمل المرأة عنف زوجها، ان يشك احدهما بالآخر. ان اسقط كل يوم في ضعف لا ينتهي، ان يبقى البلد على ما هو من تصدع ابنائه. وفقدان الكفاءة والرشدة كل هذا عقبات قليلها ينتهي.

          اين يسوع من كل هذا او اين من يسوع الظافر اذا بقيت اعاني من كل هذا او من بعض منه واتحجر في خطاياي. هل من يدحرج لي الحجر عن باب القبر الذي قبرت نفسي فيه او قبرتني فيه ظروف معيشتي. احيانا كثيرة لا يبدو لي ان اوجاعي الجسدي او المعنوية آخذة بالانخفاض كثيرا ما احس انا غريق او اني اكسر رأسي على الصخر.

          ان ايماني بالقيامة يجعلني اعتقد ان المسيح معي في عزلتي، في حرماني العاطفة ممن اتوقعها منهم. احس اولا بأن يسوع بديل عن كل انسان، بديل عن زوج يخون او زوجة تخون، عن شخص كبير في الكنيسة او في المجتمع يفتري علي ويكرهني. يسوع بديل عن كل مخلوق.

          السيد لم يعدني انه منقذي من هذا المرض او ذاك وان بعث بالرسل للشفاء ولكن لا يشفى كل واحد ولا الزوج يتوب ولا القامع يبطل القمع. فعندما قال السيد: انا معكم حتى منتهى الدهر لم يرد فقط انه مع الكنيسة جمعاء في عملها التبشيري ولكنه اراد انه مع كل واحد من احبائه في الوضع الذي يكون عليه. في المرض، في العزلة، في الخطيئة وانه سيجعلها انسانيا قياميا مشدودا الى يسوع ولو بقي تحت وطأة اتعابه.

          الدنيا وادي دموع. في اليوم الأخير سيمسح يسوع كل دمعة عن كل عين. الآن نتعزى عن الدمعة بالتعزيات الروحية التي تنزل علينا وتغيرنا من الداخل اي تقيم الفردوس في النفس مع استمرار اتعابها واتعاب الجسد. مع ذلك المسيح قائم ابدا فينا.   

وفي وسط الأمراض والفقر والجفاف العاطفي نقدر ان نكون. المسيح قام.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما / الأحد ٨ أيار 2005 / العدد 19

الفصح غاية وانطلاقة. غاية الجهاد لمن بذل في الصوم جهادا فهو يرى على قدر ما بذل من تضحيات وعلى قدر محبة الله له. وهو انطلاقة وملء للأيام التي نعيشها حتى الصعود اذ نظل في ترتيلنا: المسيح قام وفي الأسبوع الذي يلي العيد يبرز مجد المسيح بكثافة اعظم في ما نحن ننشده وكأننا نقول ان كل حياتنا هي هذا السيد القائم الذي نحوم حوله ويتحرك هو فينا ليجعلنا له.

          ومن اسطع الأنوار لرب المجد احد توما هذا الذي تعرفه العامة بالأحد الجديد لأنه الاول بعد الفصح حيث ظهر المعلم للتلاميذ والأبواب مغلقة من خوفهم اليهود. وكان الخوف في محله اذ كان الخطر في القضاء على الأتباع بعد ان ظن اليهود انهم قضوا على المعلم الذي بقي جسد في حسبانهم مخطوفا ومدفونا في مكان آخر.

          اخترق السيد الحواجز اذ لا يحول حاجز دون جسده المنور وقال للرسل السلام لكم. عبارة سلام عادية في ظاهرها ولكن المخلص أراد ان يبعث في نفوس تلاميذه الطمأنينة. وقد قال بولس فيما بعد ان المسيح هو سلامنا. فأنتم لا خوف عليكم لأني معكم الى منتهى الدهر ولا فرق بين ان تكونوا قلة او كثرة. وكانوا قلة واذا كنتم كذلك في كل اجيالكم في اي بلد فاعلموا اني انا سلامكم وانكم بإيمانكم تغلبون وقد يحاصر اعدائي اجسادكم ويحاولون ان يزرعوا فيكم الشك في قدرتكم على الصمود ولكن اعلموا اني انا سلامتكم الى الأبد ولوخطفوا اجسادكم وعذبوها لأنكم، اذ ذاك، تصبحون في سلامي على نحو اعمق مما كنتم لما كنتم مرتاحين وميسورين واحرارا بالحرية المعروفة في السياسة.

          ثم قال لهم: خذوا الروح القدس. هذه هي العنصرة في تعبير يوحنا. فالروح القدس يؤيدكم في جميع الحق وقد قلت لكم هذا في خطبة الوداع والروح ينطق بكم اذا قادكم الأشرار الى المحاكم وهو الذي يمحو الخطايا بقوة فدائي وانتصاري على الموت وهو الذي يجعلكم تاليا خلائق تتجدد بالمحبة. وانا اتصور به فيكم فلا يبقى احد لنفسه بل اكون انا فيه وهو فيّ.

          كان هذا يوم القيامة مساء ولم يكن توما معهم. في اليوم الثامن اي الأحد الذي نحن فيه اليوم ظهر السيد وتوما كان مع الجماعة وبعد ان اخبروه بأنه رأوا الرب كان يصر على انه يعاون أثر المسامير في يديه ويفتش جنبه المطعون بحربة. فظهر لهم الرب ولام توما على عدم ايمانه.

          لماذا هذا اللوم؟ ان الخطأ الذي ارتكبه توما كان فقط انه لم يصدق التلاميذ. ونحن علينا دائما ان نصدق التلاميذ اي ان تقبل كلمة الله كما هي في الإنجيل وان تقبل التراث الارثوذكسي الذي تكون في الكنيسة جيلا بعد جيل ايضاحا للإنجيل فلا يصنع احد ديانته كما يشاء او تشاء له الرياح العاصفة فيه من جراء خطاياه او من الاراء الفاسدة التي تقدمها البدع الخارجة عن الكنيسة او تأتي بها الفلسفات الضالة التي تبدو لغير العالمين شبيهة بايماننا وهي ليست بشبيهة.

          غير ان توما نفعنا كثيرا بشكه لأنه كشف لنا ان يسوع هذا الذي ظهر انما هو اياه الذي علقه قومه على الصليب وانه ليس بشبح. هذا اقوى إثبات على قيامة المخلص اي على ان المصلوب هو الذي تراءى. شك صار قوة للأجيال اللاحقة.

          فلما تأكد توما الواد التفتيش ان المعلم هو اياه قال ليسوع: ربي وإلهي. ليس الجديد في هذا الكلام ان يدعى المسيح ربا فهذا منتشر في كل العهد الجديد. ولكن الجديد ان يدعى المسيح إلها بالمعنى المطلق. ووردت كلمة الهي بالتعريف بمعنى انك انت الإله. انت الذي عرفوك في العهد القديم باسم يهوه. انت هو الإله الخالق والإله الفادي معا وبهذا نتجدد.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

القيامة / الأحد أول أيار 2005 / العدد 18

عندنا في سَحرية الآحاد احد عشر مقطعا في الأناجيل الأربعة تتكلم عن قيامة الرب. هل تراءى المخلص احدى عشرة مرة لتلاميذه؟ لسنا نعرف بدقة الجواب عن هذا السؤال. ولكن نستطيع القول ان الإنجيل الاول المقتبس من متى وفيه إطلاق السيد تلاميذه الى العالم ليعمّدوا لا يوازيه مقطع آخر. في الإنجيل الثالث (لصلاة السَحر) رأيناه يظهر لمريم المجدلية ونراه في يوحنا يظهر للمجدلية نفسها ويدور بينهما حديث. ضمن هذا الإنجيل الثالث نقرأ انه تراءى للاحد عشر وهم متكئون. هل هذا هو نفسه الظهور الذي تم في علية صهيون في الأحد الاول الذي يذكره يوحنا؟

          الظهور لتلميذي عمواس يتفرد به لوقا. ثلاث مرات يظهر حسب رواية يوحنا، ظهورات ربما تقاطعت واختلفت الروايات. ليس هذا هو الأمر المهم. المهم ان الأناجيل الأربعة متوافقة على ان الرب لم يبق في القبر. هذا هو الأمر اليقين. كذلك بولس يتكلم على ظهورات. هذا هو إيمان الكنيسة الاولى.

          الإنجيل تكلم عن دفن بعد موت. ولكنه لم يقل ان جسد المعلم انتعش في القبر واخترق الجدار او خرج من باب القبر بعد ان تدحرج الحجر. لم يهتم للكيف. رآه التلاميذ قد مات وعرفوا ان يوسف الرامي قد دفنه وذاع الخبر في اوساط الرسل وعند حاملات الطيب انه مدفون وذهبت النسوة لتطييب جسده. وبعد هذا نراه يتراءى ويأكل ويشرب مع التلاميذ. وشهد هؤلاء انهم رأوه عدة مرات. كذلك رأوه جميعهم انه اختفى عنهم بصعوده الى السماء. عندنا للحادث اذًا شهود كثيرون.

          و “اراهم يديه وجنبه” حسب رواية يوحنا. لم يكونوا اذًا امام شبح اذ تأكدوا بعلامة المسامير والجنب المطعون ان هذا هو الذي عُلّق على خشبة. ماذا اعطتهم القيامة؟ اعطتهم اليقين ان الذي شكّوا فيه لما هربوا هو حي وانه غلب الموت. وتوطد ايمانهم به لما حل الروح القدس عليهم. القيامة اذًا حدث حقيقي شهدوا هم له فانطلقوا بقوة عجيبة يعظون اليهود انه مات ثم قام. هذا اذًا هو الرب الذي لا يعتريه فساد. وتذكروا، اذ ذاك، قول المزامير: “لا تَدَعْ قدوسَكَ يرى فسادا”.

          ثم اعطتهم القيامة ان كل ما قال عن نفسه وعن كونه ابن الله كان حقيقيا. ولا ريب انهم عندما رأوه قد مات شكّوا بأمره وبأمر تعليمه. لم يبق الآن مجال للشك. ان هذا الذي لم ينتن جسده ما كان كبقية الناس ولا سيما ان الانسانية لم تعرف رجلا قام هكذا بقوة نفسه. له اذًا في نفسه سلطان على الموت. اليعازر ما قام بقوة نفسه ولكنه أقيم بنداء المسيح له: “يا لعازر هلم خارجا”. من هو هذا اذًا الذي حافظ على علامات موته في جسده؟ هنا فكروا انه يختلف جذريا عن بقية الناس. انبعاثه يؤكد اذًا صحة تعليمه وصحة عجائبه. فصاروا يستقرئون بقوة قيامته ان ما قاله عن علاقته بالآب كان قولا صحيحا.

          الأجيال اللاحقة التي تألمت واستشهدت فشهدت صارت قادرة ان تقبل الموت بشجاعة. وكانت تُقبل الى الموت بلا خوف فقط بتصديقها القيامة. والشهادة اديناها جيلا بعد جيل في العالم كله. وسيرة الشهداء حافلة بالقدرة العظيمة عند الشهداء لا تعادلها قدرة لأحد. العذابات موصوفة في كتبنا ودُوّنت ولم تر الانسانية قدرة مثل هذه. الاستشهاد الخارق في بطولاتها دل على ان الذين ماتوا حبا بيسوع استمدوا قوتهم من قدرته هو على غلبة الموت.

          والقداس الإلهي لا يقوينا الا لأنه ينقل الينا القوة التي كانت في قيامة المخلّص. ولذلك نصير بالقرابين التي نتناول ناسا قياميين وفق ما قاله السيد لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. اي ان المسيحيين يذوقون منذ الآن بطهارة قلوبهم بداية القيامة العامة.

          فالفصح الذي هو ذكرى قيامة المخلّص هو ايضا وعد بأننا نحن نخلص بها من خطايانا. فالقيامة بدأت به واستمرت بقداستنا ولذلك صار الفصح فينا فصحا مقيما الى ان نرث الفصح الأخير في الملكوت. ويكون عندئذ الكون كله قد تجلى وصار كونا من نور.

Continue reading